الخميس، 29 أكتوبر 2026

09:17 م

رقية الأشرم تكتب: الشرق الأوسط وصراع المصالح والنفوذ

الخميس، 29 أكتوبر 2026 07:03 م

دكتورة رقية الأشرم

دكتورة رقية الأشرم

لم تعد منطقة الشرق الأوسط مجرد ساحة لصراعات سياسية وعسكرية متفرقة، بل أصبحت نقطة التقاء لمصالح القوى الكبرى، من الولايات المتحدة والصين وروسيا إلى إسرائيل والقوى الإقليمية، في مشهد تتداخل فيه حسابات الأمن والطاقة والتجارة مع محاولات إعادة رسم موازين النفوذ.
الاقتصاد هو الخيط الذي يجمع خريطة الصراع، فالولايات المتحدة تنظر إلى أمن المنطقة من زاوية حماية مصالحها الاستراتيجية وحركة الطاقة والملاحة، بينما تسعى الصين إلى تأمين احتياجاتها التجارية والطاقوية وتوسيع حضورها الاقتصادي، وتتعامل روسيا مع التطورات بما يخدم مصالحها الاستراتيجية وعلاقاتها مع أطراف المنطقة. أما إسرائيل، فتضع أمنها ومواجهة النفوذ الإيراني ضمن أولوياتها، في وقت تتحمل فيه اقتصادات المنطقة كلفة اتساع المواجهة.
 في قلب هذه المعادلة تقف السعودية وإيران، حيث يتجاوز التنافس بينهما الخلافات السياسية إلى النفوذ الإقليمي وأمن الخليج وممرات الطاقة، ومع اتساع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، تجد الرياض نفسها أمام معادلة صعبة: حماية أمنها ومنشآتها النفطية، والحفاظ على استقرار اقتصادها، وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.


وهنا يبرز سؤال مهم: هل يمكن أن يؤدي الضغط العسكري على السعودية إلى دفعها للتدخل لدى واشنطن لوقف ضرباتها ضد إيران؟ هذا احتمال ضمن حسابات الضغط الإقليمي، لكنه ليس تفسيرًا مؤكدًا لدوافع الهجمات، فاستهداف الأراضي السعودية أو منشآتها قد يرفع كلفة المواجهة على الجميع، لكنه قد يدفع الرياض أيضًا إلى تعزيز دفاعاتها وتوسيع تعاونها الأمني مع شركائها.

الحوثيون.. من الصراع اليمني إلى معادلة التجارة العالمية
 

لم يعد دور الحوثيين محصورًا في الداخل اليمني؛ فموقعهم قرب باب المندب يمنح تحركاتهم تأثيرًا يتجاوز حدود اليمن، وأي تهديد للملاحة في البحر الأحمر، بالتزامن مع اضطراب مضيق هرمز، يضع صادرات النفط وحركة التجارة الدولية أمام مخاطر مضاعفة، وقد ربطت تقارير اقتصادية حديثة بين الهجمات على السعودية ومخاوف تعطل الإمدادات وارتفاع أسعار الطاقة.
 

ومن هنا، فإن دور الحوثيين لا يُقرأ عسكريًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا؛ لأن اضطراب الممرات البحرية يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤخر وصول البضائع، ويضغط على أسعار الوقود والغذاء، بما ينعكس على الدول المستوردة، ومنها مصر، وعلى التجارة الأوروبية التي تعتمد بدرجة مهمة على خطوط الملاحة الدولية.
 

من يدفع الثمن؟
 

المفارقة أن أطراف الصراع قد تسعى إلى تحسين مواقعها التفاوضية، لكن فاتورة التصعيد لا تتوقف عند حدود الدول المتحاربة، ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الإنتاج والنقل، واضطراب سلاسل الإمداد يرفع تكاليف الشركات، وتزداد المخاطر على الاستثمارات والسياحة وموازنات الدول المستوردة للوقود.
وتواجه مصر وأوروبا تحديًا مشتركًا يتمثل في تأمين الطاقة واستمرار حركة التجارة عبر البحر الأحمر وقناة السويس، وإن اختلف حجم التأثير ووسائل التعامل معه من دولة إلى أخرى.
 

إن الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد ساحة مواجهة بين واشنطن وطهران أو تنافس بين الرياض وطهران، بل شبكة متداخلة من المصالح الدولية والإقليمية، وبين حسابات الردع والنفوذ، يبقى استقرار الطاقة والملاحة والتجارة مصلحة مشتركة تتضرر كلما اتسعت دائرة الصراع. 

فالسؤال الاقتصادي الأهم ليس من يحقق مكسبًا سياسيًا مؤقتًا، بل من يستطيع منع تحول الصراع إلى أزمة طويلة الأمد يدفع ثمنها الاقتصاد العالمي بأكمله.

Short Url

search