الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026

02:14 م

د. علي الدكروري يكتب: الاستثمار يبدأ من الخريطة

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2026 10:11 ص

الدكتور علي الدكروري

الدكتور علي الدكروري

عندما نتحدث عن التعدين، يتجه التفكير عادة إلى المنجم والذهب والفوسفات والخامات الموجودة تحت الأرض. لكن الاستثمار في التعدين يبدأ قبل الحفر بوقت طويل. يبدأ من المعلومة. أين توجد الخامة؟ ما حجمها المحتمل؟ ما طبيعة التكوين الجيولوجي؟ وما المساحة المتاحة للاستكشاف؟ وكلما كانت الإجابات أوضح، أصبح المستثمر أكثر قدرة على حساب المخاطر واتخاذ القرار.

وهنا أرى أن أحد أهم التطورات في قطاع التعدين المصري ليس فقط زيادة عدد المناطق المطروحة، وإنما تغيير الطريقة التي تُعرض بها الفرصة على المستثمر. فخلال الأشهر الثلاثة الأولى من تطبيق نظام القطاعات التعدينية المفتوحة، تقدمت 119 شركة بنحو 403 عروض على 118 قطاعًا من إجمالي 335 قطاعًا مطروحًا، تمتد على مساحة تقارب 45 ألف كيلومتر مربع. ومن بين الشركات المتقدمة أكثر من 14 شركة أجنبية من دول متعددة. هذه الأرقام مهمة، لكن ما وراءها أهم.

قد تمتلك دولة ثروة معدنية كبيرة، لكن وجود الثروة وحده لا يكفي لجذب الاستثمار. شركة التعدين تنفق مبالغ ضخمة قبل أن تنتج أول طن. تحتاج إلى الدراسات والمسح والحفر والتحليل والتمويل والوقت، وقد تنتهي مرحلة الاستكشاف دون الوصول إلى مشروع تجاري. لذلك فإن المستثمر لا يبحث فقط عن خامة واعدة. هو يبحث عن بيانات تساعده على تقليل مساحة المجهول. ولهذا فإن تحديث الخرائط الجيولوجية، ورقمنة المعلومات، وتسهيل الوصول إليها، ووضوح نظام التراخيص، كلها أدوات استثمارية لا تقل أهمية عن الحوافز المالية.

في الاقتصاد الحديث، البيانات نفسها أصبحت أصلًا. وهذا ينطبق على التعدين بصورة شديدة الوضوح. الخريطة الجيولوجية الدقيقة يمكن أن توجه ملايين الدولارات إلى الموقع الصحيح. والبيانات القديمة التي يتم تحديثها بالتكنولوجيا الحديثة قد تكشف فرصة لم تكن قابلة للاستثمار قبل سنوات. كما أن وجود سجل واضح للقطاعات والتراخيص يقلل الوقت الذي يقضيه المستثمر في فهم الإجراءات، ويرفع قدرته على اتخاذ قرار أسرع. ومن هنا يصبح دور الدولة ليس فقط امتلاك الموارد الطبيعية، بل تحويل المعرفة بهذه الموارد إلى فرصة استثمارية قابلة للقراءة والقياس.

مصر تستهدف رفع مساهمة قطاع التعدين في الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 6% خلال المرحلة المقبلة، مع التوسع في الاستثمار والتصنيع والقيمة المضافة. لكن الوصول إلى هذا الهدف لن يأتي من زيادة عدد المناجم وحدها. القيمة الأكبر تبدأ عندما تتحول نتائج الاستكشاف إلى مصانع ومعالجة وتصنيع وخدمات لوجستية وشركات محلية تدخل سلسلة التوريد. وهنا يظهر التكامل المطلوب بين البيانات، والاستثمار، والصناعة. فكل اكتشاف جديد يجب ألا يُنظر إليه فقط باعتباره خامة يمكن استخراجها، بل باعتباره نقطة بداية لسلسلة اقتصادية يمكن أن تخلق وظائف وصادرات واستثمارات جديدة.

شركات التعدين العالمية لديها فرص في عشرات الدول. ولهذا فإن مصر لا تنافس فقط على الموارد الموجودة تحت الأرض، بل تنافس أيضًا على سهولة الوصول إلى المعلومات، ووضوح القواعد، وسرعة اتخاذ القرار، والثقة في البيئة الاستثمارية. وإطلاق منتدى الهيئات التنظيمية للمعادن الأفريقية من القاهرة هذا الأسبوع يعكس اتجاهًا أوسع نحو تحسين الأطر التنظيمية والحوكمة والشفافية وتبادل البيانات والخبرات بين الدول الأفريقية. وهذا مهم لأن رأس المال لا يتحرك فقط إلى المكان الذي توجد فيه الثروة. بل يتحرك إلى المكان الذي يستطيع أن يفهم فيه الثروة ويحسب مخاطرها ويعرف كيف يستثمر فيها.

الثروة المعدنية تبدأ تحت الأرض، لكن الاستثمار يبدأ فوقها بالمعلومة والثقة والقواعد الواضحة. وكلما استطاعت مصر تحويل بياناتها الجيولوجية إلى معلومات دقيقة وسهلة الوصول، تحولت مساحة أكبر من مواردها الطبيعية من احتمال جيولوجي إلى فرصة استثمارية حقيقية. فالخريطة الجيدة قد تكون أول استثمار في المنجم، قبل أن تصل إليه أول آلة حفر.

اقرأ أيضًا:

د. علي الدكروري يكتب: نجاح البرنامج الاقتصادي الجديد يقاس بقدرته على تحويل الاستقرار إلى إنتاج واستثمار

Short Url

search