الجمعة، 14 أغسطس 2026

10:16 م

إسلام جهاد الدين يكتب: 5 عقود من التنمية والتعاون الدولي في مصر.. هل تتعثر جهود الجهات المانحة ومنظمات التنمية؟

الجمعة، 14 أغسطس 2026 08:16 م

إسلام جهادالدين، متخصص بالشؤون الإقتصادية والإصلاح الإداري

إسلام جهادالدين، متخصص بالشؤون الإقتصادية والإصلاح الإداري

بقلم: إسلام جهاد الدين، متخصص بالشؤون الاقتصادية والإصلاح الإداري

أتمت مِصر في العام الجاري، حوالي خمسة عقود من التنمية والتعاون الدولي حديثًا بالتنسيق مع مختلف الشركاء والهيئات والمنظمات الدولية، وبهذه المناسبة أتناول شرح وتبسيط عِده نقاط، بداية من كيف بدأت جهود التنمية والتعاون الدولي في مصر؟ لماذا بدأت؟ ما هي أهدافها؟ هل حققت تلك الأهداف؟ واستعراض سريع لما تم تحقيقه من مستهدفات خطط التنمية في مصر، ثم أتطرق لتناول أهم التحديات التي - من وجهة نظري - تواجه منظمات وهيئات التنمية في مصر، والتي تُعيقها من تحقيق أي تقدم شامل ملموس.

لذا في هذا المقال أقدم تحليلًا حياديًا، وشرحًا مُبسطًا لغير المتخصصين عن قطاع التنمية في مصر، والتحديات التي تواجه جهود التنمية، ونصائح للعاملين بمجال التنمية لتلافي تلك التحديات، علمًا بأن المحتوي الوارد في هذا المقال لا يمثل أي جهة، إنما فقط يُمثل الرأي والتحليل الشخصي للكاتب.

من الحرب إلى السلام والتنمية - كيف بدأت الجهات المانحة ومنظمات وهيئات التعاون الدولي عملها في مصر؟

مُنذ منتصف القرن العشرين، ظهرت العديد من الصراعات والحروب في عِدة بلاد بمنطقة الشرق الأوسط، نتج عنها تزعزع استقرار المنطقة بشكلٍ كبيرٍ ما أثر بالسلب على الدول ذات التأثير والنفوذ بالمنطقة، وبشكل رئيسي على بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية.

وبعد سلسلة من الحروب الإقليمية، انتهت بانتصار مِصر في حرب السادس من أكتوبر عام 1973م، ثم توقيع معاهدة السلام "كامب ديفيد"، وهو ما قد شكل فرصة حقيقية لإرساء وترسيخ السلام بمنطقة الشرق الأوسط.

ومنذ هذه النقطة، أصبح ضمن أولويات الدول المتقدمة أن تُنشأ بعثات وهيئات وبرامج للتنمية والتعاون الدولي في دول الشرق الأوسط وخاصة الأردن ومصر، وذلك للحفاظ على مناطق النفوذ والتأثير الجيوسياسي لها، وللحفاظ على حالة السلام بالمنطقة من خلال توفير فرص تنمية حقيقية لتلك الدول (الدول النامية).

ومن هنا بدأ عصرًا جديدًا من بعثات وبرامج التنمية والتعاون الدولي، من خلال ضخ العديد من الاستثمارات من قبل الدول المتقدمة إلى الدول النامية، فعلى سبيل المثال: بدأت الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مصر عام 1978م، ومنذ ذلك التاريخ حتى الآن، ساهمت الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي، بمبلغ يقدر بـ2.1 مليار دولار سنويًا، تضمنت 1.3 مليار دولار معونة عسكرية، و 815 مليون دولار معونة اقتصادية.

وخلال الفترة من 1954م، وحتى 1991م، بدأت الوكالات الألمانية واليابانية والكورية وغيرهم، الكثير من وكالات التعاون الدولي والمنظمات غير الهادفة للربح من العمل في مصر، ويجدر أيضًا الإشارة إلى بعض الجهات المانحة والمنظمات غير الهادفة للربح، سبقت توقيع كامب ديفيد منذ عام 1975م.

الإنجازات الحقيقية والفجوة بين الأرقام والواقع

لكي نكون منصفين، ثمة إنجازات فعلية يصعب إنكارها، فقد قدّمت الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي، ما يقارب 5.7 مليار دولار بين عامي 1975م و2006م، وحسنت توصيل مياه الشرب لعدد كبير من المصريين.

كما ساهمت فى زيادة إنتاج مصر الكهربائي بمقدار عشرة أضعاف منذ انطلاق المشروعات عام 1975م، وزاد استهلاك الطاقة بنسبة 600%. (معهد واشنطون للسياسات).

كما سجل تقييم الأثر الأمريكي (تقرير قياس الأثر 2012 – 2017) تراجعًا في معدلات وفيات الأطفال والأمهات، وتحسنًا في القراءة في مراحل التعليم الأساسي، وزيادة في المهارات القابلة للتسويق في سوق العمل.

وفى القطاع الزراعي وحده، استثمرت الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي حوالي 1.4 مليار دولار منذ 1978م، ما أسهم في رفع عائدات الصادرات الزراعية بنسبة 1,500 بالمئة، فضلًا عن تمكين صغار المزارعين طبقًا للتقرير المنشور في "مشروع بورغن".

لكن الحساب لا يتوقف هنا، فهذه الأرقام تقدم في سياق 48 عامًا من العمل وعشرات المليارات من الدولارات، والسؤال المشروع هنا هو هل كانت النتائج تستحق حجم الاستثمار؟ وهل انعكست فعلًا على مستوى معيشة المواطن العادي؟ وما هو العائد على الاستثمار “ROI”؟

وتُقدِر الأستاذة الدكتورة عالية المهدي -أستاذة الاقتصاد المصرية وعميدة كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة سابقًا- أن نسبة الفقر الحالية قد تكون أعلى من الأرقام الرسمية البالغة 30%، إذ إن بحث ميزانية الأسرة الذي أجري عام 2022، قدر الفقر بنحو 32%، في حين أن الزيادات الحادة في الأسعار خلال عامي 2023 و2024، أدخلت شريحة جديدة واسعة من المواطنين ضمن دائرة الفقر.

كيف تُخطط وكالات ومنظمات التنمية لتداخلاتها؟

سابقًا، جرت العادة أن تعمل المنظمات الدولية وفق نماذج جاهزة ولدت في مكاتب واشنطن ولندن وبروكسل، ثم تُطبق في سياقات مختلفة تمامًا، ولكن المشكلة ليست دائمًا في النوايا، بل في الفهم، فهم طبيعة وخصوصية المجتمع واحتياجاته، وإدراك الجهات المانحة لفقه أولويات الأمور من منظور المجتمع.

على سبيل المثال تنمية تعليم في مجتمع يعاني من ضغط ديموغرافي هائل وبطالة هيكلية وغياب قطاع صناعي يمتص العمالة، هي تنمية تنتج خريجين بلا مستقبل.

ومع تطور قطاع التنمية، نمى شكل التخطيط لمشروعات التنمية، وأصبح من خلال ورش تصميم المشروعات والتداخلات التي تهدف إلى جذب المزيد من المِنح، وغالبًا ما تتم عملية التصميم بُناء على الأهداف الإستراتيجية للجهة المانحة، وبالتوافق مع تحليل احتياجات المجتمعات والفهم العميق للمنظمات غير الهادفة للربح لتلك المجتمعات.

إذًا، أين المشكلة؟ 

من وجهة نظري، في معظم الأحيان لا تؤتي مشروعات التنمية بثمارها بسبب خمس مشاكل رئيسية، غالبًا ما يقع بها الجهات العاملة بالتنمية وتتضمن:

عدم القدرة على التفرقة بين الاحتياجات السطحية والاحتياجات الحقيقية للمجتمعات

لا تستطيع بعض الوكالات ومنظمات التنمية، فِهم الاحتياجات الحقيقية العميقة للمجتمعات، وذلك غالبًا ما يكون ناتج عن فِهم سطحي لمشكلة ما، وهو ما يترتب عليه تصميم تداخلات سطحية لا تقدم حلًا جذريًا للمشكلة المستهدفة، على سبيل المثال: مشكلة انتشار الفقر في مجتمع ما.

وعادة ما تعمل مشروعات التنمية على تقديم منح مالية لأعضاء تلك المجتمعات الأكثر احتياجًا لإنشاء مشروعات تُدر دخلًا، ولكن من واقع قياس الأثر، تكررت ظاهرة أن تُغلق تلك الأنشطة والمشروعات، بعد انتهاء الدعم المالي، حيث إنها غير مستدامة وتفتقر إلي معايير الاستمرارية الرئيسية، إذ إن التداخلات قد تم تصميمها بشكلٍ يقدم لمشكلة الفقر بشكلٍ سطحي دون فهم عميق للمشكلة وجذورها. 

وعلى الجانب الأخر، يجب على الوكالة/المنظمة أن تقوم بعمل تحليل اقتصادي-اجتماعي جزئي للاحتياجات القطاعية الحقيقية للمجتمع، وأن تشجع الفئات المستهدفة، من خلال القيام ببدء مشروعات متناهيه الصغر في تلك القطاعات الرئيسية، التي تشكل احتياجًا على المستوي المحلي القاعدي، وتساهم في الاقتصاد الوطني، ما ينتج عليه تضاعف نسب احتمالية استمرارية واستدامة المشروع، وعادة ما تحتاج هذه العملية جهدًا ووقتًا أكبرَ وإشراك متخصصين لإجراء تلك الخطوات، وهو أحيانًا ما تفتقده جهات التنمية.

الابتكار في تصميم تداخلات التنمية والتمكين الاقتصادي

عادة ما تقوم جهات التنمية بتكرار نماذج المشروعات الناجحة “Copy-cat”، ومع التكرار الكثير بين المؤسسات وأحيانًا داخل المؤسسة الواحدة، مما ينتج عنه الافتقار إلى الإبداع ومقاومه أي مساحة للتغيير والتجديد، حيث أن التفكير الإبداعي يحتاج أن يتقبل الأفراد رغبة تحمل المخاطر وهو ما تقاومه أحيانًا فِرق عمل جهات التنمية بشكلٍ لا شعوري من واقع رغبتهم في تكرار التجارب الناجحة فقط، وذلك لضمان جذب التمويل.

ربط التداخلات من مستوى المجتمعات القاعدية بجهود التنمية على المستوى الوطني

القدرة على ربط تصميم المشروعات التنموية والتداخلات من مستوي المجتمعات القاعدية بجهود التنمية على المستوي الوطني، وهو ما يتحقق من خلال الاطلاع الدائم على خطط العمل الحكومية على المستوي المحلي/الوطني.

والاشتراك في حوار مع متخذي القرار على المستوي المحلي القاعدي وعلى المستوي الوطني، وذلك بهدف التنسيق مع الجهات الحكومية في تصميم المشروعات والتداخلات خلال المراحل المُبكرة، ما يضمن ربط تداخلات المشروعات مع مستهدفات التنمية على المستوي الوطني، والخطط الحكومية، والتأثير المجتمعي.

وهو أحيانًا ما لا تستطيع فعله جهات التنمية، حيث يجد بعضهم صعوبة في التواصل والتنسيق مع الجهات الحكومية، وذلك بسبب اختلاف الأيدولوجية الفكرية، حيث يفكر المسؤول الحكومي من وجهة نظر الأجندة الحكومية ومحدودية الموارد والأولويات الحكومية الإستراتيجية، بينما تفكر جهات التنمية في تنفيذ تداخلات منطقية سهله التنفيذ، دون كثير من التفاصيل التي قد تكون عبءً عليهم خلال فترة التنفيذ، نظرًا لصعوبة تنفيذها خاصة إذا كان القائمين عليها غير متخصصين.

إشراك القطاع الخاص

إشراك القطاع الخاص في تصميم المشروعات والتداخلات خلال ورش العمل التصميمية وخلال المراحل المُبكرة - قبل بدء المشروع - هو أمر بالغ الأهمية لبناء مشروعات تمكين اقتصادي واجتماعي لها علاقات نفعية فعالة بشركات القطاع الخاص، وتخلق حالة من الاستفادة المتبادلة وتحفز مختلف العمليات القطاعية صناعي وزراعي وتجاري وخدمي.

والربط بين الخطط التوسعية للقطاع الخاص وفرص التنمية كذلك من خلال خلق فرص عمل وتوسعات اقتصادية تخدم المجتمعات الأكثر احتياجًا، ولنا في نماذج "الوحدات الإنتاجية" و "التكتلات الاقتصادي" خير مثال، حيث إنه نجح بقوة في دعم صناعة العسل الأسود في نجع حمادي بقنا، وفي دعم صناعة الفخار في نقادة بقنا أيضًا.

المكون المهمل، الدعوة والتأثير

أن تغيير قانون أمر بالغ الصعوبة، ويحتاج أعوامًا وأعوامًا من العمل الشاق والمتخصص، ويحتاج سياسة نفسٍ طويل، وتواصل مستمر مع الجهات المعنية وهو أمر أحيانًا لا تُدركه جهات التنمية، حيث إنهم أحيانًا يستهدفون المكاسب السريعة، وتوزيع منح مالية، ومُعدات، وتدريبات، دعم فني.

ولكنهم لا يُدركون أهمية مكون الدعوة والتأثير، حيث يحتاج هذا المكون إلى سياسية النفس الطويل، وتنفيذ أوراق سياسات بحثية مع الجهات المتخصصة وتقديمها للجهات الحكومية والتشريعية المعنية، وخوض أعوام من الحِوار والدعوة من أجل التحسين.

ولكن للأسف نتيجة عدم وجود متخصصين مُمارسين في الدعوة والتأثير والسياسات العامة، تراجع وجود هذا المكون في مشروعات التنمية وتراجعت من وراؤه تحسينات كبيره هيكلية، ستضمن استدامة جهود التنمية.

ومن وجهة نظري فإن الدعوة والتأثير يعدان أحد أهم التداخلات بعيدة الأثر، حيث أن المساهمة في تحسين قرار تنفيذي كمبادرة حكومية أو قانون، ستضمن أثرًا مستدامًا بعيد المدي.

ولي تجربة شخصية في هذا الأمر، فخلال مشاركتي بعام 2019 في ورش عمل وجلسات حوارية خلال صياغة النموذج الأولي التشريعي لقانون 152/2020 "قانون تنمية المشروعات"، كانت هناك ملحمة حقيقية، ونقاشًا حقيقيًا ثريًا، تحولت بعض الاقتراحات من آراء الشباب خلالها إلى حروفٍ وكلمات نُشرت بالجريدة الرسمية ضمن متن القانون.

التحولات الأخيرة عالميًا وإقليميًا في قطاع التنمية:

جاء قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بتجميد المساعدات الخارجية في يناير 2025 بمثابة زلزال حقيقي، ففور انتخاب الرئيس الأمريكي، أصدر أمرًا تنفيذيًا جاء فيه أن "قطاع المساعدات الخارجية الأمريكية وبيروقراطيتها، لا تتوافق مع المصالح الأمريكية، وكثيرًا ما تتعارض مع القيم الأمريكية، وتعمل على زعزعة السلام العالمي، من خلال ترويج أفكار في دول أجنبية تتعارض مباشرة مع العلاقات المستقرة والمتناسقة".

وقلصت الإدارة الأمريكية القوى البشرية في الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي من 14 ألف موظف، إلى 294 فقط، وهو انخفاض يتجاوز 95%، كما تركت 78 موظفًا فقط في مكتب المساعدات الإنسانية، و21 للشرق الأوسط بأسره.

وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في فبراير 2025، إنهاء 5,800 عقد تابع للوكالة و4,100 منحة تابعة للوزارة حول العالم، ورغم أنه قد استثنت إدارة ترامب، التمويل العسكري لمصر البالغ 1.3 مليار دولار من قرار التجميد، غير أن إغلاق مشروعات أخرى أثر بالسلب على قطاعات مثل التعليم والاقتصاد والمناخ واللاجئين والصحة.

نظرة للأمام - المستقبل إلى أين؟

في ظل التحولات الدولية، مشهد التنمية في مصر يتشكل عند تقاطع قوى متعددة:

  • قوة أولى تتمثل في الفراغ الأمريكي، حيث لن تملأ جهات أخرى الفراغ الذي خلّفه انسحاب الوكالة الأمريكية للتعاون الدولي بسهولة، وفق شبكة القطاع الاجتماعي (SSN)، ترك إغلاق الوكالة "فجوات حتمية في جهود التنمية العالمية"، مع إمكانية أن يتصدى القطاع الخاص لملء بعضها، لكن ليس الكل.
  • قوة ثانية تتمثل التحول الصيني والخليجي، حيث مصر تتجه بشكل متصاعد نحو الشراكات مع دول الخليج والصين، وهذا النوع من التمويل يتميّز بغياب المشروطية المرتبطة بالحوكمة وحقوق الإنسان، ما يروق للحكومة لكنه يُفقد التنمية بُعدها البشري المتكامل، ويركز بشكلٍ رئيسي على المصالح السياسية - الاقتصادية.
  • قوة ثالثة تتمثل بالمنظمات الأوروبية كبديل مرحلي، وذلك مع تراجع الدور الأمريكي، حيث تُكثف ألمانيا (GIZ) والاتحاد الأوروبي وغيرها من الجهات حضورها وبرامجها، لا سيما في مجالات التحول إلى الاقتصاد الأخضر وريادة الأعمال وسوق العمل.
  • قوة رابعة تتمثل في البعد الإقليمي، حيث صراعات المنطقة (غزة، السودان، ليبيا) تعيد رسم الأولويات الدولية، وتتنافس على موارد شحيحة أصلًا، فمصر ستجد نفسها في منافسة على الاهتمام والتمويل مع أزمات أكثر حدة وأعلى صوتًا.

 

ما الذي يجب أن يتغير فعلاً؟

لن ينصلح تعثر بعض جهود التنمية في مصر بقرار من جهة مانحة، ولا بموجة مساعدات أجنبية جديدة، فالإصلاح الحقيقي يستلزم ثلاثة تحولات متزامنة:-

حلقة الوصل

أن يتحلى المصريون الوطنيون العاملون بجهات التنمية والجهات المانحة بحس المسؤولية والضمير تجاه عملهم، ومحاولة الوصول للأثر الحقيقي، وتقديم كل مجهود ممكن للابتكار والتجديد والحفاظ على الموارد والحرص على وصولها لمستحقيها بأفضل شكلٍ ممكنٍ ودون هدرٍ بتلك الموارد، مع المحاولات الجدية لتقديم حلولٍ جذرية للأسباب الخمسة المذكورة أعلاه (التحليل العميق وقياس الأثر، الابتكار والتجديد، ربط التداخلات القاعدية بالمستوي الوطني، إشراك القطاع الخاص، التركيز على الدعوة والتأثير وتحسين السياسات).

دعم نماذج التنمية الوطنية

يجب علينا جميعًا أيضًا التركيز على تقديم كافه سُبل الدعم للنماذج التنموية المحلية والواعدة، وهنا أخص بالذكر مؤسسة مِصر الخير التي قدمت نماذج تنموية مبتكرة ومستدامة سبقت عصرها، وتقدم جهودًا لنقل تلك الخبرات للجمعيات الأهلية الأخرى.

كما أخص بالذكر مؤسسة صناع الحياة التي قامت على مبادئ التطوع، ونمت بشكلٍ كبير وأصبحت الآن تشكل رقمًا هامًا في مجتمع التنمية، كما أخص بالذكر المجتهدة هبة راشد، ومؤسسة مرسال، والتي قدمت نموذجًا سبق عصره، في حشد الموارد والوصول لكل منزل في مصر بشكل مختلف، ومؤسسات أخرى كثيرة يقع على عاتقًا دعمها لتنمو وتمتلك الأدوات، لتحسين بيئة العمل الأهلي وتقديم خدمات تليق بالمجتمعات المصرية.

المشكلة الأعمق في مشهد التنمية المصري، ليست غياب الأموال ولا ضعف التقنيات ولا انعدام الخبرات، وإنما في غياب ثقافة المحاسبة والمسؤولية.

الحقيقة التي يجب قولها صراحة أن مصر لا تحتاج المزيد من البرامج التنموية المشروطة سياسيًا، ولا إلى تقارير تحفل بمؤشرات ناجحة على الورق، ولكننا نحتاج إلى إجابة صادقة على سؤال واحد: كيف يمكن لدولة بهذا الحجم وهذا الثقل الحضاري والجغرافي، أن تبني تنمية تصنعها هي بأيادي أبنائها، لا تنمية تنتعش بأموال الجهات المانحة وتتعثر بانسحابهم؟

هذا السؤال الذي يجب أن نفكر فيه جميعًا: كيف يمكننا أن نقدم نماذج تنموية ناجحة، بقيادة محلية، قابلة لتمثيل الاحتياجات الحقيقية العميقة للمجتمعات، وقادرة على تحقيق أثر يصل من القاهرة إلى أصغر قرية بصعيد مصر.

Short Url

search