بين الأنقاض والتحديات، كيف يمكن لسوريا النهوض من تحت ركام الأزمة؟
السبت، 30 أغسطس 2025 05:10 م

الاقتصاد السوري
ميرنا البكري
بعد أكثر من 14 عامًا من الحرب، تقف سوريا الآن على مفترق طرق اقتصادي خطير، فكانت تسعى قبل عام 2011 لتكون لاعب إقليمي في التجارة والزراعة والطاقة، لكنها أصبحت الآن تصارع لكي توفر خبز ووقود وأدوية للناس.
وفقًا للتقرير الصادر من البنك الدولي، انكمش الناتج المحلي الإجمالي بـ 1.55% في عام 2024، ومن المتوقع أن يشهد نمو طفيف بـ 1% في 2025، وهذه نسبة لا تعكس أن الاقتصاد تعافى، بل توضح أن النزيف الاقتصادي قد يتباطأ قليلًأ.
لا تُعد الأزمة مجرد أرقام في تقارير دولية، بل قصة عملة فقدت قيمتها وقطاعات إنتاجية تدهورت وملايين تحت خط الفقر و4 اقتصادات داخل نفس البلد وكل واحد له نظام مختلف عن الآخر. ومع محاولة الحكومة الجديدة للعب على ورقة الإصلاح والاستثمار، الواقع يعكس أن الطريق لايزال طويلًا ومليء بالتحديات الامنية والعقوبات، ومخاطر قد تهد أي إنجاز في لحظة.

الحالة الراهنة لاقتصاد سوريا، بين الفقر المدقع والتحديات التي تعيق التعافي
بحسب تقرير البنك الدولي، تقلص الناتج المحلي بنحو 50% منذ 2010، فكان الانكماش بين 2010 و2020 أكثر من 58% ، وسجل نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 830 دولار في 2024، ويعكس هذا الرقم أن سوريا ضمن دول الدخل المنخفض.
فواحد من كل أربع سوريين في حالة فقر مدقع، وثلثي السكان تحت خط الفقر الأدنى، وفي تحليلات مذكورة، هناك أوقات كان بها 90% من السكان تحت خط الفقر، مما يوضح مدى تشعب المؤشرات.
قبل عام 2011، سجل سعر الدولار 50 ليرة في السوق الموازية، وبنهاية 2024 وصل سعر الدولار الواحد لأكثر من 15,000 ليرة، وتخطت معدلات التضخم 200% في فترات معينة.
كما تراجع الإنتاج النفطي من 380 ألف برميل يوميًا قبل 2011 لـ حوالي 30 ألف برميل في 2020، وهبطت نسبة القطاع الزراعي من 20% لـحوالي 8%، وأيضًا التكلفة التشغيلية في الزراعة ارتفعت بحوالى 300%، أي حوالي 70% من المصانع والمنشآت الصناعية في بعض المناطق تضررت أو توقفت.
الأسباب الجوهرية خلف تراجع الاقتصاد السوري
السبب الأول والحاسم هو الحرب المستمرة وتأثيرها المباشر على البنية التحتية والقدرة الإنتاجية والعمالة، والسبب الثاني مهم للغاية، العقوبات وقيود الوصول للنظام المصرفي الدولي، وبالتالي عطل استيراد الوقود والدخول في تعاملات تجارية طبيعية، وأيضًا جمد أصول وحول البلد لعزلة مالية.
كما أن ظهور أنشطة كبيرة في السوق السوداوية وغير الرسمية جعل اقتصادها غير شفاف ومحكومة بعلاقات ومصالح محلية، مما يُبطىء أي محاولة لإصلاح مؤسسي.
وأيضًا من أهم الأسباب تفكك الاقتصاد إقليميًا، أنه هناك 4 مناطق اقتصادية شبه مستقلة كلًا منهم بنظامها المالي وسياساتها وعملتها، وهذا معضلة كبرى أمام توحيد السياسات والتنمية.
التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية على الناس
لا يمس الانهيار الاقتصادي الأرقام فقط، بل يمس الخبز والسكن والصحة والتعليم، فارتفاع أسعار السلع الأساسية والتضخم الكبير جعل القوة الشرائية تنهار، كما تدمر نظام الحماية الاجتماعية الذي كان موجود قبل الأزمة.
وأيضًا عطل نقص العملة الصعبة، استيراد الدواء والبنزين والمواد الخام، مما أدى إلى زيادة الفقر المدقع، ونقص الخدمات الأساسية، وموجات نزوح وطلب لجوء كبير خارج البلاد، بالإضافة إلى القيود على المساعدات وتأمين الإمدادات التي تُصعب إدارة الأزمة.
التحديات الأساسية التي لابد أن تُحل
1. الاستقرار الأمني، من دونه لا يوجد استثمارات أو إعادة إعمار.
2. مشكلة السيولة والوصول للمصارف الدولية، فالأوراق النقدية قليلة، والبنوك معزولة.
3. تمنع العقوبات والأصول المجمدة دخول تمويل خارجي وقطع سلاسل إمداد الطاقة.
4. توحيد المناطق الاقتصادية والعملة، فالاقتصاد منفسم، لذلك من الضروري وضع خطة لتوحيد النظام النقدي والمالي تدريجيًا.
5. الطاقة وإمدادات النفط، فتأمين واردات أو استعادة الإنتاج المحلي شرط هام وفارق للاستقرار الاقتصادي.
6. إصلاح المؤسسات والحوكمة والشفافية، جذب استثمارات بدون حوكمة سيفتح باب الفساد ويضر المستهلكين.
7. القدرة على جمع بيانات موثوقة، يقول تقرير البنك الدولي أن البيانات نادرة؛ فبدون بيانات دقيقة لا يوجد سياسات ناجحة.
اقرأ أيضًا:-
بعد حظر دام 14 عامًا، «جوجل» تُعيد الإعلانات الرقمية إلى سوريا مجددًا

سيناريوهات التعافي والتوقعات
السيناريو الأساسي (الأكثر احتمالاً حسب تقرير البنك الدولي):- نمو طفيف بنسبة 1% في 2025، وإذا استمرت نفس سياسة الحكومة مع تحسينات إدارية محدودة، قد يظهر نمو نسبي في 2026 من 1 لـ 2%، لكن هذا غير كافي لتعويض الخسائر التاريخية، فيظل التضخم في الارتفاع والتقلب، إذا استمر النقص في إمدادات الطاقة وتقلبات سعر الصرف.
السيناريو الإيجابي:- إذا حدث تخفيف مؤقت للعقوبات وجزء من الأصول المجمدة تم فكه، والوضع الأمني تحسن، وبدأت عودة جماعية للمهاجرين والنازحين، قد يحدث نمو سنوي مؤقت من 3 لـ 5% في 2026–2027، أي عودة تدريجية للاستثمار ورفع إنتاج النفط والغاز.
السيناريو السلبي:- في حالة استمرار العقوبات وسوء الأمن، مع موجات تضخم جديدة أو ارتفاع أسعار الوقود، قد يعو الاقتصاد لانكماش أو نمو صفري مع تفاقم الفقر والمجاعة الجزئية في أماكن.
سيستمر الفقر والتفاوت حتى مع عودة جزئية للنمو، لأن الانتعاش الأولي قد يتركز في قطاعات رأس المال ويهمل الحماية الاجتماعية.
خارطة أولويات سياسية واقتصادية
على المدى القصير، من المهم أن يتم تأمين الإمدادات الأساسية (وقود، دواء، مواد غذائية) عن طريق قنوات إنسانية وإقليمية، وأيضًا إطلاق حزمة حماية اجتماعية نقدية للفئات الأكثر ضعفًا، وإجراءات لإدارة سعر صرف مؤقتة وشفافة.
على المدى المتوسط، فمن الضروري وضغ خطة لتوحيد النظم المالية بين المناطق الأربع مع مراحل انتقالية، وإعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة والزراعة، مع التركيز على الإصلاحات البنكية لاستعادة ثقة المودعين وإعادة ربط البنوك مع أنظمة دفع إقليمية بالتدرج، بالإضافة إلى تحفيز استثمارات مشروطة بالحوكمة والشفافية.
على المدى الطويل، فلابد ان يحدث إصلاح مؤسسي شامل (حوكمة عامة، مكافحة فساد، قوانين استثمار عادلة تحفظ المنافسة وتحمى المستهلكين)، وتنمية القطاعات المنتجة (زراعة، طاقة متجددة، تعليب وتصنيع محلي)، مع إنشاء برامج إعادة إدماج اللاجئين والنازحين في سوق العمل مع بنية تحتية تعليمية وصحية معاد بناؤها.
مخاطر وسياسات مراعاة العدالة الاجتماعية
لابد أن يُصحب أي فتح اقتصادي أو استقطاب استثمارات، بإجراءات حماية اجتماعية واضحة (شبكات أمان، دعم للسلع الأساسية، سياسات تشغيلية لتقليل البطالة)، كما أن فتح الاقتصاد بسرعة دون رقابة، قد يحول الفائدة لفئات قليلة ويزيد تكاليف المعيشة على الأغلبية.
توصيات سريعة قابلة للتنفيذ الآن
1. تفاوض إقليمي ودولي للحصول على إعفاءات مؤقتة لاستيراد الوقود والدواء مقابل ضوابط شفافية.
2. إطلاق برنامج طارئ للنقد الاجتماعي يستهدف الفقراء المدقعين، واستخدام بيانات سريعة ميدانية لأن سجلات الدولة قد تكون مهزوزة.
3. خطة لإعادة تشغيل الحقول النفطية الآمنة بالتعاون مع جهات محلية وإقليمية مع آليات رقابة على العائدات.
4. وضع إصلاحات بنكية سريعة لإعادة الثقة فمثلًا، فتح قنوات تحويل آمنة للعمالة المهاجرين.
5. بدأ مشروع وطني لتوحيد سعر الصرف على مراحل مع آليات دعم للفئات الضعيفة لتخفيف صدمة الأسعار.
أبرز نتائج التحليل
1.وصل الاقتصاد السوري لحالة انهيار اقتصادي عميق أثر على الناتج المحلي ودخل الفرد، وقوة العملة.
2.يُعد التوقع الرسمي لينمو 1% في 2025، مؤشر بسيط على توقف الهبوط لكن ليس تعافي.
3.يتطلب التعافي الحقيقي مزيج من استقرار أمني وتخفيف جزئي للعقوباتو وصول للسيولة وإصلاح مؤسسي.
في حال نجاح هذه الشروط، قد يحدث نمو معقول خلال 2 لـ 3 سنوات؛ وإلا يستمر الفقر والتدهور، وأي سياسة فتح اقتصادي لابد أن تكون مشروطة بحماية اجتماعية وإصلاحات لحماية المستهلك ومنع الاحتكارات.
اقرأ أيضًا:-
السعودية تُعلن استثمارات بقيمة 6.4 مليارات دولار في سوريا

ختامًا، قد تتعافى سوريا، لكن لا يكون التعافي سهل أو سريع، فيتطلب إرادة سياسية حقيقية، وتعاون إقليمي ودولي ذكي وليس مجرد وعود، وبرامج اجتماعية تحمي الناس.
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، وبالاضافة لتغطية ومتابعة على مدار الـ 24 ساعة، لـ أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
السعودية بين أكبر 15 مستوردًا عالميًا للجبن بقيمة تجاوزت مليار دولار في 2024
31 أغسطس 2025 04:03 م
الصين في مأزق مزدوج، تراجع الصناعة وعودة تهديدات ترامب
31 أغسطس 2025 03:51 م
مركز المعلومات: الصناعات منخفضة الكربون ليست عبئًا بل فرصة للنمو وخلق وظائف خضراء
31 أغسطس 2025 11:52 ص
أكثر الكلمات انتشاراً