السبت، 15 أغسطس 2026

01:20 م

ثروة بلا أرقام نهائية.. ماذا نعرف عن احتياطيات مصر من العناصر الأرضية النادرة؟

السبت، 15 أغسطس 2026 12:17 م

العناصر الأرضية النادرة - أرشيفية

العناصر الأرضية النادرة - أرشيفية

تتجه مصر لإعطاء اهتماما أكبر للعناصر الأرضية النادرة، وغيرها من المعادن الاستراتيجية، ضمن أجندتها الاقتصادية والصناعية والكهربائية، إذ تركز الحكومة بشكل متزايد على الانتقال من مجرد استخراج المواد الخام إلى مراحل المعالجة والتصنيع.

واكتسب هذا الملف زخماً جديداً في عام 2026، بعد توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، للحكومة بتعظيم القيمة الاقتصادية للمعادن النادرة، ودعوة رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، إلى وضع استراتيجية وطنية تهدف إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لمعالجة وتصنيع هذه المعادن.

واستعرض وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، محمود عصمت، مؤخرا مشاريع الاستكشاف والاستخراج بالتعاون مع هيئة المواد النووية.

ما حجم موارد العناصر الأرضية النادرة في مصر؟

وحتى الآن لا يوجد رقم معلن رسمياً، أو معتمد وطنياً لإجمالي احتياطيات مصر من العناصر الأرضية النادرة يمكن مقارنته بأرقام الاحتياطيات التي تنشرها الدول الكبرى المنتجة لهذه العناصر.

وبدلاً من ذلك، تشير البيانات المصرية والأكاديمية المتاحة إلى وجود موارد ومكامن هامة لا تزال تتطلب المزيد من عمليات الاستكشاف، والحفر، وتحديد حجم الموارد والتقييم الاقتصادي.

وتتركز أقوى الإمكانات الموثقة في رواسب رمال المعادن الثقيلة. فكشفت دراسة نُشرت عام 2026، في دورية «ساينتيفيك ريبورتس» (Scientific Reports)، عن تركيزات إجمالية للعناصر الأرضية النادرة تتراوح تقريباً بين 0.8، و3.7 كيلوجرام لكل طن في أجزاء المعادن الثقيلة، ذات الجدوى الاقتصادية المستخرجة من الرمال السوداء المصرية، إذ يُعد معدن «المونازيت» المصدر الرئيسي لهذه العناصر. 

وشملت الدراسة مناطق «ديبة»، ودمياط، ورشيد، وبلطيم على ساحل البحر المتوسط، بالإضافة إلى منطقتي أبو زنيمة، ونبق في جنوب سيناء.

تم تحديد موارد إضافية من الرمال السوداء الحاملة للعناصر الأرضية النادرة في شمال سيناء، وتحديداً في محيط شرق العريش، وفي جنوب الصحراء الشرقية، بما في ذلك أحواض «هودين»، و«إيبيب»، و«دييت»، الواقعة بين مدينتي شلاتين وحلايب. 

وكشفت الأبحاث التي أُجريت في جنوب الصحراء الشرقية عن تركيزات إجمالية للعناصر الأرضية النادرة تتراوح بين 1 و4 كيلوغرامات لكل طن ضمن تجمعات المعادن الثقيلة ذات الجدوى الاقتصادية.

ما هي أهم العناصر الأرضية النادرة؟

ويكتسب معدن المونازيت المصري، أهمية خاصة لاحتوائه في الغالب على عناصر أرضية نادرة خفيفة، وحددت الأبحاث التي تناولت المونازيت المستخرج من الرمال الشاطئية المصرية كلاً من السيريوم، واللانثانوم، والنيوديميوم، كمكونات رئيسية، إلى جانب كميات أقل من البراسيوديميوم، والساماريوم، والجادولينيوم، والديسبروسيوم، واليوروبيوم.

وتتفاوت القيمة الاقتصادية لهذه العناصر بشكل كبير، إذ تُظهر بيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية (USGS) لعام 2025، أن متوسط ​​الأسعار في الولايات المتحدة يبلغ حوالي دولار واحد للكيلوغرام من أكسيد اللانثانوم، و1.71 دولار للكيلوجرام من أكسيد السيريوم، و74 دولاراً للكيلوجرام من أكسيد البراسيوديميوم، و73 دولاراً للكيلوجرام من أكسيد النيوديميوم، و69 دولاراً للكيلوجرام من الخليط المشترك لأكسيدي النيوديميوم والبراسيوديميوم (NdPr)، و27 دولاراً للكيلوجرام من أكسيد اليوروبيوم، و30 دولاراً للكيلوجرام من أكسيد الجادولينيوم.

وفي المقابل، قد تكون العناصر الثقيلة أعلى قيمة بكثير، حيث أفادت الهيئة، بأن متوسط ​​الأسعار لعام 2025، يبلغ حوالي 239 دولاراً للكيلوغرام من أكسيد الديسبروسيوم، و1010 دولارات للكيلوغرام من أكسيد التيربيوم.

ويفسر هذا التفاوت في الأسعار سبب عدم تحقيق سوى جزء ضئيل من القيمة الاقتصادية المحتملة عند الاكتفاء بتصدير مركزات معدنية مختلطة.

حجم الاستثمارات المطلوبة

ولم يُعلن بعد عن رقم محدد لاستثمارات مشروع مصري شامل يمكن اعتماده كتقدير نهائي لسلسلة قيمة متكاملة للعناصر الأرضية النادرة، تبدأ من التعدين وتنتهي بتصنيع المغناطيس.

 وتُظهر المؤشرات المرجعية الدولية الأسباب، التي تجعل الاستثمارات المطلوبة ضخمة، إذ يقدّر صندوق النقد الدولي، أن عمليات التكرير والفصل تتطلب رؤوس أموال أكبر بكثير مقارنة بعمليات التعدين.

بينما تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية، في  تقرير  حول العناصر الأرضية النادرة (2026)،  إلى أن تنويع سلاسل توريد المغناطيس، والعناصر الأرضية النادرة عالمياً -بعيداً عن المورد المهيمن حالياً- سيتطلب استثمارات بقيمة 60 مليار دولار تقريباً، حتى عام 2035، إذ تستحوذ عمليات التكرير على نحو نصف هذا المبلغ، بينما يمثل تصنيع المغناطيس حوالي ثلثه.

هل تمتلك مصر التكنولوجيا اللازمة؟

من جانبه، قال علي عبد النبي، نائب رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق، أن مصر تمتلك مصر قدرات فنية هامة؛ حيث تتمتع هيئة المواد النووية بخبرة في مجالات توصيف المعادن، والفصل، والاستخلاص، والبحث العلمي، كما دمجت مشاريع الرمال السوداء المصرية تقنيات أجنبية بالفعل.

 ولفت  «عبد النبي» في تصريح لـ«إيجي إن»، إلى اتفاق أُبرم عام 2018 مشاركة شركة «مينيرال تكنولوجيز» الأسترالية، في توريد وتركيب محطات للفصل والتركيز في منطقة البرلس.

وأكد أن إنتاج أكاسيد العناصر الأرضية النادرة عالية النقاء، والمعادن، والسبائك، ومغناطيسات النيوديميوم-الحديد-البورون ، يتطلب تقنيات أكثر تعقيداً بكثير مقارنة بعمليات تركيز معدن المونازيت.

وررجح أن تستفيد مصر من الشراكات مع شركات التكنولوجيا الدولية، وموردي المعدات، والمؤسسات البحثية، والمستثمرين الاستراتيجيين.

وأكد هذا التوجه مع الاجتماع الذي عقده عصمت في يونيو 2026، مع هيئة المواد النووية، حيث استعرض المسؤولون تسعة مراكز ميدانية، وشددوا على أهمية الاستكشاف، والمعالجة، والتنقية، والتكنولوجيا، وإنشاء كيانات اقتصادية لاستغلال هذه المواد النادرة.

ما الذي يمكن لمصر تصنيعه؟

من جانبه رأى شريف الصياد، رئيس المجلس التصديري للصناعات الهندسية، في تصريح لـ«إيجي إن»، أنه بدلاً من تصدير المركزات المعدنية، يمكن لمصر أن تنتج تدريجياً أكاسيد العناصر الأرضية النادرة (سواء المختلطة، أو المفصولة)، وأكسيد النيوديميوم-براسيوديميوم ، ومنتجات السيريوم، واللانثانم عالية النقاء، ومعادن وسبائك العناصر الأرضية النادرة، والمغناطيسات الدائمة من نوع ، والمحفزات، ومواد الصقل، والمكونات الإلكترونية المتخصصة.

وأضاف «الصياد»: «تكمن الفرصة ذات القيمة الأعلى في عمليات التصنيع اللاحقة في مراحل متقدمة من سلسلة القيمة، إذ تعد مغناطيسات  عنصراً أساسياً في المركبات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والمحركات الصناعية، والروبوتات، ومراكز البيانات، والإلكترونيات المتقدمة». 

ووفقاً لوكالة الطاقة الدولية، تستحوذ المغناطيسات الدائمة على حوالي 95% من استهلاك العناصر الأرضية النادرة من حيث القيمة، في حين تضاعف الطلب على العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في المغناطيسات وهي النيوديميوم  والبراسيوديميوم  والديسبروسيوم  والتيربيوم - منذ عام 2015، ومن المتوقع أن يواصل هذا الطلب الارتفاع.

هل يمكن لمصر تزويد قطاعات المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح والإلكترونيات؟

وردًا على هذه السؤال، أكدت صباح مشالي، نائب وزير الكهرباء الأسبق قائلة: «نعم، إذ يمكن لمصر أولاً تطوير المراحل الأولية والوسطى، أي التعدين، والتركيز، ومعالجة المونازيت، وإنتاج الأكاسيد المفصولة قبل الانتقال إلى إنتاج السبائك والمغناطيسات الدائمة».

وأشارت في تصريح لـ«إيجي إن»، إلى أن  هذه الفرصة استراتيجية وهامة للغاية نظراً لأن الصين تهيمن حالياً على جزء كبير من عمليات تكرير العناصر الأرضية النادرة وسلاسل توريد المغناطيسات. 

ووأوضحت أن  تقديرات وكالة الطاقة الدولية تشير أن الطلب على العناصر الأرضية النادرة مدفوع في المقام الأول بمحركات المركبات الكهربائية وتوربينات الرياح، مع احتمالية ارتفاع هذا الطلب بشكل حاد مع توسع نطاق التحول نحو الكهربة.

طاقة رياح

مصنع طاقة رياح

ولفتت «مشالي»، إلى أن ذلك يمتاشى ذلك مع ما شرعت فيه مصر نحو بناء صناعة محلية لتصنيع معدات طاقة الرياح، وذلك من خلال الإعلان عن في يونيو الماضي البدء في إنشاء أول مصنع لتوربينات الرياح في البلاد والذي من المتوقع أن تتمتع المنشأة بقدرة إنتاجية سنوية تكفي لتزويد محطة لطاقة الرياح بقدرة 2000 ميجاوات، مما يمثل تطوراً هاماً في جهود مصر الرامية إلى توطين تكنولوجيا الطاقة المتجددة.

ومن المتوقع، أن يعزز هذا الاستثمار الجديد قدرات التصنيع المحلية، وينوّع الشراكات التكنولوجية، ويدعم خطط مصر لتطوير سلسلة توريد أكثر تكاملاً لطاقة الرياح وتقنيات الطاقة النظيفة الأخرى، بحسب مشالي.

ما حجم القيمة المضافة التي يمكن تحقيقها؟

من جانبه أكد محمد إمام، الخبير الجيولوجي، أن المستقبل لتعدين العناصر النادرة والليثيوم وغيرها من المعادن النادرة وندرتها ليست فى عدم توافرها فقط، إنما أيضا فى نسب التواجد القليلة فى نفس المصدر ،مثل الرمال السوداء والفوسفات وبعض صخور القاعدة.

وقال في تصريح لـ«إيجي إن»: «لكى تتبوأ مصر مكانتها المستحقة فى سوق التعدين الدولى لابد أولا وقبل أي شيء من تغيير قانون التعدين، ولائحته التنفيذية، وتعديل الفكر التشريعى لخامات الذهب، وجعل تراخيص الذهب والأحجار الكريمة، ونصف الكريمة، مثلها، مثل تراخيص الفلسبارات، والرمال، ثم تنفيذ الروشتة الموضوعة من صفوة خبراء التعدين المخلصين لتراب هذا البلد الطيب».

وأشار إلى أن العناصر النادرة ستتحقق القيمة الأكبر من خلال التدرج عبر سلسلة القيمة الرمال ثم المركزات المعدنية ثم المونازيت ثم كربونات أكاسيد العناصر الأرضية النادرة المختلطة ثم أكاسيد العناصر الأرضية النادرة المفصولة ثم المعادن ثم المغناطيسات الدائمة ثم المكونات والمنتجات النهائية.

واختتم: «تساهم كل مرحلة في زيادة المحتوى التكنولوجي، وقيمة الصادرات المحتملة، وفرص العمل الماهرة، والروابط الصناعية، كما سيتيح ذلك لمصر استخدام مواردها من العناصر الأرضية النادرة كمدخلات صناعية بدلاً من الاكتفاء بالتعامل معها كسلعة للتصدير فقط».

هل يمكن لمصر أن تصبح مركزاً إقليمياً للعناصر الأرضية النادرة؟

وحددت الحكومة، تحول مصر لمركز إقليمي للعناصر النادر، كهدف استراتيجي، ففي يناير 2026، صرح رئيس الوزراء، بأن الاستراتيجية الوطنية يجب أن تتجاوز مرحلة الاستكشاف لتسعى إلى تحويل مصر إلى مركز إقليمي لمعالجة وتصنيع المعادن النادرة. 

وتشمل هذه الاستراتيجية المسح الجيولوجي، والشراكات الأجنبية، وتوسيع قدرات التكرير، وحوافز الاستثمار، والبيانات الجيولوجية الرقمية، وبرامج التدريب.

كما يتماشى هذا النهج مع التوجه السابق للرئيس السيسي، الرامي إلى تعظيم القيمة المضافة لمعادن الرمال السوداء، بدلاً من الاكتفاء بمرحلة الاستخراج فقط، ويُظهر الاجتماع الذي عُقد في يونيو 2026 بين الوزير محمود عصمت، وهيئة المواد النووية، أن السياسة المتبعة تنتقل من التوجهات السياسية العامة نحو مجالات الاستكشاف والمشاريع التكنولوجية والكيانات الاقتصادية المتخصصة.

وعليه، فإن التحدي الرئيسي لا يكمن ببساطة في ما إذا كانت مصر تمتلك موارد من العناصر الأرضية النادرة، بل في قدرتها على إثبات وجود موارد قابلة للاستخراج تجارياً، وإتقان تكنولوجيا الفصل، وجذب استثمارات متتالية بمئات الملايين من الدولارات، وتأسيس صناعات تحويلية لاحقة. وفي حال نجاح هذه الخطوات، فقد تتمكن مصر من تحويل رمالها السوداء وغيرها من الموارد الغنية بالعناصر الأرضية النادرة إلى ركيزة لمركز إقليمي للمعادن الاستراتيجية والتصنيع المتقدم.

Short Url

search