الأحد، 30 أغسطس 2026

02:34 م

الكليم والسجاد اليدوي في مصر.. من أنوال القرى إلى أسواق أوروبا وأمريكا بـ 400 مليون دولار

الأحد، 30 أغسطس 2026 02:20 م

أحد منتجات صناعة الكليم

أحد منتجات صناعة الكليم

مي المرسي

في قرى مصرية احتفظت بأنوالها القديمة لعقود، لم تعد صناعة الكليم والسجاد اليدوي حرفة تراثية تنتقل من الآباء إلى الأبناء، وإنما تحولت تدريجيًا إلى صناعة تجمع بين الهوية المصرية والتصميم العصري والتصدير، فيما تسعى علامات تجارية ومصممون مصريون إلى نقل المنتج من الأسواق الشعبية إلى عالم الديكور الفاخر.

وتستند هذه الصناعة إلى خبرات يدوية متراكمة في مناطق اشتهرت بالنسج، من فوه في كفر الشيخ إلى ساقية أبوشعرة في المنوفية، مرورًا بقرى الوادي الجديد وسيناء وحرانية الجيزة، حيث لا تزال الأنوال اليدوية جزءًا من الحياة الاقتصادية والاجتماعية للأسر.

وبحسب البيانات الواردة، تصل قيمة صادرات مصر من السجاد والكليم والمنسوجات اليدوية والموكيت إلى نحو 403 ملايين دولار، بينما يعتمد القطاع بصورة مباشرة وغير مباشرة على أكثر من 100 ألف حرفي وصانع، وتشكل النساء أكثر من 60% من العمالة في بعض مراحل غزل الصوف وربط العقد داخل القرى المنتجة.

من الكليم إلى السجاد.. صناعتان بطريقتين مختلفتين

ورغم وضع الكليم والسجاد اليدوي عادةً تحت مظلة واحدة، فإن طريقة التصنيع والقيمة الفنية لكل منهما تختلف، فـالكليم اليدوي هو نسيج مسطح لا يحتوي على وبرة، وينتج من تشابك خيوط السدى واللحمة على النول، بينما يعتمد السجاد اليدوي المعقود على ربط الخيوط عقدة تلو الأخرى فوق خيوط السدى، ثم قص الوبرة وتشطيبها لإظهار التصميم النهائي.

ويبدأ الإنتاج باختيار الخامات، وعلى رأسها الصوف والحرير والقطن، ثم الغزل والصباغة، قبل الانتقال إلى مرحلة التصميم والنسج والتشطيب والغسيل والتقليم، وفي السجاد عالي الجودة، يمكن أن تصل كثافة النسيج إلى 36–64 عقدة في السنتيمتر المربع، وهو ما يفسر طول دورة الإنتاج؛ إذ قد تحتاج السجادة اليدوية الفاخرة إلى فترة تتراوح بين 4 أشهر وسنة كاملة حتى تخرج من النول إلى مرحلة البيع.

عم «ناصر» 50 سنة في صناعة «الكليم اليدوي»: «مهنة البشوات» - الوطن

فوه.. واحدة من أهم قلاع الكليم المصري

في فوه بمحافظة كفر الشيخ، ارتبطت صناعة الكليم بالقرية والمجتمع المحلي، لتتحول الأنوال اليدوية إلى مصدر دخل لأسر كاملة، وتنتج المنطقة نماذج متعددة من الكليم الصوفي والقطني، تجمع بين الزخارف الشعبية والهندسية والتصميمات الحديثة، وهو ما سمح للمنتج المصري بالخروج من الشكل التقليدي إلى تصميمات تناسب الديكورات المعاصرة.

أما ساقية أبوشعرة في المنوفية، فارتبط اسمها بصورة أكبر بالسجاد اليدوي الفاخر، خاصة المنتجات التي تعتمد على الحرير والصوف وكثافة العقد المرتفعة، فيما تحتفظ قرى أخرى في الوادي الجديد وسيناء بتقاليد الكليم البدوي والواحاتي، بألوان ونقوش مستمدة من البيئة المحلية.

وفي حرانية الجيزة، نشأت مدرسة مختلفة في صناعة السجاد اليدوي، تقوم على إطلاق الحس الفني لدى الأطفال والشباب بدلًا من الاقتصار على نسخ التصميمات التقليدية، لتصبح بعض الأعمال أقرب إلى اللوحات الفنية منها إلى قطع الأثاث التقليدية.

شباب كفر الشيخ

100 ألف حرفي.. والصناعة تتحول إلى مصدر دخل للقرى

ولا تكمن أهمية صناعة الكليم والسجاد في قيمتها التراثية فقط، إذ توفر منظومة الإنتاج والتصميم والغزل والصباغة والنسج والتشطيب فرص عمل لأكثر من 100 ألف شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة، وفق الأرقام الواردة.

وتلعب المرأة دورًا محوريًا في هذه المنظومة، إذ تتجاوز حصتها 60% من العمالة في بعض المجتمعات الريفية التي تعتمد على غزل الخيوط وربط العقد والنسيج اليدوي.

وهنا تتحول الصناعة إلى نموذج اقتصادي مختلف؛ فبدلًا من نقل الإنتاج بالكامل إلى المصانع الكبرى، يظل جزء مهم من القيمة المضافة داخل القرية نفسها، بداية من الخامة وحتى المنتج النهائي.

403 ملايين دولار صادرات.. والمنتج المصري يبحث عن مساحة أكبر عالميًا

وتتجاوز قيمة صادرات مصر من السجاد والكليم والمنسوجات اليدوية والموكيت نحو 403 ملايين دولار، فيما تمثل الأسواق الأمريكية والأوروبية والخليجية أبرز الوجهات للمنتجات المصرية.

وتستفيد الصناعة من تنوع المنتج؛ فالسوق الأمريكية والأوروبية تبحث عن القطع ذات الطابع الفني والتصميمات غير التقليدية، بينما يظل الطلب الخليجي أكثر ارتباطًا بالسجاد والكليم المناسب للفراغات السكنية والفنادق والقصور.

وتتراوح أسعار قطع الكليم اليدوي الصوفي، وفق طبيعة الخامة والتصميم والحجم، بين نحو 800 و5 آلاف جنيه للقطع المتوسطة، بينما يمكن أن تبدأ أسعار السجاد الحريري اليدوي الفاخر من 30 ألف جنيه وتجاوز 250 ألف جنيه للقطع الكبيرة والمخصصة للمقتنيات أو التصدير، وبذلك تصبح الفجوة السعرية بين المنتج التقليدي والقطعة الفنية انعكاسًا مباشرًا لكمية العمل اليدوي، وجودة الخامات، وكثافة العقد، وندرة التصميم.

من النول إلى البراند.. الكليم المصري يدخل عالم الـ Luxury

التحول الأبرز في الصناعة لم يعد مرتبطًا بالنول نفسه، وإنما بالطريقة التي يُقدم بها المنتج للمستهلك، فخلال السنوات الأخيرة، ظهرت علامات تجارية ومشروعات تصميمية تسعى إلى تقديم الكليم والسجاد المصري باعتبارهما منتجات Lifestyle وLuxury، وليس مجرد منتجات تراثية.

وتبرز ضمن هذه التجربة علامات مثل KILIM التي ارتبطت بإحياء إنتاج الكليم في فوه وإعادة تقديمه بتصميمات هندسية معاصرة، إلى جانب KAHHAL LOOMS التي تستند إلى تاريخ عائلي يمتد لأكثر من 150 عامًا منذ 1871 في صناعة السجاد اليدوي.

كما ظهرت مشروعات تعتمد على تمكين الحرفيين في المناطق الريفية والنائية، مثل YADAWI، بينما اتجه مصممون إلى التعاون مع النساجين المصريين لإنتاج مجموعات تجمع بين الزخارف المصرية والأساليب الحديثة.

وفي الوقت نفسه، دخلت خطوط الإنتاج اليدوي لدى الشركات الكبرى في صناعة السجاد والنسيج، مثل النساجون الشرقيون، إلى جانب نماذج من السجاد اليدوي وHand-tufted وHand-knotted الموجهة إلى شرائح أكثر ارتفاعًا في الأسواق المحلية والخارجية.

مصر الخير» تطلق مبادرة لتطوير صناعة الكليم المصري للمنافسة عالميًا -جريدة  المال

التصميم الحديث يغير قواعد اللعبة

لم يعد المستهلك العالمي يبحث فقط عن سجادة تحمل نقوشًا شرقية تقليدية؛ فتصاعد الطلب على أنماط Modern وBoho وMinimalism دفع المنتجين المصريين إلى إعادة تصميم الكليم بألوان أكثر هدوءًا وأشكال هندسية وتجريدية تتناسب مع المنازل والفنادق والمنتجعات الحديثة.

وهذا التحول يرفع من القيمة الاقتصادية للقطعة؛ لأن الحرفي لم يعد يبيع ساعات العمل والخامة فقط، وإنما أصبح جزءًا من سلسلة تبدأ من التصميم وتنتهي بالعلامة التجارية والتصدير.

كما ساهمت التجارة الإلكترونية في تغيير نموذج التوزيع، إذ أصبح بإمكان العلامات الصغيرة عرض منتجاتها مباشرة أمام العملاء في الولايات المتحدة وأوروبا والخليج، وتقليل الاعتماد على الوسطاء التقليديين.

الصدف المصري لا يبيع التراث فقط.. بل يبيع قصة

وتزداد جاذبية الكليم والسجاد المصري في الأسواق الخارجية عندما يقترن المنتج بقصة الحرفة ومكان التصنيع والحرفي الذي نفذه، فالقطعة المصنوعة يدويًا في فوه أو المنوفية لا تنافس فقط على أساس السعر، وإنما على أساس الأصالة والهوية والاستدامة والعمل اليدوي، وهي عوامل أصبحت جزءًا أساسيًا من تسويق المنتجات الحرفية عالميًا.

وتستهدف مبادرات مثل «أيادي مصر» دعم الحرفيين وربط المنتجات بالمنصات الرقمية، بما يسمح بتحويل الحرفة من نشاط محلي إلى منتج قابل للوصول المباشر إلى المستهلك والأسواق الخارجية.

التحدي الأكبر.. من يرث أسرار النول؟

ورغم هذه الفرص، تواجه صناعة السجاد والكليم اليدوي في مصر تحديًا أساسيًا يتمثل في انتقال الخبرة من جيل إلى آخر، فالعمل اليدوي يحتاج إلى سنوات حتى يتقن الحرفي تقنيات الغزل والنسج والعقد والتشطيب، بينما يمثل ارتفاع تكلفة الخامات وطول فترة الإنتاج وصعوبة العمل اليدوي عوامل تدفع بعض الشباب إلى البحث عن وظائف أخرى.

لكن في المقابل، فإن وجود سوق تصديرية بقيمة 403 ملايين دولار، وأكثر من 100 ألف حرفي داخل منظومة الصناعة، وأسعار تصل إلى 250 ألف جنيه للسجادة الفاخرة، يكشف أن الحرفة ليست مجرد جزء من الماضي، وإنما تمتلك مقومات صناعة يمكن تطويرها.

بالصور.. آخر أيام النول في أريحا السورية

وبين نول القرية ومنصة التجارة الإلكترونية، وبين نقوش التراث وتصميمات الـModern وBoho، وبين قطعة تباع بآلاف الجنيهات وأخرى تتجاوز ربع مليون جنيه، يعيد الكليم والسجاد اليدوي المصري تعريف نفسه؛ من حرفة تحفظ الذاكرة إلى صناعة قادرة على تحويل الهوية المصرية إلى منتج تصديري يحمل اسم مصر إلى أسواق العالم.

اقرأ أيضًا: من الورشة إلى العالم.. كيف يحوّل التصميم الحلق المصري من جرامات معدن إلى ثروة؟

Short Url

search