الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

06:15 م

الدكتور علي الدكروري يكتب.. التضخم والإنتاج.. المعركة التي تُحسم من داخل المصنع

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 04:56 م

 علي الدكروري

علي الدكروري

علي الدكروري

عندما نتحدث عن التضخم وارتفاع الأسعار، يتجه التفكير عادةً إلى أسعار الفائدة وقرارات البنك المركزي وحركة الأسواق. وهذه أدوات أساسية للحفاظ على استقرار الاقتصاد، لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وأراه من أهم مفاتيح المرحلة المقبلة: أن ننتج أكثر، وبكفاءة أعلى، داخل مصر.

فكل سلعة ننجح في إنتاجها محليًا بجودة وتكلفة مناسبة، وكل جزء نستطيع تصنيعه داخل مصر بدلًا من استيراده، وكل مصنع يستطيع إنتاج كمية أكبر باستخدام موارده بكفاءة، يضيف قوة حقيقية للاقتصاد ويساعد على استقرار الأسعار.

ومن هنا، فإن المصنع ليس فقط مكانًا للإنتاج وتوفير الوظائف والتصدير، بل يمكن أن يكون أيضًا أحد أهم خطوط الدفاع عن استقرار الأسعار.

زيادة الإنتاج تعني سوقًا أكثر استقرارًا

نجحت السياسات الاقتصادية خلال الفترة الماضية في التعامل مع موجات تضخم جاءت وسط ظروف دولية وإقليمية شديدة التعقيد، بينما تشير أحدث بيانات البنك المركزي إلى بقاء التضخم عند مستويات أقل كثيرًا من الذروة التي شهدها الاقتصاد خلال السنوات السابقة.

وهذه قاعدة مهمة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة من خلال زيادة الإنتاج والمعروض من السلع.

الفكرة بسيطة: عندما يزيد الطلب على سلعة بينما تظل الكمية المتاحة منها محدودة، يرتفع سعرها. أما عندما نستطيع زيادة الإنتاج وتوفير بدائل متعددة وتعزيز المنافسة، تصبح السوق أكثر قدرة على تلبية احتياجات المستهلك والحفاظ على استقرار الأسعار.

ولهذا فإن زيادة الإنتاج ليست قضية تخص المصانع وحدها، بل تمس حياة كل مواطن، فكلما صنعنا أكثر في مصر أصبحنا أقوى.

ومن الاتجاهات المهمة التي تعمل عليها الدولة حاليًا تعميق التصنيع المحلي وجذب الشركات العالمية للتصنيع داخل مصر، إلى جانب نقل التكنولوجيا والخبرات الحديثة.

وخلال الفترة الأخيرة شهدنا تحركات لجذب شركات دولية جديدة للتصنيع في مصر، إلى جانب طرح تراخيص لإقامة مشروعات تزيد إنتاج بعض الخامات الأساسية التي تحتاجها الصناعة المصرية، والأهمية هنا لا تتوقف عند إنشاء مصنع جديد.

فعندما نستطيع تصنيع نسبة أكبر من الأجزاء والمواد التي تحتاجها المصانع داخل مصر، نقلل احتياجنا للاستيراد، ونخفض تأثر تكلفة المنتج بتقلب أسعار الشحن والعملات والاضطرابات التي قد تحدث في الأسواق العالمية.

ولا يعني ذلك أن نصنع كل شيء داخل مصر، فالعالم كله يقوم على التجارة وتبادل السلع. وإنما المطلوب هو تحديد المنتجات والمكونات التي نستطيع تصنيعها بكفاءة، ولدينا فيها ميزة تنافسية، ثم بناء صناعات قوية حولها.

والمصنع الكبير يصنع مصانع أصغر حوله، وقوة الصناعة لا تقاس فقط بعدد المصانع الكبرى.

فمصنع السيارات يحتاج إلى شركات تنتج له الأسلاك والمقاعد والزجاج والأجزاء المختلفة. ومصنع الأغذية يحتاج إلى شركات للتعبئة والتغليف والنقل والتبريد. ومصنع الدواء يحتاج إلى العبوات والمواد والخدمات التي تساعده على إنتاج الدواء وتوصيله إلى الأسواق.

وهكذا يمكن لمصنع كبير واحد أن يخلق حوله عشرات المشروعات الصغيرة والمتوسطة ويوفر آلاف فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.

وكلما استطعنا تصنيع هذه الاحتياجات داخل مصر، بقي جزء أكبر من قيمة المنتج داخل الاقتصاد، وانخفض الاعتماد على الاستيراد، وزادت قدرتنا على التصدير.

وبذلك يستطيع الاستثمار الصناعي أن يحقق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه: زيادة الإنتاج، وتوفير النقد الأجنبي، وخلق فرص العمل.

والتكنولوجيا تخفض التكلفة دون أن تخفض الجودة، فهناك أيضًا عامل مهم جدًا في معادلة الأسعار، وهو قدرة المصنع على إنتاج كمية أكبر بالجودة نفسها وباستخدام موارده بكفاءة أفضل.

وهذا ما يقصده الاقتصاديون عندما يتحدثون عن زيادة الإنتاجية، فخفض تكلفة المنتج لا يعني تخفيض الأجور أو استخدام مواد أقل جودة. يمكن تحقيق ذلك من خلال استخدام التكنولوجيا والآلات الحديثة، وتدريب العمال، وتقليل الهدر، وترشيد استهلاك الطاقة، وتحسين النقل والتخزين.

وإذا استطاع مصنع أن ينتج في يوم واحد ما كان يحتاج سابقًا إلى يومين لإنتاجه، وبالجودة نفسها، فإنه يستطيع خفض تكلفة كل وحدة وتحسين قدرته على المنافسة، ولهذا فإن نقل التكنولوجيا وتدريب العمالة المصرية يمثلان جزءًا مهمًا من مستقبل الصناعة، وليس مجرد تحديث للآلات.

كما أن استقرار الأسعار وزيادة الإنتاج يكمل أحدهما الآخر، وإجراءات البنك المركزي تساعد على استقرار الأسعار وتنظيم حركة الأموال في السوق، بينما تساعد الصناعة والاستثمارات الجديدة على زيادة كمية السلع التي ينتجها الاقتصاد، وعندما يتحرك المساران معًا، تصبح مواجهة التضخم أكثر قوة واستدامة.

فالهدف ليس فقط التعامل مع ارتفاع الأسعار عندما يحدث، وإنما بناء اقتصاد أكثر قدرة على توفير احتياجاته، والتعامل مع الأزمات الخارجية، والمنافسة في الأسواق العالمية، ومصر تمتلك اليوم قاعدة قوية للبناء عليها، من شبكة الطرق والموانئ والمناطق الصناعية والطاقة، إلى سوق محلية كبيرة وموقع جغرافي متميز واتفاقيات تجارية تفتح أبواب أسواق عديدة أمام المنتج المصري.

والفرصة الآن هي تحويل هذه المقومات بصورة متزايدة إلى منتجات تحمل عبارة «صنع في مصر»، سواء للمواطن المصري أو للمستهلك في الأسواق العالمية.

خلاصة الدكروري

أقوى مواجهة طويلة الأجل مع التضخم تبدأ عندما ننتج أكثر وبكفاءة أعلى. فكل مصنع جديد، وكل جزء نستطيع تصنيعه داخل مصر بدلًا من استيراده، وكل تطور في التكنولوجيا والإنتاج، لا يضيف فقط إلى الاقتصاد والصادرات وفرص العمل، بل يساعد أيضًا على بناء سوق أكثر وفرة واستقرارًا.

فالطريق إلى استقرار الأسعار لا يمر فقط من البنك.. بل يمر أيضًا من المصنع.

الدكتور علي الدكروري
رائد أعمال ومستشار استراتيجي بخبرة دولية في الاستثمار والتنمية الاقتصادية

Short Url

search