الإثنين، 24 أغسطس 2026

12:59 ص

الشحن في أزمة.. فقدان قرابة 2 مليون حاوية يهدد التجارة العالمية

الأحد، 23 أغسطس 2026 11:16 م

السفن

السفن

بعد نحو 70 عامًا من إحداثها ثورة في حركة التجارة العالمية، تواجه حاويات الشحن أزمة غير مسبوقة تهدد بكشف حدود النظام الذي جعل نقل البضائع حول العالم أسرع وأرخص، وتشير تقديرات شركة «سي إنتليجنس» إلى وجود نحو 1.8 مليون حاوية قياس 20 قدمًا خارج شبكات الشحن العالمية فعليًا في أي وقت، بسبب اختناقات الموانئ واختلال حركة التجارة بين مناطق التصدير والاستيراد.

هذا الرقم يعادل تقريبًا الطاقة الاستيعابية لأحد أكبر أساطيل شحن الحاويات في العالم، ويعكس حجم الضغوط التي تتعرض لها سلاسل الإمداد الدولية.

من 10 أيام إلى 40 ساعة

قبل ظهور الحاويات، كان تفريغ سفينة وإعادة تحميلها في موانئ لندن يستغرق نحو 10 أيام، بمشاركة عشرات العمال، وكانت عمليات السرقة والحوادث والإضرابات تتسبب في مزيد من التأخير، ولكن الحاوية الفولاذية غيّرت المعادلة بالكامل، وأصبح من الممكن نقل البضائع نفسها بين السفن والشاحنات والقطارات دون الحاجة إلى تفريغها وإعادة تعبئتها في كل مرحلة.

وفي ميناء لندن، تستطيع الرافعات العملاقة اليوم تفريغ وإعادة تحميل سفينة ضخمة تحمل نحو 20 ألف حاوية خلال قرابة 40 ساعة فقط، وهذه السرعة ساعدت على خفض تكاليف النقل إلى مستويات قياسية، ومهدت الطريق أمام توسع التجارة العالمية ونقل عمليات التصنيع إلى مناطق تتمتع بتكاليف إنتاج أقل.

اختراع صغير صنع اقتصادًا عالميًا

ولم تكن الحاوية بالشكل المعروف اليوم وليدة فكرة واحدة، فقد سبقتها محاولات عديدة لتوحيد صناديق نقل البضائع، ولكن التحول الحقيقي بدأ مع رجل الأعمال الأميركي مالكوم ماكلين، الذي أدرك أن نقل الحاويات بدل البضائع نفسها يمكن أن يقلل وقت وتكلفة الشحن بصورة هائلة.

وفي 26 أبريل 1956، أبحرت السفينة «إيديل إكس»، من نيوجيرسي محملة بـ58 حاوية في تجربة أصبحت لاحقًا نقطة تحول في تاريخ النقل البحري، وبحسب حسابات ماكلين آنذاك، انخفضت تكلفة تحميل السفينة من نحو 5.83 دولار للطن في السفن التقليدية إلى 15.8 سنت فقط باستخدام الحاويات، أي انخفاض يقارب 97%، ومع توحيد أبعاد الحاويات دوليًا، تحولت الفكرة إلى معيار عالمي وأصبحت أساسًا لشبكة النقل الحديثة.

الصين أكبر المستفيدين

وساعد انخفاض تكلفة الشحن على إعادة رسم خريطة التصنيع العالمية، إذ أصبح من المجدي اقتصاديًا إنتاج السلع في آسيا ثم نقلها إلى الأسواق الأميركية والأوروبية، وكانت الصين من أبرز المستفيدين من هذا التحول، حتى أصبحت «مصنع العالم»، اليوم، تنقل الحاويات نحو ثلثي البضائع المنقولة بحرًا، فيما تمثل نحو 60% من إجمالي التجارة العالمية، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ويعمل أكثر من 7 آلاف سفينة حاويات حول العالم، بينما تضاعف متوسط حجم السفن أكثر من مرتين منذ عام 2000.

سفن أكبر وموانئ لا تتسع

المشكلة الحالية أن السفن أصبحت أكبر بسرعة تفوق قدرة بعض الموانئ على مواكبتها، وتبلغ الطاقة الاستيعابية لأكبر سفن الحاويات أكثر من 24 ألف حاوية مكافئة لوحدة 20 قدمًا، في حين يعادل حجم الطلبات الجديدة على السفن نحو 40% من الأسطول الحالي، وهو مستوى قياسي.

ويشبه مسؤولو القطاع الوضع بالطيران: إذا اشترينا طائرات أكبر، فعلينا أيضًا تطوير المطارات ومدارجها لاستيعابها، والأمر نفسه يحدث في الشحن؛ فالسفن العملاقة تحتاج إلى أرصفة أعمق، ورافعات أكبر، ومساحات تخزين أوسع، إضافة إلى طرق وسكك حديدية قادرة على نقل الحاويات بعيدًا عن الموانئ.

آسيا تختنق بالازدحام

وتتركز الضغوط بصورة خاصة في الموانئ الآسيوية، مع النمو القوي للصادرات، وبحسب شركة «زينيتا»، ارتفع الطلب العالمي على الحاويات 5.2% خلال النصف الأول من 2026، بينما قفزت الصادرات الصينية بنسبة 12.4% خلال الفترة نفسها، ويؤدي هذا النمو إلى زيادة الضغط على الموانئ، خصوصًا مع سعي الشركات إلى تخزين المزيد من البضائع وتنويع سلاسل الإمداد في ظل التوترات التجارية والرسوم الجمركية.

المشكلة ليست نقص الحاويات

المفارقة أن جزءًا من الأزمة لا يتعلق بنقص الحاويات، وإنما بوجود أعداد ضخمة منها في الأماكن الخطأ، وارتفاع الصادرات الآسيوية مقابل انخفاض الصادرات من الأسواق الغربية يعني أن عددًا كبيرًا من الحاويات يصل إلى الولايات المتحدة وأوروبا محملًا بالبضائع، ثم يعود إلى آسيا فارغًا.

وتشير تقديرات القطاع، إلى أن عدد الحاويات التي تعود محملة بالبضائع من الولايات المتحدة إلى آسيا انخفض بصورة واضحة مقارنة بالماضي، وهكذا تتحمل شركات الشحن تكلفة نقل الحاويات الفارغة لمسافات طويلة، أو تبحث عن أي شحنات يمكن استخدامها في رحلة العودة، بدءًا من الورق المخصص لإعادة التدوير وصولًا إلى الحبوب والمنتجات التي كانت تُنقل عادة بطرق أخرى.

هل اقتربت صناعة الشحن من حدودها؟

مع استمرار نمو التجارة، وزيادة أحجام السفن، وارتفاع الطلب على الحاويات، تبدو صناعة النقل البحري أمام اختبار صعب، والموانئ لا تستطيع التوسع بلا حدود، والممرات المائية مثل قناة السويس تفرض قيودًا طبيعية على أحجام السفن، بينما تؤدي زيادة الطلب إلى مزيد من الازدحام والحاجة إلى بنية تحتية أكبر.

وبذلك، فإن أزمة 1.8 مليون حاوية «مفقودة» ليست مجرد مشكلة تشغيلية تخص شركات الشحن، بل إنذار بشأن قدرة النظام الذي حمل التجارة العالمية لعقود على مواصلة العمل بالكفاءة والتكلفة نفسيهما، والاختراع الذي جعل العالم أصغر وأكثر ترابطًا قد يواجه الآن مشكلة مع حجم النجاح الذي ساعد بنفسه على تحقيقه.

اقرأ أيضًا:

ميناء دمياط: استقبال ومغادرة 16 سفينة خلال 24 ساعة

Short Url

search