الإثنين، 01 سبتمبر 2025

01:28 ص

اقتصاد التضليل.. الوجه المظلم للربح في عصر المعلومات

الأحد، 31 أغسطس 2025 09:34 م

اقتصاد التضليل

اقتصاد التضليل

في إبريل 2013، لم يستغرق الأمر أكثر من بضع ثوانٍ ليتحول خبر كاذب إلى صدمة هزت الأسواق الأمريكية، وتعرض حينها حساب وكالة أسوشيتد برس Associated Press على تويتر للاختراق، ونشرت تغريدة مفبركة تزعم وقوع انفجار في البيت الأبيض وإصابة الرئيس باراك أوباما.

التضليل 

لم يستمر الخبر أكثر من دقائق قبل نفيه، لكنه كان كافيًا لإحداث ارتباك هائل، إذ خسر مؤشر S\&P 500 ما يقرب من 136 مليار دولار في لحظة واحدة، قبل أن يستعيد عافيته سريعًا بعد تصحيح المعلومة.

هذه الحادثة تختصر جوهر القضية، وهو التضليل الإعلامي لم يعد مجرد إزعاج، بل قوة اقتصادية قادرة على هز أسواق المال، وإثارة ذعر المستثمرين، وزعزعة استقرار النظام المالي العالمي.

التضليل.. من الشائعة إلى الصناعة

إذا تأملنا المشهد الحالي، سنجد أن التضليل لم يعد نشاطًا عشوائيًا أو مجرد خبر كاذب يصاغ في غرفة مظلمة، بل تحول إلى صناعة متكاملة الأركان، وهناك تمويل وتخطيط وآليات استهداف دقيقة، تصل إلى مراحل النشر والتضخيم.

التمويل لا يأتِ فقط من جهات سياسية أو جماعات ضغط، بل أحيانًا من الإعلانات نفسها، وباتت بعض وسائل الإعلام بشكل مباشر أو غير مباشر جزءًا من هذه الحلقة، والمكاسب التي تحققها هذه الصناعة لا تقف عند حدود الأموال، بل تمتد إلى أهداف أخطر، وهو تشكيل الرأي العام، وصناعة الانقسام المجتمعي، وإضعاف ثقة المواطنين في مؤسساتهم.

الذكاء الاصطناعي والتضليل

الذكاء الاصطناعي.. مضاعفة الخطر

الطفرة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي أضافت بعدًا جديدًا أكثر خطورة، ففي السابق، كان إنتاج محتوى مضلل يحتاج إلى وقت وموارد، أما اليوم فأدوات التزييف العميق Deepfake قادرة على إنتاج صور ومقاطع فيديو وصوتيات يصعب تمييزها عن الحقيقة.

انخفضت الكلفة، لكن الأثر تضاعف، والأخطر أن التضليل لم يعد مقتصرًا على النصوص أو الصور، بل صار متعدد الأبعاد ومقنعًا إلى درجة أن كثيرًا من المتلقين لا يشككون فيه إلا بعد فوات الأوان، ما يعني أن التضليل بات قادرًا على الانتشار بسرعة أكبر، وبمستوى من الإقناع يهدد استقرار المجتمعات والاقتصادات معًا.

اقرأ أيضًا:

الذكاء الاصطناعي، سلاح فتاك في حروب الإعلام والتضليل الاقتصادي

فاتورة اقتصادية باهظة

إذا حاولنا وضع أرقام تقريبية لحجم الخسائر الناتجة عن التضليل، سنجد أنفسنا أمام أرقام صادمة، وتشير تقديرات عام 2019 إلى أن الكلفة الإجمالية للأخبار الكاذبة على الاقتصاد العالمي تصل إلى 78 مليار دولار سنويًا، ومن هذا المبلغ، نحو 39 مليار دولار مرتبطة بخسائر مباشرة في أسواق الأسهم.

تكشف هذه الأرقام أن التضليل الإعلامي لم يعد شأنًا سياسيًا فقط، بل نزيفًا ماليًا مستمرًا يثقل كاهل الاقتصاد العالمي، وما زاد من خطورة الأمر أن هذه التقديرات تعود إلى ما قبل انفجار أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي، أي أن الكلفة الحقيقية اليوم قد تكون أكبر بكثير.

قلق متزايد داخل الشركات

قلق متزايد داخل الشركات

لا يقتصر الخطر على الحكومات وحدها، بل يمتد إلى الشركات الكبرى والعلامات التجارية العالمية، وأظهرت دراسة نشرت العام الماضي أن 8 من كل 10 مديرين تنفيذيين يشعرون بقلق حقيقي تجاه أثر التضليل القائم على الذكاء الاصطناعي على أعمالهم وسمعة شركاتهم، فالضرر لا يأتي فقط من خسائر مالية مباشرة، بل أيضًا من تراجع ثقة العملاء، وفي زمن رقمي سريع، قد تكون مجرد حملة تضليل منظمة كافية لتشويه سمعة علامة تجارية استثمرت مئات الملايين في بناء ثقة جمهورها.

اقرأ أيضًا:

الـ"AI وتزييف الذاكرة".. كيف يعيد العقل الاصطناعي تشكيل الاقتصاد من بوابة العقل البشري؟

التضليل.. سلاح جيوسياسي

تستخدم بعض الدول التضليل سلاحًا ناعمًا في صراعات النفوذ، فمن خلال حملات إعلامية مضللة، يمكن توجيه الرأي العام في دول أخرى، أو التأثير على نتائج الانتخابات، أو حتى خلق حالة من الفوضى الاجتماعية، ومن هنا يصبح التضليل أداة استراتيجية ضمن ما يعرف بالحروب الهجينة، إذ تتداخل الأدوات العسكرية والسياسية والإعلامية لتحقيق أهداف جيوسياسية بأقل كلفة مباشرة.

مواجهة التضليل

مؤسسات وطنية لمواجهة التضليل

أمام هذا الخطر المتصاعد، لم يعد الاعتماد على مبادرات فردية أو ردود أفعال متفرقة كافيًا، بل إن الحكومات بحاجة إلى تأسيس هيئات وطنية متخصصة لمكافحة التضليل، على أن تعمل وفق ثلاث ركائز:

1. الرصد والتنبيه المبكر: مراقبة المؤشرات الرقمية لاكتشاف بوادر الشائعات قبل انتشارها.

2. تحليل البيانات: تتبع مصدر الشائعة وخط سيرها، وفهم طبيعة الجمهور المتفاعل معها باستخدام أدوات تحليلية متقدمة.

3. إدارة الأزمات: عبر خطط معدة مسبقًا للرد والتوضيح تتناسب مع حجم وسرعة انتشار التضليل.

إن الركائز لا تحمي الاقتصاد من خسائر آنية فقط، بل تسهم أيضًا في الحفاظ على تماسك المجتمع وأمنه القومي.

اقرأ أيضًا:

التزييف العميق، عندما يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لزعزعة الثقة

بين الحقيقة والروايات المفبركة 

في زمن التدفق المعلوماتي الهائل، الخطر الأكبر يكمن في فقدان السيطرة على السردية، فالمجتمع الذي لا يملك مؤسسات قادرة على حماية فضائه الإعلامي، سيجد نفسه محاطًا بالروايات المفبركة التي تملأ الفراغ بسرعة.

يصبح التصدي للتضليل ليس مجرد مهمة دفاعية، بل استثمارًا استراتيجيًا لحماية الاقتصاد والمجتمع والدولة من الانهيار تحت ضغط الأكاذيب.

تأثير التضليل على الشركات

التضليل.. اقتصاد العصر

أصبح التضليل اليوم اقتصادًا قائمًا بذاته، بأرباحه ومموليه، وبات يحمل فاتورة باهظة تدفعها الأسواق والشركات والمجتمعات، ومع دخول الذكاء الاصطناعي على الخط، تضاعفت المخاطر، وأصبح لزامًا على الحكومات والشركات الاستثمار في آليات دفاعية متطورة. 

فلم تعد الحرب فقط على الأرض أو في الأسواق، بل أيضًا في فضاء المعلومات، إذ يمكن لكذبة واحدة أن تساوي مليارات.

تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن، عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا

إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، إضافة للتغطية والمتابعة على مدار الـ24 ساعة، لـ"أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية"، في مصر والوطن العربي وحول العالم.

Short Url

search