الأحد، 30 أغسطس 2026

10:28 م

مصر من «صناعة السلام» إلى إعادة إعمار إفريقيا بالأرقام

الأحد، 30 أغسطس 2026 09:50 م

صورة من القمة الأفريقية في أنجولا

صورة من القمة الأفريقية في أنجولا

مي المرسي

في وقت تتجه فيه القارة الأفريقية إلى إعادة صياغة مقاربتها للنزاعات، لم تعد مصر تتعامل مع ملف السلام باعتباره مهمة أمنية تنتهي بإسكات السلاح، وإنما تدفع باتجاه ربط منع الصراعات بإعادة الإعمار والتنمية وبناء المؤسسات، وتأتي مشاركة رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، نيابة عن الرئيس عبدالفتاح السيسي، في القمة الاستثنائية للاتحاد الأفريقي حول تعزيز آليات منع النزاعات وتسويتها في أفريقيا بأنجولا، لتضع هذا الملف في صدارة التحرك المصري داخل القارة.

وتستند القاهرة في هذا الدور إلى مسار بدأ منذ 2018 و2019، عندما قرر الاتحاد الأفريقي أن تستضيف مصر مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، قبل أن يُطلق المركز رسميًا في القاهرة في ديسمبر 2021، ويستهدف المركز مساعدة الدول الخارجة من الصراعات على معالجة جذور النزاع ومنع العودة إلى العنف، عبر مسارات تشمل الأمن والمساعدات الإنسانية والحوكمة وإعادة الإعمار والتنمية الاقتصادية والعدالة والمصالحة وتمكين المرأة.

من وقف إطلاق النار إلى بناء ما بعد الحرب

الرهان المصري في ملف إعادة الإعمار والتنمية في أفريقيا يقوم على معادلة أكثر اتساعًا؛ فوقف إطلاق النار لا يضمن وحده استدامة السلام، ما لم تصاحبه قدرة الدولة على إعادة تشغيل الخدمات الأساسية، وتوفير فرص العمل، وإعادة بناء البنية التحتية والمؤسسات.

ولهذا جاء التحرك المصري داخل الاتحاد الأفريقي لتطوير سياسة إعادة الإعمار والتنمية ما بعد النزاعات، حيث استضافت القاهرة في 2023 ورشة لمراجعة سياسة الاتحاد الأفريقي، بمشاركة مفوضية الاتحاد الأفريقي ووكالة الاتحاد الأفريقي للتنمية «نيباد»، وانتهت التوصيات إلى تطوير السياسة لتأخذ في الاعتبار بناء السلام وإعادة الإعمار والتنمية بصورة أكثر تكاملًا.

وهنا تتحول القاهرة من مجرد طرف سياسي في أزمات القارة إلى منصة للخبرة الأفريقية في إدارة مرحلة ما بعد النزاع، مستفيدة في الوقت نفسه من خبرات مؤسساتها وشركاتها في الطاقة والمياه والبنية الأساسية والتدريب وبناء القدرات.

«جوليوس نيريري».. نموذج مصري لإعادة بناء الدول من بوابة التنمية

أبرز الأمثلة التي يمكن قراءة الدور المصري من خلالها هو سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا، الذي نفذه تحالف مصري يضم شركتي «المقاولون العرب» و«السويدي إليكتريك».

وبلغت تكلفة المشروع وفق “بوابة المعلومات الحكومية”  نحو 2.9 مليار دولار، بينما تصل قدرته الإنتاجية إلى 2,115 ميجاوات، ونُفذ على مدار 42 شهرًا، ليصبح أحد أكبر مشروعات السدود في أفريقيا، وتؤكد الحكومة المصرية أن المشروع يعكس قدرة الشركات المصرية على تنفيذ مشروعات بنية أساسية ضخمة خارج السوق المحلية. 

والأهمية هنا تتجاوز حجم المشروع نفسه؛ فإضافة 2,115 ميجاوات إلى منظومة الطاقة التنزانية تعني توفير قاعدة جديدة للصناعة والزراعة والخدمات، أي أن المشروع يتحول من منشأة لتوليد الكهرباء إلى أداة لدعم النمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي، ومن هذه الزاوية، تقدم مصر نموذجاً مختلفاً لمفهوم إعادة الإعمار؛ الطاقة والمياه والطرق والموانئ ليست نتائج لاحقة للسلام، وإنما أدوات لمنع عودة الصراع من الأساس.

مصر تعلن توليد الكهرباء من مشروع عملاق تنفذه في تنزانيا (صور) - الطاقة
سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا

10.2 ألف كيلومتر.. طريق يربط شمال أفريقيا بجنوبها

ويمتد هذا التصور إلى مشروعات الربط القاري، وفي مقدمتها طريق القاهرة – كيب تاون، الذي يبلغ طوله الإجمالي نحو 10,228 كيلومتراً، ويستهدف تعزيز حركة التجارة والنقل بين شمال القارة وجنوبها عبر شبكة تربط عدة دول أفريقية.

وتكتسب مشروعات الطرق والممرات اللوجستية أهمية خاصة في الدول الخارجة من النزاعات؛ إذ إن عزل المناطق المتضررة عن الأسواق ومراكز الإنتاج يمثل أحد العوامل التي تعرقل عودة النشاط الاقتصادي، وبالتالي، فإن ربط الدول الأفريقية بشبكات النقل والطاقة والمياه لا يخدم التجارة فقط، وإنما يخلق أساساً اقتصادياً أكثر قدرة على استيعاب المجتمعات المتضررة من النزاعات.

جزء من محور القاهرة/ كيب تاون.. تفاصيل أعمال تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع  تطوير طريق الصعيد الصحراوي الغربي
جزء من طريق القاهرة – كيب تاون

المياه.. سلاح التنمية في المناطق الهشة

وفي المناطق التي تشهد تنافسًا على الموارد الطبيعية، تأتي مشروعات المياه كأحد محاور التعاون المصري في أفريقيا، حيث تطرح القاهرة خبراتها في حفر الآبار الجوفية وإنشاء محطات مياه الشرب واستخدام الطاقة الشمسية في تشغيلها باعتبارها جزءًا من معالجة جذور النزاعات المرتبطة بالمياه والموارد.

وفي هذا السياق، تشير البيانات المصرية إلى تنفيذ مشروعات لحفر الآبار في عدد من دول القارة، إلى جانب محطات مياه تعمل بالطاقة الشمسية، فيما تتضمن خطط التعاون مع تنزانيا تنفيذ 30 بئرًا جوفية إضافية ومشروعات لحصاد مياه الأمطار وبناء القدرات في مجال إدارة الموارد المائية. 

وتصبح المعادلة هنا واضحة؛ كل بئر مياه في منطقة نائية قد يعني تقليل صراع على مورد نادر، وكل محطة كهرباء قد تعني مدرسة أو مستشفى أو مصنعًا جديدًا، وكل طريق جديد قد يربط مجتمعًا معزولًا بالسوق.

بناء الإنسان.. الوجه الآخر لإعادة الإعمار

ولا يتوقف الدور المصري عند الإنشاءات والمشروعات الهندسية، إذ يمثل بناء القدرات الأفريقية أحد محاور السياسة المصرية في مجال السلام والأمن.

ويأتي مركز القاهرة الدولي لحل النزاعات وحفظ وصنع السلام في أفريقيا ضمن المؤسسات التي تستضيف برامج تدريبية للكوادر الأفريقية في مجالات منع النزاعات وحفظ السلام وبناء السلام، وهذا المسار مهم لأن الدول الخارجة من الحروب لا تحتاج فقط إلى إعادة بناء المباني، وإنما تحتاج أيضاً إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة وقدراتها البشرية، بما يسمح لها بإدارة المرحلة الانتقالية ومنع عودة التوترات.

السودان والصومال وليبيا.. ساحات إعادة البناء المقبلة

ويمتد التصور المصري إلى عدد من الدول التي تمثل أولوية في ملف الاستقرار القاري، وعلى رأسها السودان والصومال وليبيا ودول الساحل.

وفي السودان، تكتسب مشروعات الطاقة والمياه والربط والنقل أهمية خاصة مع استمرار تداعيات الحرب، بينما يمثل الصومال نموذجًا يجمع بين بناء المؤسسات الأمنية والتنمية الاقتصادية، أما ليبيا، فتفتح إعادة إعمار البنية الأساسية التي تضررت خلال سنوات الانقسام والصراع مجالاً واسعاً أمام الشركات المصرية في الطرق والكهرباء والموانئ والإسكان والبنية التحتية.

وفي دول الساحل، يرتبط ملف إعادة الإعمار بصورة مباشرة بمواجهة الإرهاب؛ إذ إن ضعف الخدمات وغياب فرص العمل وتدهور الأوضاع الاقتصادية يوفر بيئة خصبة لتجنيد الشباب من جانب الجماعات المسلحة.

مصر تراهن على «السلام المنتج»

وتكشف هذه الملفات عن تحول مهم في المقاربة المصرية للوجود الأفريقي؛ فبدلًا من الفصل بين السياسة والاقتصاد والأمن، تتحرك القاهرة باتجاه نموذج متكامل يجمع الدبلوماسية والتنمية والبنية الأساسية وبناء القدرات.

ويظهر مشروع «جوليوس نيريري» هذا التحول بصورة عملية؛ 2.9 مليار دولار تكلفة مشروع، 2,115 ميجاوات قدرة توليد، و42 شهرًا من التنفيذ، في مشروع أصبح أحد أبرز نماذج التعاون التنموي المصري الأفريقي. 

كما أن استضافة القاهرة لمركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية تمنح مصر موقعًا مؤسسيًا داخل منظومة القارة المعنية بمرحلة ما بعد النزاعات، وليس فقط بمرحلة إدارة الصراع نفسه، وقد أكد الاتحاد الأفريقي أن المركز يعمل كجهة فنية متخصصة في تنفيذ ومتابعة وتقييم برامج إعادة الإعمار والتنمية في الدول الخارجة من النزاعات، وبذلك، يصبح الرهان المصري في القارة قائمًا على فكرة واحدة؛ السلام الذي لا تصاحبه تنمية يظل هشًا، أما السلام المدعوم بالطاقة والمياه والطرق والمؤسسات وفرص العمل، فيتحول إلى استقرار قابل للاستمرار.

إطلاق مركز الاتحاد الإفريقي لإعادة الإعمار والتنمية فيما بعد النزاعات  بالقاهرة - بوابة الأهرام
 

أرقام ترسم خريطة الدور المصري في إعادة إعمار أفريقيا

2018: قرار استضافة مصر مركز الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية.

فبراير 2019: دفع تفعيل المركز خلال قمة الاتحاد الأفريقي.

2021: الإطلاق الرسمي للمركز في القاهرة.

2023: استضافة القاهرة ورشة مراجعة سياسة الاتحاد الأفريقي لإعادة الإعمار والتنمية. 

2.9 مليار دولار: تكلفة سد ومحطة جوليوس نيريري في تنزانيا.

2,115 ميجاوات: القدرة الكهربائية للمشروع.

42 شهرًا: مدة تنفيذ المشروع.

10,228 كم: طول طريق القاهرةـ كيب تاون.

30 بئرًا: مشروعات آبار جوفية إضافية مخطط لها في تنزانيا ضمن التعاون المائي. 

اقرأ أيضًا:

البنتاجون يخطط للاستحواذ على 35% من مشروع نفطي في فنزويلا

جولدمان ساكس: صادرات النفط الخليجية تتعافى إلى ثلثي مستويات ما قبل الحرب

Short Url

search