الأربعاء، 30 سبتمبر 2026

12:00 ص

إسلام جهاد الدين يكتب.. «الاقتصاد الخفي» من غير الرسمي للرسمي كيف يخسر الجميع حين يغيب ثلث الاقتصاد عن السجلات؟

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 09:59 م

إسلام جهادالدين

إسلام جهادالدين

تخيل أن أكثر من نصف نشاط اقتصادي، بلد بأكمله يدور خارج السجلات، بعيداً عن عيون الدولة وبياناتها وخططها، لا ضرائب، ولا تأمين، ولا رقابة، ولا حماية. هذا تحديداً ما تعيشه مصر منذ عقود: اقتصاد موازٍ هائل الحجم يعمل في الظل، يتنفس وينتج ويوظف ويسوق، لكنه يظل غائباً عن أرقام الدولة وسياساتها.

وتشير تقارير الحكومة المصرية، إلى أن الاقتصاد غير الرسمي في مصر يشكل ما يقارب 50% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أن نصف ما تنتجه مصر من سلع وخدمات يأتي من هذا القطاع الموازي.

على مستوى سوق العمل، يقدر البنك الدولي، أن العمالة غير الرسمية تمثل نحو 62% من إجمالي القوى العاملة المصرية، فيما تقدر دراسات أخرى أن 68% من فرص العمل الجديدة يوفرها هذا القطاع (غير الرسمي) وحده.

أما حجم هذا الاقتصاد الخفي، فيقدر بأكثر من 127 مليار دولار وفقاً لبيانات الحكومة المصرية، وهو رقم يفوق الناتج المحلي الإجمالي لدول عربية بأكملها. 

وهذه الأرقام لا تعبر فقط عن حجم ما يفوت الدولة من إيرادات ضريبية. إنما تعبر عن حجم اقتصاد كامل يعمل في ظروف هشة وغير محمية، يحرم اصحابه من التمويل الرسمي، وحقوق العمال، والحماية القانونية، وفرص التوسع الحقيقية.

فلماذا يختار الملايين من أصحاب المشروعات البقاء في الظل رغم وجود قوانين تمنحهم مزايا للخروج منه؟ وما الذي يجعل محاولات الدمج تتعثر مرةً بعد مرة رغم التشريعات والمبادرات؟

أولاً: جذور المشكلة - لماذا نشأ هذا الاقتصاد الموازي؟

الاقتصاد غير الرسمي في مصر لم ينشأ تهرباً من القانون بالضرورة، بل نشأ في معظمه استجابة عضوية لعدم قدرة الاقتصاد الرسمي في استيعاب الموجات المتتالية من الداخلين إلى سوق العمل. حين لا توفر الدولة والقطاع الخاص الرسمي وظائف كافية لملايين الشباب، يخترع الناس وظائفهم بأنفسهم: عربة فول في الشارع، ورشة حدادة، محل تغليف في شقة الدور الأرضي، خياطة من المنزل، وغيرها من المشروعات التي نشأت من رحم الحاجة لفرصة دخل.

وهذا الاقتصاد لم يكن نتاج الفقر وحده، بل نتاج التحديات الإجرائية التي جعلت التسجيل والامتثال أمراً مكلفاً وشاقاً لمن يمتلك رأس مال محدوداً وهامش ربح ضيقاً.

ثانياً: محاولات الدمج المتكررة - تاريخ من المحاولات التشريعية

لم تقف الدولة المصرية مكتوفة الأيدي أمام هذه الظاهرة. فعلى مدى العقود الماضية، صدرت قوانين ومبادرات متعددة بهدف استيعاب الاقتصاد غير الرسمي وإدماجه:

قانون التمويل متناهي الصغر 2009: أتاح للجمعيات الأهلية والشركات المرخصة تقديم تمويلات صغيرة للمشروعات غير الرسمية، وهو أداة التمويل لا الدمج.

القانون رقم 141 لسنة 2014: حاول وضع إطار قانوني موحد لدعم تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، لكنه جاء منقوصًا في جانب الحوافز الضريبية، ولم يقنع أصحاب المشروعات بالخروج من الظل.

مبادرات البنك المركزي المتكررة: صمم البنك المركزي العديد من المبادرات لدعم الشمول المالي وتشجيع تنمية محافظة المشروعات متناهيه الصغر والصغيرة والمتوسطة لدي البنوك. وقد صممت تلك المبادرات لتحريك التمويل نحو المشروعات الصغيرة. لكن الشرط الأساسي للاستفادة كان دائماً: السجل التجاري، والملف الضريبي، والأوراق الرسمية وهو بالضبط ما يفتقر إليه أصحاب المشروعات غير الرسمية.

القانون رقم 152 لسنة 2020: جاء بوصفه التشريع الأشمل والأكثر جرأة، بنظام ضريبي مبسط وحوافز متعددة. لكنه أيضاً واجه الكثير من التحديات خلال التطبيق.

القانون رقم 6 لسنة 2025: صمم حزمة التسهيلات والتيسيرات الضريبية أعلنتها وزارة المالية ورئاسة مجلس الوزراء، ويهدف بشكل أساسي إلى معالجة المشكلات الضريبية المتراكمة، وتحفيز الإدماج المالي للأعمال الصغيرة والمتناهية الصغر، وتقديم حوافز ملحوظة للممولين والمسجلين.

ثالثًا: لماذا يرفض أصحاب المشروعات التسجيل؟ — الأسباب الحقيقية

ما يراه صاحب المشروع على أرض الواقع، ليس تهرباً من الضريبة فقط

الصورة النمطية لصاحب المشروع غير الرسمي هي: شخص يتهرب من الضرائب. هذه الصورة مُجحفة وغير دقيقة. الأسباب الحقيقية أعمق وأكثر تنوعاً:

1. تكلفة الامتثال المرتفعة مقارنة بالمزايا: التسجيل يعني: السجل التجاري، والملف الضريبي، والفاتورة الإلكترونية، والتأمينات الاجتماعية، وربما الترخيص المهني والصحي. كل ذلك يتكلّف مالاً ووقتاً وتنقّلاً بين جهات متعددة. وهو ما يفوق للمشروع الصغير قيمة الميزة الضريبية التي ستحصل عليها.

2. التخوف من فرض ضغوط ضريبية تراكمية: كثير من أصحاب المشروعات يعتقدون أن التسجيل هو بداية مسار من الالتزامات التي لا تنتهي: إقرارات وفواتير ومراجعات وغرامات محتملة. القانون يُبسّط، لكن الذاكرة الجماعية تحتفظ بتجارب قديمة من "التقدير الجزافي" التعسفي.

3. غياب الشعور بالمقابل: يسأل صاحب المشروع سؤالاً مشروعاً: "إذا دفعت الضريبة، ماذا سأحصل في المقابل؟" المشروع الرسمي يفترض أن يُقدم خدمات وبنية تحتية وحماية قانونية. حين يُعاين صاحب المشروع واقع الخدمات الحكومية في محيطه، قد لا يرى ما يُقنعه بتغيير وضعه.

4. الرهاب من التعامل مع الجهات الحكومية: الخبرة السابقة سواء الشخصية أو المنقولة من الجيران والأقارب مع التراخيص والبيروقراطية تشكل حاجزاً نفسياً صلباً. كلمة "مصلحة ضرائب" أو "جهاز تنمية المشروعات" قد تستدعي في الذهن صور الانتظار الطويل والمطالبات غير المفهومة.

5. الاقتصاد النقدي المتجذر: تمثل المعاملات النقدية التحدي الأكثر رسوخاً في مواجهة الجهود الحكومية لاستقطاب الأنشطة غير الرسمية؛ لا سقف قانونياً لحجمها، ويتعذّر على معظم المشروعات غير الرسمية الوصول إلى الخدمات المصرفية، فتلجأ إلى الاقتراض غير الرسمي.

6. الخوف من الرؤية: بعض المشروعات غير الرسمية مرتبطة بعقارات غير مرخّصة، أو تعمل في أنشطة تحتاج تصاريح خاصة، أو تُشغل عمالاً دون عقود. التسجيل يعني كشف هذا كله أمام جهات متعددة.

رابعًا: الآثار السلبية - ثمن باهظ يدفعه الجميع

الدولة تخسر... ولكن أصحاب المشروعات يخسرون أكثر

الاقتصاد غير الرسمي ليس مشكلة الدولة وحدها. الضرر يمتد ليطال صاحب المشروع نفسه، والعمال، والمجتمع المحيط، والاقتصاد الكلي.

على صاحب المشروع:

حرمان من التمويل الرسمي: بدون سجل تجاري وملف ضريبي، لا تمويل، ولا مبادرات البنك المركزي المدعومة، ولا تمويل جهاز المشروعات. الملاذ الوحيد: الأسرة والأصدقاء وأصحاب رأس المال الموازيين بفوائد خيالية قد تبلغ 60% سنوياً أو أكثر.

عدم القدرة على التوسع والتعاقد الرسمي: المشروع الذي يريد التوسع ودخول سلسلة توريد شركة كبيرة، أو التصدير، أو إبرام عقود مع جهات حكومية، يجد أمامه جداراً صلباً: لا فاتورة ضريبية، لا اعتراف رسمي، لا تعاقد.

حرمان العمال من حقوقهم: العمال في المشروعات غير الرسمية لا يتمتعون بتأمين صحي ولا اجتماعي. المرض أو الإصابة يعني الكارثة. أن عمال القطاع غير الرسمي في مصر يتوقون إلى الاستقرار الوظيفي، وأن معظمهم مستعدون للقبول بأجر أقل بنسبة 20% في القطاع الرسمي مقابل ضمان التوظيف.

الهشاشة أمام الأزمات: المشروع غير الرسمي بلا احتياطي، ولا حماية قانونية، ولا شبكة أمان. أي أزمة (كورونا، غلاء مفاجئ في مستلزمات الإنتاج، سرقة)  قد تقضي على المشروع كلياً.

على الاقتصاد الوطني:

تشويه المنافسة: يخلق الاقتصاد غير الرسمي ملعباً غير متساوٍ في قطاعات اقتصادية متعددة، مما يُلحق ضرراً بالنمو الاقتصادي على المدى البعيد. المشروع الذي يدفع الضرائب ورسوم التراخيص ويُسجّل عمالته، يُنافَس بمن لا يدفع شيئاً من هذه التكاليف.

ضعف دقة البيانات الاقتصادية: يُشوه الحجم الكبير للاقتصاد غير الرسمي الناتج المحلي الإجمالي، وبالتالي رسم السياسات الاقتصادية للاقتصاد بأكمله. قرارات مرسومة على بيانات منقوصة هي قرارات تُخطئ الهدف. 

ضعف الشمول المالي: مصر تُعلن أهداف طموحة للشمول المالي، توصيل الخدمات البنكية لكل مواطن لكن ملايين يعيشون خارج هذا النظام، يدفعون بالكاش، يقترضون من غير بنوك، ويحفظون مدخراتهم في “تحت البلاطة.”

خامسًا: توصيات - ما الذي يجب أن يتغيّر؟

أولاً تبسيط مسار "التسجيل الأول":

يجب إنشاء نافذة موحدة (one-stop-shop) تُتيح لصاحب المشروع الحصول على: شهادة التصنيف، وفتح الملف الضريبي، ورقم توريد المشروعات، والتسجيل في منظومة الفاتورة الإلكترونية في يوم واحد وموقع واحد. يُوجد هذا على الورق؛ تطبيقه الفعلي يحتاج إرادة مؤسسية حقيقية.

ثانياً رفع سقف رقم الأعمال المُعفى من شروط إمساك الدفاتر:

المشروع الذي يحقق أقل من 500 ألف جنيه سنوياً لا ينبغي أن يُلزَم بأي نوع من الحسابات المنظمة. المطلوب منه فقط الإقرار بالرقم الإجمالي للإيرادات. كلما قلّت متطلبات التوثيق، ارتفع الدافع للتسجيل.

ثالثاً حزمة خدمات غير ضريبية أقوى:

الحوافز الضريبية وحدها لا تكفي. يحتاج صاحب المشروع المتحوّل إلى الاقتصاد الرسمي أن يشعر بمكاسب فورية ملموسة: تدريب مجاني، دعم تسويقي، أولوية في الحصول على العقود الحكومية الصغيرة، ومنصات إلكترونية لعرض منتجاته.

رابعاً العمل على ضمانات صريحة ضد العقوبات التراجعية:

إشكالية الخوف من فتح الملفات القديمة تحتاج ضماناً تشريعياً واضحاً وغير مشروط: من يسجل طوعياً خلال فترة محددة لا يحاسب على أي نشاط سابق بأي شكل كان.

خامسًا ربط التسجيل بمزايا تمويلية فورية:

تتعاون جهات عدة كجهاز تنمية المشروعات مع وزارة المالية ومصلحة الضرائب لضمان حصول المشروعات على التيسيرات الضريبية ومحفظة التمويل. لكن هذا التعاون يحتاج تعميقاً: التسجيل الرسمي يجب أن يفتح بصورة شبه تلقائية باب الحصول على تمويل رسمي ميسر بفائدة مدعومة.

سادسًا مراجعة اشتراط الفاتورة الإلكترونية بمرونة أكبر:

إلزام مشروع صغير في منطقة ريفية بالفاتورة الإلكترونية قبل إيصال البنية الرقمية الكافية هو عقبة حقيقية لا تشجع على التسجيل. المنهجية الأفضل: مراحل تدريجية تراعي الفجوات الجغرافية والتقنية.

خاتمة: الاختيار بين مصر مرئية ومصر خفية

الاقتصاد غير الرسمي في مصر ليس مشكلة أخلاقية أو جريمة إدارية. إنه في معظمه نتاج منطقي لحسابات عقلانية يجريها ملايين المصريين يومياً: هل مكاسب التسجيل تتجاوز تكاليفه؟ الإجابة حتى الآن كثيراً ما تكون: لا.

القانون 152 والقانون 6 لسنة 2025 خطوتان في الاتجاه الصحيح. لكن قوانين مهما كانت جيدة لا تعمل في فراغ. تحتاج إلى مؤسسات مُيسِّرة لا مُعقِّدة، وبيئة يشعر فيها صاحب المشروع أن الدولة معه لا عليه. والرهان الحقيقي ليس على تعديل تشريعي فقط، بل الرهان على بناء ثقة متبادلة بين الدولة والقطاع غير الرسمي.

بقلم: إسلام جهادالدين، متخصص بالشؤون الإقتصادية والإصلاح الإداري

Short Url

search