العملات المشفّرة في جمهورية إفريقيا الوسطى.. تجربة عالية المخاطر في دولة هشة
الجمعة، 02 يناير 2026 10:24 م
العملات المشفّرة في جمهورية إفريقيا الوسطى
في الوقت الذي تستعد فيه جمهورية إفريقيا الوسطى لخوض انتخابات رئاسية جديدة، تتصاعد الأسئلة حول واحدة من أكثر السياسات الاقتصادية إثارة للجدل، والتي انتهجها الرئيس فوستان أرشانج تواديرا منذ وصوله إلى السلطة، وهي الرهان على العملات المشفرة كبديل عن النظام المالي التقليدي.
وأشار تقرير حديث صادر عن مبادرة مكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود (GI-TOC) أعاد فتح الملف، محذرًا من أن هذه التجربة لا تهدد فقط الاستقرار المالي، بل قد تمس جوهر سيادة الدولة نفسها.

سياق اقتصادي شديد الهشاشة
ولفهم أبعاد هذه التجربة، لا بد من العودة إلى الواقع الاقتصادي للبلاد، فجمهورية إفريقيا الوسطى تصنف باستمرار ضمن أفقر دول العالم، مع ناتجٍ محلي ضعيف وبنية تحتية متهالكة، واعتمادٍ كبيرٍ على المساعدات الخارجية، كما أن نسبة كبيرة من السكان خارج النظام المصرفي الرسمي، يحد من قدرة الدولة على جمع الضرائب أو توجيه المدخرات نحو الاستثمار.
وفي هذا السياق، قد يبدو تبني العملات الرقمية خيارًا جذابًا من حيث الظاهر، كتجاوز البنوك وجذب أموال جديدة والاندماج في الاقتصاد الرقمي العالمي، لكن التجارب الدولية، تظهر أن التكنولوجيا لا تعوّض ضعف المؤسسات، بل غالبًا ما تكشفه وتضخمه.
البيتكوين كعملة رسمية.. قرار سياسي أكثر منه اقتصادي
وأعلنت إفريقيا الوسطى اعتماد البيتكوين كعملة رسمية، وقُدّم القرار باعتباره خطوة تحررية من احتكار النظام المالي العالمي، غير أن الواقع الاقتصادي يفرض تساؤلات جوهرية، كيف يمكن لعملة شديدة التقلب أن تخدم اقتصادًا هشًا يعتمد مواطنوه على دخل يومي محدود؟ وكيف يمكن لعملة رقمية، أن تحل مشكلة الفقر في بلد يعاني نقص الكهرباء والإنترنت؟
واقتصاديًا، لم يؤدي القرار إلى تدفق استثمارات ملموسة أو إلى تحسن في مؤشرات النمو، بل على العكس، زاد من تعقيد السياسة النقدية في بلد لا يملك أصلًا بنكًا مركزيًا مستقلًا بالمعنى الكامل.
مشروع سانجو كوين.. وعود كبرى ونتائج محدودة
وأبرز تجليات هذه السياسة كان مشروع سانجو كوين، الذي روج له كمنصة استثمارية طموحة لتحويل العاصمة بانجي إلى مركز رقمي حديث، وربط المشروع بين العملات المشفرة والاستثمار في البنية التحتية، بل وتجاوز ذلك إلى عرض حوافز مثل الإقامة الرقمية والجنسية وامتلاك الأراضي.
لكن هذه الوعود اصطدمت سريعًا بالقانون، بعدما ألغت المحكمة الدستورية معظم الحوافز، والنتيجة كانت فشلًا في تحقيق الأهداف التمويلية، مع بيع نسبة محدودة جدًا من العملات المستهدفة، والأهم من ذلك، أن مصير الأموال التي جمعت بقي غامضًا، ما أضعف ثقة الرأي العام والمستثمرين على حدٍ سواء.

عملة $CAR.. من التنمية إلى المضاربة
الانتقال إلى إطلاق عملة “ميم كوين” باسم $CAR مثل منعطفًا أكثر خطورة، وهذا النوع من العملات معروف عالميًا بطبيعته المضاربية واعتماده على الزخم الإعلامي لا على القيمة الاقتصادية، وفي الدول ذات الأسواق المتطورة، تعد هذه العملات عالية المخاطر، أما في دولة فقيرة، فهي أقرب إلى لعبة قمارٍ مالي.
ورغم استخدام العملة في بيع أراضي مرمزة، لا توجد شفافية حول عوائد هذه العمليات أو ما إذا كانت قد دخلت فعلًا إلى خزينة الدولة، واقتصاديًا، هذا يخلق فجوة خطيرة بين النشاط المالي الرقمي والاقتصاد الحقيقي.
خطر غسل الأموال وتدويل الجريمة
وأخطر ما يلفت إليه التقرير، هو غياب آليات التحقق من الهوية ومكافحة غسل الأموال، وفي بيئة تعاني ضعف الرقابة، تصبح العملات المشفرة أداةً مثاليةً لتدفق الأموال غير المشروعة، وهذا لا يهدد فقط سمعة الدولة، بل قد يعرضها لعقوبات دولية أو لعزلة مالية أعمق.
وإذا ما تم ربط هذه العملات بالموارد الطبيعية - كالذهب أو الماس أو النفط - فإن الخطر يتضاعف، ومن هنا لا نتحدث فقط عن فساد مالي، بل عن احتمال انتقال السيطرة على الثروات الوطنية إلى شبكات إجرامية أو مصالح أجنبية تحت غطاء رقمي.
السياسة والانتخابات.. من يدفع الثمن؟
وترى الحكومة أن التقرير مسيس ويهدف إلى تشويه صورتها، لكن من منظور اقتصادي بحت، يبقى السؤال الأساسي، من المستفيد الحقيقي من هذه السياسات؟ حتى الآن، لا تظهر دلائل على أن المواطن العادي استفاد من هذه المغامرة الرقمية، سواءً عبر فرص عمل أو تحسن في الخدمات.
وفي المقابل، يبدو أن دائرة ضيقة من الفاعلين تمتلك القدرة على إدارة هذه المشاريع والاستفادة من غموضها، ما يعمق الفجوة بين الدولة والمجتمع.

التكنولوجيا بلا حوكمة خطر مضاعف
وتجربة إفريقيا الوسطى تظهر بوضوح أن العملات المشفرة، ليست بديلًا عن الإصلاح المؤسسي، ومن دون شفافية، وقوانين صارمة، ومساءلة حقيقية، تتحول هذه الأدوات من فرصة محتملة للتنمية إلى تهديدٍ مباشرٍ للاقتصاد والسيادة، كما أن الرهان على الابتكار المالي قد يكون مشروعًا، لكن في دولة هشة مثل جمهورية إفريقيا الوسطى، يصبح هذا الرهان مقامرة عالية الكلفة، قد لا يدفع ثمنها السياسيون أو المستثمرون، بل المواطن الذي يبحث عن أبسط مقومات الاستقرار الاقتصادي.
اقرأ أيضًا:-
صندوق النقد يتابع الإصلاح الاقتصادي في إفريقيا الوسطى
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تيليجرام) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا.
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
من السيادة إلى الاستثمار، اليخوت العملاقة تتحول لمنصات اقتصادية عابرة للقارات
30 ديسمبر 2025 12:00 م
بين ثقل التعليم وضغوط الاقتصاد، ماذا جرى في سوق الكتب بمصر؟
28 ديسمبر 2025 02:14 م
%32 في الشرق الأوسط يعتمدون على ChatGPT، كيف يحمي الذكاء الاصطناعي وظيفتك؟
20 ديسمبر 2025 02:26 م
أكثر الكلمات انتشاراً