السبت، 05 سبتمبر 2026

11:03 م

رقية الأشرم تكتب: من الصمود إلى الصعود.. اقتصاد لا تهزه الصدمات

السبت، 05 سبتمبر 2026 09:07 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم


عندما دخلت الحرب.. كان الاقتصاد الإماراتي قد أنهى استعداداته، ليست كل دولة تتعرض للصواريخ تخسر اقتصادها، وليست كل دولة تُغلق أمامها طرق الملاحة تتوقف عجلة الاستثمار فيها.


لكن دولة الإمارات العربية المتحدة دخلت اختبارًا استثنائيًا، ليس لأنها لم تتأثر بالحرب، وإنما لأنها كانت قد بنت قبل الحرب اقتصادًا يعرف كيف يمتص الصدمات.


هنا تحديدًا تبدأ الحكاية، فمع تصاعد الحرب الإيرانية وما صاحبها من تهديدات طالت منشآت حيوية وموانئ ومطارات وبنية تحتية وقطاع الطاقة، كان من السهل أن يتوقع البعض اهتزاز الاقتصاد الإماراتي.


لكن المفاجأة جاءت من المكان الذي لا يكذب: الأرقام، ففي الربع الأول من عام 2026، نما الناتج المحلي الإجمالي للإمارات بنحو 3% على أساس سنوي، بينما سجل الاقتصاد غير النفطي نموًا بلغ 4.8%، لترتفع مساهمته إلى نحو 79.4% من الناتج المحلي.


وهنا تظهر قوة النموذج الإماراتي، فالإمارات لم تبنِ اقتصادها على النفط وحده، بل بنت اقتصادًا يستطيع أن يعمل حتى عندما يتعرض قطاع الطاقة لضغوط، النفط لم يعد وحده في غرفة القيادة.


لأعوام طويلة، كانت معادلة الاقتصاد الخليجي تُقرأ من خلال النفط، أما الإمارات فقد اختارت معادلة مختلفة: التجارة، السياحة، الطيران، العقارات، الخدمات المالية، الصناعة، التكنولوجيا، الموانئ واللوجستيات والاستثمار أصبحت جميعها محركات للنمو.


ولهذا فإن مساهمة القطاعات غير النفطية التي اقتربت من 80% من الناتج المحلي ليست مجرد رقم اقتصادي، إنها شهادة على نجاح استراتيجية استغرقت سنوات لبناء اقتصاد متعدد المحركات.


والأهم أن الصادرات غير النفطية واصلت أداءها القوي، إذ ارتفعت خلال النصف الأول من 2026 بنسبة 23.9% إلى نحو 452.8 مليار درهم، أي أن الحرب لم تستطع أن تغلق أبواب الاقتصاد الإماراتي على العالم.


الثقة لم تهرب مع أول صاروخ، ففي الأزمات، المستثمر لا يبحث عن البيانات الجميلة، بل يبحث عن الإجابة عن سؤال واحد: هل تستطيع الدولة أن تحمي اقتصادها عندما تصبح الظروف غير طبيعية؟، وهنا جاءت شهادة وكالة موديز، فقد أبقت الوكالة التصنيف السيادي للإمارات عند Aa2 مع نظرة مستقبلية مستقرة، وهو تصنيف مرتفع للغاية يعكس قوة الوضع المالي والمؤسسي والقدرة على تحمل الصدمات.
والرسالة الأهم ليست في الرقم وحده.


الرسالة أن مؤسسات التصنيف الدولية لا تنظر إلى الإمارات باعتبارها اقتصاد نفط فقط، وإنما إلى منظومة متكاملة من الأصول والاحتياطيات والمؤسسات والتنويع الاقتصادي، وهذا هو الفارق بين دولة تمتلك ثروة، ودولة تستثمر ثروتها في بناء قدرة اقتصادية مستدامة، فالاستعداد كان قبل الحرب، ربما يكون هذا هو الدرس الأكبر، أن الإمارات لم تنتظر اندلاع الحرب حتى تبدأ في التفكير في حماية اقتصادها.
الموانئ بُنيت قبل الأزمة.


المطارات توسعت قبل الأزمة، المناطق الحرة والمراكز المالية أُنشئت قبل الأزمة، الاستثمارات الخارجية والأصول السيادية تراكمت قبل الأزمة، والاقتصاد غير النفطي جرى بناؤه قبل الأزمة.


وبالتالي، عندما جاءت الأزمة، لم تكن الدولة تبدأ من الصفر، كانت تستخدم ما بنته خلال سنوات، وهنا يصبح الحديث عن «الصمود الإماراتي» أكثر عمقًا، فالصمود ليس مجرد قدرة على تحمل الضربة، وإنما قدرة على استمرار النشاط الاقتصادي بعد الضربة.


الإمارات الصامدة أم الإمارات الصاعدة؟، إذا كان الصمود يعني ألا تسقط الدولة أمام الأزمة، فإن الصعود يعني أن الأزمة نفسها تتحول إلى اختبار يكشف قوة ما تم بناؤه، وهذا ما يجعل التجربة الإماراتية جديرة بالدراسة، فالنمو الاقتصادي لم يتوقف، والاقتصاد غير النفطي ظل هو المحرك الأكبر، والثقة الائتمانية بقيت مرتفعة، والتجارة الخارجية واصلت التحرك.


كل ذلك لا يعني أن الحرب بلا تكلفة، بل يعني شيئًا أكثر أهمية: أن تكلفة الصدمة لم تتحول إلى انهيار اقتصادي، وهنا يكمن النجاح، الاقتصاد الذي يربح معركة الزمن، والقوة الاقتصادية لا تُقاس فقط بحجم الناتج المحلي أو قيمة الصادرات، إنما القوة الحقيقية تظهر عندما تستطيع الدولة أن تحافظ على ثقة المستثمرين، والسيولة، والتجارة، وسلاسل الإمداد، والنشاط الخاص، في وقت تتعرض فيه المنطقة بأكملها لاضطراب شديد.


وهذا ما حاولت الإمارات بناءه طوال السنوات الماضية، لقد أدركت مبكرًا أن النفط يمكن أن يمول التنمية، لكنه لا يستطيع وحده أن يضمن المستقبل، فاستُخدمت عائدات الثروة لبناء اقتصاد جديد، اقتصاد أكثر تنوعًا، أكثر اتصالًا بالعالم، وأكثر قدرة على مواجهة المفاجآت.
من الصمود إلى الصعود، لهذا فإن وصف الإمارات بأنها «دولة صامدة» لم يعد كافيًا.


الإمارات صمدت، نعم… لكنها لم تتوقف، والفرق بين الاثنين كبير، الصمود هو أن تبقى واقفًا، أما الصعود فهو أن تستمر في الحركة بينما تتغير البيئة من حولك، وهنا يمكن قراءة الاقتصاد الإماراتي في عام 2026 باعتباره اختبارًا حقيقيًا لما تم بناؤه خلال العقود الماضية.
لقد دخلت الإمارات الأزمة وهى تحمل معها شبكة من الاستثمارات والبنية التحتية والمؤسسات والأصول والقطاعات الاقتصادية المتنوعة.
ولهذا خرجت من الاختبار برسالة واضحة: من لا يستعد للأزمة يدفع ثمنها، ومن يستعد لها يحولها إلى اختبار لقوته.


الإمارات لم تنتظر الحرب لتكتشف قوة اقتصادها، لقد بنت هذه القوة قبل الحرب، ولهذا، فإن العنوان الأكثر دقة للمشهد اليوم ليس:
الإمارات الصامدة بل… الإمارات الصاعدة، اقتصادٌ لم تصنعه الحرب، لكنها كشفت للعالم قدرته على مواجهتها.

Short Url

search