بالدستور الأمريكي.. كيف تحارب شركة صينية البنتاجون داخل محاكم واشنطن؟
الأحد، 30 أغسطس 2026 10:36 ص
صناعة رقائق الذاكرة
مي المرسي
لم تكتفِ شركة صينية متخصصة في صناعة رقائق الذاكرة بمواجهة إدراجها على قائمة الشركات المرتبطة بالجيش الصيني بالبيانات والاحتجاجات الرسمية، لكنها اختارت نقل المعركة إلى قلب الولايات المتحدة نفسها.
في 28 أغسطس 2026، رفعت شركة تشانجشين ميموري تكنولوجيز «CXMT» دعوى أمام المحكمة الاتحادية لمقاطعة كولومبيا، اعتراضًا على إدراجها ضمن قائمة الشركات التي ترى وزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون» أنها مرتبطة بالجيش الصيني.
واللافت أن الشركة لم تقاضِ البنتاجون فقط، وإنما سمت في الدعوى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، ونائبه ستيف فاينبرج، ومساعد الوزير لسياسة القاعدة الصناعية مايكل كادينازي، لكن القضية لا تتعلق فقط بشركة صينية تريد الخروج من قائمة أمريكية، وإنما تكشف واحدة من أكثر جبهات الصراع التكنولوجي بين واشنطن وبكين حساسية: من يملك تكنولوجيا الرقائق.. ومن يملك القدرة على التحكم في سلاسل إمدادها؟
لماذا تقاضي CXMT البنتاجون؟
تسعى الشركة الصينية إلى الطعن في قرار إدراجها على القائمة العسكرية الأمريكية، معتبرة أن التصنيف يلحق بها أضرارًا تجارية وسمعية، ويهدد قدرتها على التعامل مع الشركات والأسواق العالمية، وتزداد أهمية القضية بسبب ما تكشفه وثائق المحكمة عن مسار القرار داخل البنتاجون.
ففي فبراير 2026، نشر البنتاجون إشعارًا يفيد بشطب اسم الشركة من القائمة، قبل أن يتم سحب الإشعار في اليوم نفسه دون توضيح معلن لأسباب التراجع عن القرار، وبعد ذلك، عادت الشركة للظهور على القائمة في تحديث يونيو 2026.
ومن هنا تحولت القضية بالنسبة لـCXMT إلى معركة قانونية حول الأساس الذي استندت إليه الإدارة الأمريكية في تصنيف الشركة، ومدى التزامها بالإجراءات القانونية الواجبة قبل اتخاذ قرار يمكن أن تكون له تداعيات تجارية واسعة.

لماذا CXMT تحديدًا؟
الإجابة تبدأ من سوق الرقائق؛ تشانجشين ميموري تكنولوجيز ليست شركة تكنولوجية صينية عادية، وإنما واحدة من أبرز الشركات الصينية في إنتاج رقائق ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية «DRAM»، وهي مكونات أساسية تدخل في الهواتف الذكية وأجهزة الكمبيوتر والخوادم ومراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
وخلال النصف الأول من 2026، حققت الشركة قفزة استثنائية في الإيرادات، بعدما ارتفعت وفق البيانات الواردة إلى نحو 150.31 مليار يوان، مقابل حوالي 15.4 مليار يوان خلال الفترة نفسها من العام السابق، بزيادة تقارب 874%.
ولم تتوقف القفزة عند الإيرادات، إذ تحولت الشركة من تسجيل خسائر في النصف الأول من 2025 إلى تحقيق أرباح خلال النصف الأول من 2026، بالتزامن مع زيادة الإنفاق على البحث والتطوير وتوسيع قاعدة المهندسين والباحثين لديها.
الذكاء الاصطناعي يفتح الباب أمام CXMT
تزامن نمو CXMT مع طفرة الطلب العالمي على رقائق الذاكرة، خصوصًا مع التوسع الهائل في مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
فبينما اتجه كبار مصنعي الذاكرة في العالم، مثل سامسونج وSK Hynix ومايكرون، إلى التركيز بدرجة كبيرة على الذاكرة عالية النطاق الترددي HBM المستخدمة مع أنظمة الذكاء الاصطناعي، ظهرت ضغوط على إمدادات أنواع أخرى من الذاكرة، مثل DDR4 وDDR5.
وهنا وجدت CXMT فرصة للتوسع، فبحسب الأرقام الواردة، ارتفعت حصة الشركة الصينية في سوق DRAM العالمي إلى نحو 7% خلال الربع الثاني من 2026، لتصبح رابع أكبر منتج عالميًا خلف سامسونج وSK Hynix ومايكرون.
وتنتج مصانع الشركة في هفي وبكين نحو 300 ألف رقاقة شهريًا، مع خطط لرفع الطاقة الإنتاجية إلى ما بين 500 و600 ألف رقاقة شهريًا بحلول 2028.
أبل تدخل على خط المواجهة
لم يعد تأثير CXMT محصورًا في السوق الصينية، فبحسب المعلومات الواردة، أجرت أبل محادثات فنية واختبارات مع الشركة الصينية بشأن توريد رقائق ذاكرة لأجهزة iPhone وMacBook المخصصة للسوق الصينية، في خطوة يمكن أن تساعد الشركة الأمريكية على خفض تكاليف الإنتاج والاستفادة من الإمدادات المحلية.
كما بدأت شركات حاسوب عالمية في اختبار أو دمج شرائح CXMT في بعض أجهزتها الموجهة لأسواق معينة، وهنا تظهر أهمية التصنيف الأمريكي، فكلما زادت قدرة شركة صينية على الدخول في سلاسل التوريد العالمية، أصبح إخراجها من تلك السلاسل أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تكون الشركة تعمل في قطاع استراتيجي مثل أشباه الموصلات.

من قائمة البنتاجون إلى حرب أوسع على الرقائق
إدراج CXMT على قائمة الشركات المرتبطة بالجيش الصيني لا يمثل بالضرورة حظرًا تجاريًا شاملاً في حد ذاته، لكنه يضع الشركة تحت ضغط تنظيمي وسياسي متزايد، وقد يصبح خطوة ضمن مسار أوسع من القيود الأمريكية على الشركات والتكنولوجيا الصينية.
وهنا تكمن واحدة من أهم أدوات واشنطن في سباق الرقائق: القوائم التنظيمية، فالولايات المتحدة لا تواجه الشركات الصينية بالسلاح أو التعريفات الجمركية فقط، وإنما تستخدم أيضًا القيود على التكنولوجيا والمعدات والاستثمارات وسلاسل التوريد، وبالنسبة لشركة تعمل في تصنيع أشباه الموصلات، فإن الوصول إلى معدات التصنيع المتقدمة والتكنولوجيا الأجنبية يمثل مسألة حاسمة في قدرتها على تطوير أجيال جديدة من الرقائق.
الصين في مواجهة استراتيجية «الاندماج المدني والعسكري»
في المقابل، تستند واشنطن في جزء من سياستها إلى ما تعتبره استراتيجية صينية للاندماج بين القطاعين المدني والعسكري، وترى أن الفصل الكامل بين الشركات الخاصة والاحتياجات العسكرية في القطاعات التكنولوجية الحساسة ليس أمرًا مضمونًا.
أما الشركات الصينية، فتدفع بأن إدراجها على القوائم الأمريكية يمثل استهدافًا سياسيًا وتجاريًا، ويحد من قدرتها على المنافسة في الأسواق العالمية، وبذلك تتحول كل شركة تكنولوجية كبرى إلى ساحة صغيرة داخل الحرب الأكبر بين البلدين.
لماذا اختارت CXMT القضاء الأمريكي؟
الأكثر إثارة في القضية أن الشركة الصينية لم تكتفِ بمحاولة التفاوض مع الإدارة الأمريكية، وإنما اختارت استخدام النظام القضائي الأمريكي نفسه للطعن في قرار البنتاجون.
وهذه ليست سابقة بالكامل، فقد تمكنت شركات صينية أخرى من استخدام القضاء الأمريكي للطعن في تصنيفات حكومية، ومن أبرز الأمثلة شركة شاومي التي نجحت عام 2021 في رفع تصنيفها العسكري الأمريكي عنها.
وبالتالي، تراهن CXMT على أن المحكمة قد تصبح ساحة جديدة لمواجهة القيود الأمريكية، بدلًا من الاكتفاء بالمواجهة السياسية بين واشنطن وبكين.
معركة أكبر من شركة ورقائق
القضية في جوهرها ليست مجرد نزاع بين شركة ووزارة الدفاع الأمريكية، فخلف الدعوى توجد معركة على من يمتلك تكنولوجيا المستقبل.
الولايات المتحدة تحاول الحفاظ على تفوقها في أشباه الموصلات ومنع الصين من تقليص الفجوة التكنولوجية، بينما تعمل بكين على بناء صناعة محلية تستطيع الاعتماد عليها بعيدًا عن التكنولوجيا والمعدات الغربية.
وفي منتصف هذه المعركة تقف CXMT، التي تحاول الانتقال من شركة صينية لصناعة الذاكرة إلى لاعب عالمي لا يمكن تجاهله، ولهذا فإن السؤال الأهم الآن ليس فقط: هل ستنجح CXMT في إسقاط قرار البنتاجون؟
بل هل تستطيع الشركات الصينية استخدام القضاء الأمريكي نفسه لكسر أدوات الحصار التكنولوجي، أم أن واشنطن ستجد طريقًا جديدًا لإغلاق هذه الثغرة؟
اقرأ أيضًا:
شركة صينية للرقائق تقاضي البنتاجون اعتراضًا على تصنيفها كجهة مرتبطة بالجيش
Short Url
بمشاهدات وصلت إلى 370 مليار.. كيف هيمن التيك توك على سوق الكتب؟
30 أغسطس 2026 09:36 ص
مصر تصدر حقائب بـ2.1 مليون دولار في 2025.. الأردن والإمارات أكبر المستوردين
29 أغسطس 2026 02:20 م
أزمة مالية تضرب الاقتصاد البريطاني و53.7 ألف شركة في خطر
28 أغسطس 2026 03:30 م
أكثر الكلمات انتشاراً