الدكتور علي الدكروري يكتب: مصانع تُبنى للتصدير رؤية اقتصادية
الخميس، 03 سبتمبر 2026 04:20 م
علي الدكروري
لفترة طويلة كان النقاش حول جذب الاستثمار الأجنبي إلى مصر يدور أساسًا حول حجم رأس المال الداخل، وعدد المصانع الجديدة، وفرص العمل التي توفرها هذه الاستثمارات.
لكن المرحلة المقبلة تحتاج إلى سؤال أكثر دقة:
هل المصنع الجديد أُنشئ لخدمة السوق المحلي فقط، أم بُني من البداية ليكون جزءًا من خريطة التصدير العالمية؟
الفرق بين النموذجين كبير.
فالمصنع الذي ينتج للسوق المحلي يضيف قيمة اقتصادية مهمة، ويوفر فرص عمل، ويخفض جزءًا من الواردات. أما المصنع الذي يُبنى منذ البداية على نموذج تصديري، فإنه يضيف إلى ذلك مصدرًا مستدامًا للعملة الأجنبية، ويربط الاقتصاد المصري بالأسواق العالمية، ويجبر العملية الإنتاجية نفسها على الالتزام بمعايير الجودة والتكلفة والمنافسة الدولية.
ولهذا أعتقد أن أحد أهم التحولات المطلوبة في سياسة جذب الاستثمار خلال السنوات المقبلة هو أن تصبح القدرة على التصدير أحد المعايير الرئيسية لتقييم جودة الاستثمار.
وقد ظهرت خلال الأيام الأخيرة إشارات مهمة في هذا الاتجاه.
ففي المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تم توقيع خطاب نوايا لدراسة إنشاء مجمع متكامل لصناعة الإطارات في السخنة باستثمارات تقدر بنحو 500 مليون دولار، مع استهداف توجيه نحو 95% من الإنتاج إلى الأسواق الخارجية.
والأهمية هنا ليست فقط في قيمة الاستثمار، وإنما في طبيعة النموذج نفسه.
نحن أمام مصنع محتمل لا ينظر إلى السوق المصري باعتباره نهاية خط الإنتاج، بل باعتباره قاعدة صناعية يستطيع منها الوصول إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأوروبا.
وهذه تحديدًا إحدى أهم المزايا التي تمتلكها مصر.
موقع جغرافي استثنائي، واتفاقيات تجارية متعددة، وموانئ على البحرين الأحمر والمتوسط، وقناة السويس، وسوق محلية كبيرة، وقاعدة صناعية تتسع عامًا بعد الآخر.
لكن هذه المزايا تتحول إلى قيمة اقتصادية أكبر عندما يأتي المستثمر وهو يفكر منذ اليوم الأول في سؤال: إلى كم دولة يمكنني أن أصدر من مصر؟
وفي الوقت نفسه، نرى شركات صناعية مصرية تتجه إلى أسواق جديدة بعيدة وكبيرة.
إحدى الشركات المصرية العاملة في الصناعات الغذائية تستعد لدخول السوق الصينية للمرة الأولى بمنتجات مثل المكرونة والدقيق، بعد استكمال متطلبات التسجيل والجمارك اللازمة.
وهذا نموذج آخر لا يقل أهمية.
فالسياسة الصناعية الناجحة لا تعتمد فقط على جذب مستثمر أجنبي ليصدر من مصر، وإنما أيضًا على مساعدة المصنع المصري نفسه على الوصول إلى أسواق لم يكن موجودًا فيها من قبل.
وهنا نصل إلى نقطة أساسية:
التصدير الحقيقي يبدأ من داخل المصنع، وليس من الميناء.
فإذا لم يكن المنتج مصممًا منذ البداية لينافس عالميًا من حيث الجودة والسعر والمواصفات والاستمرارية، فلن تستطيع أي حملة ترويجية وحدها أن تصنع له سوقًا مستدامة في الخارج.
ولهذا فإن زيادة الصادرات تحتاج إلى عمل متكامل يبدأ من الصناعة نفسها.
نحتاج إلى مصانع أكثر كفاءة، وتكنولوجيا أحدث، وعمالة مدربة، وتمويل مناسب، وسلاسل توريد محلية قوية، ومكون محلي أكبر، وقدرة مستمرة على تطوير المنتج.
ثم تأتي بعد ذلك الخدمات اللوجستية، والاتفاقيات التجارية، والتسويق الخارجي، وفتح الأسواق.
ومن هنا أيضًا تأتي أهمية الاستثمار في الصناعات المغذية.
فعندما ننشئ مصنعًا كبيرًا لإنتاج السيارات أو البطاريات أو الإطارات، لا ينبغي أن يكون هدفنا فقط إنتاج المنتج النهائي.
القيمة الأكبر تتحقق عندما تنشأ حول هذا المصنع شبكة من الموردين المحليين تنتج المكونات والمواد والخدمات التي يحتاج إليها.
عندها يتحول الاستثمار الواحد إلى منظومة اقتصادية كاملة.
شركة كبيرة تستثمر، ومصانع صغيرة ومتوسطة تدخل سلسلة التوريد، وعمالة تكتسب خبرات جديدة، وتكنولوجيا تنتقل إلى السوق المحلي، ثم يبدأ جزء من هذه الشركات نفسها في التصدير.
وهذا هو الفارق بين جذب مصنع وبناء صناعة.
كما أن الاتجاه إلى توطين صناعة البطاريات وحلول تخزين الطاقة في مصر يقدم مثالًا مهمًا على القطاعات التي يمكن أن تحقق هذا النوع من التكامل.
هذه الصناعات ليست مجرد منتجات مستقلة، وإنما جزء من سلاسل قيمة عالمية مرتبطة بالسيارات الجديدة والطاقة والتخزين والتنقل والتكنولوجيا.
والدخول المبكر في هذه السلاسل يمنح الاقتصاد فرصة أكبر لزيادة القيمة المضافة محليًا بدلًا من الاكتفاء باستيراد المنتج النهائي.
لكن نجاح نموذج التصنيع من أجل التصدير يحتاج أيضًا إلى الاستقرار في القواعد والإجراءات.
المستثمر الذي يخطط لإنشاء مصنع يخدم عشرات الأسواق لا يحسب جدوى المشروع لعام أو عامين، بل لعشر سنوات وربما أكثر.
ولذلك فإن وضوح السياسات، وسرعة تخصيص الأراضي، وتيسير التراخيص، وكفاءة الجمارك، واستقرار منظومة الضرائب، وسهولة تحويل الأرباح، كلها عوامل تدخل في قرار اختيار الدولة التي سيقيم فيها المصنع.
وفي هذا السياق، تمتلك مصر فرصة حقيقية.
التحولات التي تحدث في سلاسل الإمداد العالمية تدفع شركات كثيرة إلى البحث عن مواقع إنتاج جديدة أقرب إلى الأسواق الرئيسية وأكثر تنوعًا جغرافيًا.
ومصر تستطيع أن تكون واحدة من هذه المواقع إذا استمرت في بناء البيئة التي تجعل التصنيع والتصدير معًا قرارًا اقتصاديًا منطقيًا للمستثمر.
وأعتقد أن المرحلة القادمة يجب ألا نقيس فيها نجاح جذب الاستثمار فقط بمليارات الدولارات التي تم الإعلان عنها.
علينا أيضًا أن نسأل:
كم تبلغ نسبة الإنتاج الذي سيصدر؟
كم شركة مصرية ستدخل سلسلة التوريد؟
كم مكونًا سيتم تصنيعه محليًا؟
كم تكنولوجيا سيتم توطينها؟
وكم سوقًا جديدًا سيصل إليه المنتج المصنوع في مصر؟
هذه المؤشرات ربما تكون أكثر أهمية على المدى الطويل من قيمة الاستثمار وحدها.
لأن الاستثمار الذي يأتي اليوم ثم ينتج ويصدر ويعيد استثمار أرباحه ويتوسع بعد خمس أو عشر سنوات هو الاستثمار الذي يصنع قاعدة اقتصادية حقيقية.
مصر لا تحتاج فقط إلى المزيد من المصانع.
إنها تحتاج إلى مصانع تنظر إلى العالم كله باعتباره سوقًا لها.
وعندما يصبح التصدير جزءًا من تصميم المشروع منذ البداية، يتحول المصنع من منشأة إنتاجية داخل حدود الدولة إلى نافذة اقتصادية مفتوحة على العالم.
د. علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي دولي في الاستثمار والتنمية الاقتصادية
Short Url
رقية الأشرم تكتب: مصر.. رمانة ميزان العالم
02 سبتمبر 2026 11:11 م
خالد عبد الناصر يكتب: كرنك.. هل بدأت مصر فعليًا عصر الذكاء الاصطناعي الوطني؟
30 أغسطس 2026 10:20 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: العدالة الوظيفية الطريق نحو استمرارية ونجاح الشركات والمؤسسات
30 أغسطس 2026 09:37 م
أكثر الكلمات انتشاراً