الخميس، 03 سبتمبر 2026

07:56 ص

خبير دولي يكشف أسباب انفصال الشرش في الزبادي.. المعالجة تبدأ من بروتين الحليب

الخميس، 03 سبتمبر 2026 06:00 ص

 الشرش في الزبادي

الشرش في الزبادي

هدير جلال

حذر الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي المعتمد في سلامة الغذاء، من التعامل مع ظاهرة انفصال الشرش في الزبادي باعتبارها مشكلة مرتبطة بالمثبتات فقط، مؤكدًا أن «Syneresis» أو انفصال الطور المصلي من أكثر عيوب القوام شيوعًا في منتجات الحليب المتخمر، وأن أسبابها ترتبط بمنظومة متكاملة تبدأ من تركيب الحليب وتمتد إلى مراحل التصنيع والتخمير والتبريد والتعبئة والنقل والتخزين.

وأوضح خضر أن الشرش المنفصل الذي يظهر على سطح الزبادي أو بجوار جدران العبوة أو داخل الشقوق والفراغات الموجودة بالخثرة، ليس ماءً خالصًا، وإنما هو طور مصلي «Whey/Serum Phase» يتكون أساسًا من الماء، إلى جانب اللاكتوز وحمض اللاكتيك والأملاح المعدنية والبروتينات الذائبة وبعض المركبات الأخرى الموجودة في الحليب.

وأشار إلى أن انفصال الشرش يحدث عندما تصبح الشبكة البروتينية التي تتكون أثناء تخمير الحليب غير قادرة على الاحتفاظ بالطور المائي، سواء نتيجة ضعف بنيتها أو انكماشها أو تعرضها لإجهاد ميكانيكي أو حراري، لافتًا إلى أن التحكم في المشكلة يتطلب فهم آلية تكوين هلام الزبادي وليس مجرد زيادة المواد الصلبة أو إضافة كميات أكبر من المثبتات.

كيف يتكون هلام الزبادي؟

وقال خضر إن مذيلات الكازين تمثل اللبنات الأساسية للشبكة الهلامية للزبادي، موضحًا أن الحليب الطبيعي يكون عادة عند pH يتراوح بين 6.6 و6.7، ومع إضافة بادئ الزبادي المكون بصورة أساسية من بكتيريا «Streptococcus thermophilus» و«Lactobacillus delbrueckii subsp. bulgaricus»، تبدأ عملية تحويل اللاكتوز إلى حمض اللاكتيك، وهو ما يؤدي إلى انخفاض الرقم الهيدروجيني تدريجيًا.

وأضاف أن انخفاض pH يؤدي إلى مجموعة من التغيرات داخل الحليب، من بينها ذوبان جزء من فوسفات الكالسيوم الغروي، وانخفاض الشحنة السالبة على أسطح مذيلات الكازين، وتراجع قوى التنافر بينها، ما يسمح بتقارب المذيلات وبدء تكوين الروابط والتجمعات البروتينية، وصولًا إلى تكوين شبكة ثلاثية الأبعاد قادرة على احتجاز الماء والدهون والمكونات الذائبة.

وأكد أن استمرار التحميض بعد المستوى المناسب يمكن أن يؤدي إلى انكماش الشبكة البروتينية وطرد جزء من الطور المصلي، وهو ما يظهر في صورة انفصال الشرش.

بروتينات الشرش عنصر مهم في قوة الخثرة

وأوضح خبير سلامة الغذاء أن بروتينات الشرش، وعلى رأسها «β-Lactoglobulin»، تلعب دورًا مهمًا في بناء شبكة الزبادي، حيث تؤدي المعاملة الحرارية المناسبة للحليب إلى تغيير طبيعة هذه البروتينات وانفتاح بنيتها، بما يسمح لها بالتفاعل مع «κ-Casein» الموجود على أسطح مذيلات الكازين.

وأشار إلى أن هذه التفاعلات يمكن أن تزيد نقاط الارتباط داخل الشبكة البروتينية، وتساعد على تثبيت الماء، وزيادة صلابة الخثرة واللزوجة، وتقليل حجم المسام، وبالتالي تحسين قدرة المنتج على الاحتفاظ بالماء وتقليل احتمالية ظهور الشرش أثناء التخزين.

وشدد في الوقت نفسه على أن المعاملة الحرارية المفرطة لا تعني بالضرورة الحصول على أفضل قوام، إذ يمكن أن تؤدي إلى تكوين تجمعات بروتينية غير مناسبة أو ظهور نكهة مطبوخة وترسبات حرارية، مؤكدًا أن المطلوب هو الوصول إلى المعاملة الحرارية المناسبة وفق تركيب المنتج وطريقة التصنيع.

انخفاض البروتين والمواد الصلبة من أبرز الأسباب

وأكد خضر أن انخفاض تركيز البروتين من الأسباب الرئيسية التي تزيد احتمالية انفصال الشرش، لأنه يقلل عدد الجسيمات البروتينية ونقاط الارتباط اللازمة لتكوين شبكة متماسكة، ما ينتج عنه هلام ضعيف ومسام أكبر ولزوجة أقل وقدرة محدودة على الاحتفاظ بالماء.

ولفت إلى ضرورة عدم الخلط بين المواد الصلبة الكلية والبروتين والمواد الصلبة اللادهنية والكازين وبروتينات الشرش، موضحًا أن رفع المواد الصلبة الكلية لا يضمن بالضرورة منع الانفصال إذا كانت الزيادة ناتجة عن مكونات لا تسهم بصورة كافية في بناء الشبكة البروتينية.

وأضاف أن اختلاف نسبة الكازين إلى بروتينات الشرش، وكذلك اختلاف خصائص مسحوق الحليب من مورد إلى آخر، يمكن أن يؤثر بصورة مباشرة على أداء المنتج، حتى في حالة تقارب نسب البروتين والرطوبة، بسبب اختلاف درجة المعاملة الحرارية للمسحوق وقابليته للذوبان ومحتواه المعدني ودرجة تمسخ البروتين وظروف التخزين.

أخطاء التصنيع قد تبدأ من مرحلة الترطيب

وأشار خضر إلى أن عدم اكتمال ترطيب مساحيق الحليب والبروتينات والمثبتات قد يؤدي إلى تكوين كتل غير مذابة وتفاوت في تركيب الخلطة، وبالتالي ظهور مناطق ضعيفة داخل الخثرة.

وأوضح أن المصنع مطالب بضبط درجة حرارة مياه أو حليب إعادة التكوين، وشدة الخلط، وترتيب إضافة المكونات، ووقت الترطيب، وسرعة القص، وفترة الانتظار قبل التسخين والتجنيس.

كما أكد أهمية المعاملة الحرارية والتجنيس، مشيرًا إلى أن المعاملة الحرارية غير الكافية قد لا توفر الدرجة المطلوبة من تمسخ بروتينات الشرش اللازمة لبناء شبكة قوية، بينما يمكن أن تؤدي المعاملة المفرطة إلى مشكلات أخرى تؤثر على الجودة.

وأضاف أن التجنيس المناسب يساعد على تصغير كريات الدهن وتوزيعها داخل الشبكة البروتينية، في حين أن ضعف التجنيس قد يؤدي إلى عدم تجانس القوام وتوزيع الدهن وظهور شبكة أقل كثافة.

سرعة التخمير ودرجة الحموضة تحت المجهر

وأكد خضر أن درجة حرارة التحضين وسرعة التحميض من العوامل الحاسمة في التحكم في انفصال الشرش، موضحًا أن التحميض السريع جدًا قد يؤدي إلى تكوين شبكة خشنة وغير متجانسة ذات مسام أكبر وقابلية أعلى للانكماش.

كما حذر من الإفراط في التحميض، لأن استمرار التخمير بعد الوصول إلى نقطة القطع المناسبة قد يؤدي إلى انخفاض pH وزيادة انكماش الشبكة وطرد الشرش، فضلًا عن زيادة الطعم الحامضي.

وأوضح أن متابعة pH لا ينبغي أن تقتصر على لحظة انتهاء التصنيع، وإنما يجب تسجيل منحنى التحميض بداية من إضافة البادئ وخلال التخمير وحتى الوصول إلى نقطة القطع، ثم متابعة pH بعد التبريد وخلال فترة الصلاحية لرصد ظاهرة «Post-acidification».

البادئ والتبريد والنقل عوامل لا يمكن تجاهلها

وأشار خضر إلى أن نوع بادئ الزبادي يؤثر في سرعة التحميض وقوة الهلام والتحمض اللاحق وإنتاج المركبات العطرية وبعض السكريات الخارجية «EPS» التي يمكن أن تساهم في تحسين اللزوجة والاحتفاظ بالماء.

وأضاف أن ضعف نشاط البادئ أو سوء حفظه أو تعرضه للتجميد والذوبان المتكرر، أو وجود بقايا مضادات حيوية في الحليب أو بقايا منظفات ومطهرات، قد يؤدي إلى تخمير غير منتظم وشبكة بروتينية ضعيفة.

وأكد أن التبريد السريع بعد الوصول إلى نقطة القطع يمثل مرحلة أساسية لإيقاف نشاط البادئ وتثبيت القوام، محذرًا في الوقت نفسه من استخدام وسائل تبريد مصحوبة بقص ميكانيكي عنيف قد يؤدي إلى تدمير جزء من الشبكة المتكونة.

ولفت إلى أن عمليات الضخ والخلط والمرور عبر الصمامات والأنابيب الضيقة والاهتزاز أثناء النقل يمكن أن تسبب أضرارًا ميكانيكية للخثرة، خصوصًا في الزبادي المتماسك «Set Yogurt»، الذي تكون شبكته أكثر حساسية بعد التخمير.

انفصال الشرش ليس دائمًا مؤشرًا على فساد المنتج

وشدد خضر على أن انفصال الشرش في حد ذاته يعد عادةً عيبًا في الجودة والقوام وليس دليلًا مستقلًا على وجود خطر صحي، موضحًا أن ظهور سائل شفاف أو أصفر فاتح دون وجود أعراض أخرى قد يكون مرتبطًا بالبنية الفيزيائية للمنتج.

لكنّه حذر من تجاهل الانفصال إذا صاحبه انتفاخ في العبوة أو تكون غازات أو رائحة خميرية أو كحولية أو نمو فطري أو تغير غير طبيعي في اللون أو الطعم أو تسرب العبوة أو انخفاض غير طبيعي في pH أو انقطاع سلسلة التبريد، مؤكدًا ضرورة حجز المنتج وفحصه في هذه الحالات قبل اتخاذ قرار بشأنه.

كيف يتم قياس انفصال الشرش؟

وأوضح خضر أن السيطرة الصناعية على المشكلة تتطلب وجود برنامج قياس واضح، مشيرًا إلى إمكانية استخدام طريقة التصريف «Drainage Method» لقياس كمية الشرش المنفصل من كمية محددة من الزبادي تحت ظروف ثابتة.

كما يمكن استخدام الطرد المركزي لقياس الانفصال القسري، مع ضرورة تثبيت القوة النسبية للطرد المركزي «RCF» والزمن ودرجة الحرارة وكتلة العينة وطريقة فصل الشرش وعدد المكررات.

وشدد على عدم مقارنة نتائج الطرد المركزي مباشرة بنتائج التصريف، لأن كل طريقة تقيس جانبًا مختلفًا من استقرار الشبكة البروتينية.

 الحل لا يبدأ بإضافة مثبت جديد

وأكد خضر أن العلاج الصحيح لانفصال الشرش يجب أن يبدأ بتحديد المرحلة التي نشأت فيها المشكلة، سواء كانت مرتبطة بتركيب الحليب أو البروتين والمواد الصلبة أو ترطيب المكونات أو المعاملة الحرارية أو التجنيس أو التخمير أو التبريد أو القص الميكانيكي أو التعبئة أو النقل والتخزين.

وأشار إلى أن الإجراءات التصحيحية قد تشمل تعديل مستوى البروتين والمواد الصلبة بناءً على التحليل الفعلي، وتثبيت مواصفات مسحوق الحليب والمورد، وتحسين زمن الترطيب، والتحقق من المعاملة الحرارية، وضبط ضغط ودرجة حرارة التجنيس، ومراجعة نشاط البادئ وجرعته، وضبط pH القطع، وتقليل زمن الانتظار قبل التبريد، وتحسين كفاءة التبريد وتقليل القص أثناء التداول.

وأضاف أن استخدام المثبتات يجب أن يكون جزءًا من حل متكامل وليس بديلًا عن معالجة الخلل الأساسي، مشيرًا إلى أن تغيير نوع المثبت أو زيادة جرعته دون معرفة السبب الجذري قد يؤدي إلى مشكلات أخرى مثل الخشونة أو القوام المطاطي أو الهلامي الزائد أو عدم التجانس.

 برنامج رقابي لمنع المشكلة قبل حدوثها

ودعا خضر مصانع الزبادي إلى وضع «Operating Window» واضحة لكل منتج، تشمل حدود التشغيل والإنذار والتدخل، مع تسجيل pH خلال التخمير، ومراقبة التحميض اللاحق، واعتماد اختبار ثابت لقياس انفصال الشرش، وإجراء دراسات صلاحية واقعية واختبارات للنقل والاهتزاز.

وأكد أهمية تطبيق نظام لتحليل الاتجاهات «Trend Analysis» وربط نتائج القوام وانفصال الشرش بالخزان وخط الإنتاج والوردية والمورد، بما يساعد على اكتشاف الخلل قبل تحوله إلى مشكلة متكررة في المنتج النهائي.

Short Url

search