الجمعة، 06 نوفمبر 2026

06:02 م

نوران الرجال تكتب: هل تنجح مصر في تحويل المساندة الحكومية إلى ميزة تنافسية على خريطة التجارة العالمية؟

الجمعة، 06 نوفمبر 2026 05:24 م

نوران الرجال

نوران الرجال

في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين والخدمات اللوجستية، لم تعد المنافسة في الأسواق الدولية تعتمد فقط على جودة المنتجات أو انخفاض تكاليف تصنيعها، بل أصبحت كفاءة الوصول إلى الأسواق عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة الدول على تعزيز صادراتها وانتزاع حصص أكبر من التجارة العالمية.

ومن هذا المنطلق، يأتي قرار الحكومة المصرية تقديم مساندة للشحن البحري والبري بنسبة 50% من تكلفة النقل إلى عدد من الأسواق المستهدفة، ضمن البرنامج الجديد لرد الأعباء التصديرية، ليعكس توجهًا نحو معالجة أحد أبرز التحديات التي تواجه الصادرات المصرية، وهو ارتفاع التكلفة اللوجستية، خاصة عند التصدير إلى الأسواق البعيدة.

فالقرار الذي وافق عليه مجلس الوزراء برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي لا يمثل مجرد دعم مالي للمصدرين، وإنما يحمل أبعادًا لوجستية وتجارية أوسع، تتعلق بقدرة مصر على إعادة صياغة خريطة انتشار منتجاتها في الأسواق العالمية، وتعزيز الاستفادة من موقعها الجغرافي وشبكة موانئها البحرية.

الشحن البحري والبري.. تخفيف الأعباء وفتح أسواق جديدة

تتضمن المنظومة الجديدة تقديم دعم بنسبة 50% من تكلفة النقل البحري والبري إلى أسواق أفريقيا وأمريكا اللاتينية وأستراليا وجنوب شرق آسيا وروسيا، وهي أسواق تتسم بتنوع فرصها التجارية، لكنها في الوقت نفسه تفرض تحديات لوجستية نتيجة المسافات الطويلة وتكاليف النقل المرتفعة.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في أن تكلفة الشحن تمثل أحد المكونات الرئيسية للسعر النهائي للمنتج عند وصوله إلى المستورد، وبالتالي فإن خفضها يمنح المصدر المصري فرصة لتحسين قدرته السعرية، سواء من خلال تقديم أسعار أكثر تنافسية أو تحسين هامش الربحية، بما يشجعه على التوسع في الأسواق الخارجية.

كما أن توجيه الدعم إلى أسواق بعيدة جغرافيًا يحمل دلالة مهمة، تتمثل في محاولة تجاوز التركز التقليدي للصادرات في بعض الأسواق القريبة، والتوسع نحو مناطق جديدة يمكن أن تستوعب مزيدًا من المنتجات المصرية، بما يساهم في تنويع الوجهات التصديرية وتقليل مخاطر الاعتماد على أسواق محدودة.

الموانئ المصرية أمام اختبار جديد

يمثل القرار فرصة لتعزيز الدور الاقتصادي للموانئ المصرية باعتبارها نقاط الانطلاق الرئيسية للتجارة الخارجية، خاصة في ظل الموقع الاستراتيجي لمصر على البحرين المتوسط والأحمر، وقربها من أهم خطوط الملاحة الدولية.

لكن الاستفادة الكاملة من دعم الشحن تتطلب توافر منظومة ملاحية متكاملة، تشمل انتظام الخطوط البحرية، وتعدد الخدمات والرحلات، ورفع كفاءة عمليات تداول الحاويات والبضائع، وتقليل زمن انتظار السفن، إلى جانب تحسين خدمات التخزين والمناولة داخل الموانئ.

فكلما ارتفعت كفاءة الموانئ، انخفضت التكلفة الإجمالية لحركة البضائع، وأصبحت المساندة الحكومية أكثر تأثيرًا في تحسين القدرة التنافسية للصادرات.

وهنا تبرز أهمية الربط بين برنامج دعم الصادرات وخطط تطوير الموانئ المصرية، ليس فقط باعتبارها منشآت لاستقبال السفن ومغادرتها، وإنما باعتبارها مراكز لوجستية متكاملة قادرة على تقديم خدمات ذات قيمة مضافة، وتعزيز حركة التجارة وإعادة التصدير.

من دعم النقل إلى تطوير سلسلة الإمداد بالكامل

اللافت في البرنامج الجديد أنه لم يقتصر على النقل البحري والبري، بل امتد ليشمل وسائل وخدمات لوجستية متعددة، حيث تضمن تقديم مساندة للمركب السريع بنسبة 25% من قيمة الفاتورة الإلكترونية، ودعم النقل الجوي بنسبة 25% إلى الأسواق الأوروبية و50% إلى إنجلترا ضمن برنامج الحاصلات الزراعية.

كما شمل دعم النقل الداخلي بنسبة 25% من التكلفة، والتأمين على الشحن بنسبة 25% من قيمة بوليصة التأمين المعتمدة.

ويعكس هذا التنوع إدراكًا لأهمية التعامل مع التكاليف اللوجستية باعتبارها سلسلة مترابطة تبدأ من نقل المنتج من موقع التصنيع أو الإنتاج إلى الميناء، مرورًا بعمليات التخزين والمناولة والشحن والتأمين، وحتى وصوله إلى السوق المستهدف.

وتكتسب هذه المنظومة أهمية خاصة بالنسبة للحاصلات الزراعية والصناعات الغذائية، التي تتطلب سرعة في التداول والتسليم، وتحتاج إلى خدمات نقل وتأمين تتناسب مع طبيعة المنتجات ومدة صلاحيتها.

كما أن دعم النقل الداخلي يمثل عنصرًا مهمًا في تحسين الربط بين مناطق الإنتاج والموانئ، خاصة أن ارتفاع تكلفة نقل البضائع داخل الدولة قد يقلل من أثر أي تخفيض يتم تقديمه في تكلفة الشحن الدولي.

الأسواق البعيدة.. هل تتحول إلى فرص تصديرية حقيقية؟

تفتح قائمة الأسواق المستهدفة الباب أمام تساؤل مهم حول قدرة مصر على استغلال الدعم في زيادة نفاذ صادراتها إلى مناطق جغرافية تمتلك فرصًا تجارية واعدة.

فالتوسع في أفريقيا وأمريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا وأستراليا وروسيا لا يرتبط فقط بتخفيض تكلفة الشحن، بل يتطلب أيضًا دراسة طبيعة الطلب في هذه الأسواق، وتحديد المنتجات التي تتمتع فيها مصر بميزة تنافسية، وتطوير مسارات النقل والخدمات الملاحية التي تضمن وصول البضائع في الوقت المناسب.

ومن الضروري هنا أن تتكامل سياسات دعم الشحن مع جهود الترويج التجاري، والاتفاقيات التجارية، وتطوير منظومة المواصفات والجودة، وتسهيل الإجراءات الجمركية، حتى لا يظل الدعم مجرد تخفيض في تكلفة النقل دون أن ينعكس على زيادة فعلية في حجم الصادرات.

كما أن التوسع في الأسواق البعيدة يحتاج إلى خدمات ملاحية منتظمة وأسعار شحن تنافسية، وهو ما يجعل التعاون بين الحكومة وشركات الملاحة ومشغلي الموانئ ومقدمي الخدمات اللوجستية عاملًا أساسيًا لتحقيق أهداف البرنامج.

التحدي الأكبر.. كفاءة التنفيذ واستدامة الأثر

على الرغم من أهمية القرار، فإن نجاحه لن يتوقف على نسبة المساندة المقررة، وإنما على آليات تطبيقها وسرعة وصولها إلى المصدرين، ومدى وضوح الضوابط المنظمة للاستفادة منها.

فمن المهم أن تتسم إجراءات الحصول على الدعم بالبساطة والشفافية، وأن تتناسب مع احتياجات الشركات المختلفة، خاصة المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي تواجه صعوبات أكبر في تحمل تكاليف النقل والتأمين والتعامل مع شركات الشحن الدولية.

كذلك ينبغي تقييم نتائج البرنامج من خلال مؤشرات أداء واضحة، تشمل متوسط تكلفة شحن الحاويات والبضائع، وزمن وصول الشحنات، ومعدلات نمو الصادرات إلى الأسواق المستهدفة، وعدد الشركات التي نجحت في دخول أسواق جديدة.

ومن المهم أيضًا التأكد من أن المساندة الحكومية تؤدي إلى خفض حقيقي في التكلفة التي يتحملها المصدر، وليس مجرد تعويض جزئي عن ارتفاعات الأسعار دون تحقيق تحسن ملموس في تنافسية المنتج المصري.

مصر والفرصة اللوجستية

في النهاية، يمثل دعم الشحن البحري والبري بنسبة 50% خطوة مهمة في مسار تعزيز تنافسية الصادرات المصرية، لكنه يفتح في الوقت نفسه ملفًا أوسع يتعلق بمستقبل المنظومة اللوجستية المصرية وقدرتها على مواكبة متطلبات التجارة العالمية.

فالموقع الجغرافي المتميز لمصر، وشبكة موانئها على البحرين المتوسط والأحمر، وما تشهده البنية التحتية من مشروعات تطوير، تمثل مقومات يمكن البناء عليها لتعزيز دور الدولة في حركة التجارة الإقليمية والدولية.

لكن تحويل هذه المقومات إلى ميزة تنافسية مستدامة يتطلب تكاملًا بين دعم المصدرين، وتطوير الموانئ، وتحسين كفاءة النقل متعدد الوسائط، وتوسيع الخدمات الملاحية، وخفض زمن وتكلفة تداول البضائع.

وبالتالي، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في تحمل الحكومة نصف تكلفة الشحن، وإنما في قدرة مصر على بناء منظومة لوجستية أكثر كفاءة ومرونة، تجعل المنتج المصري أكثر قدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية، وتمنح الموانئ المصرية دورًا أكبر في حركة التجارة الدولية.

فهل تكون مساندة الشحن بنسبة 50% بداية لتحول مصر من مجرد نقطة عبور للتجارة العالمية إلى مركز لوجستي وتصديري أكثر تأثيرًا في الأسواق الدولية؟

Short Url

search