السبت، 08 أغسطس 2026

11:29 م

رقية الأشرم تكتب: الصين بتعملها إزاي؟

السبت، 08 أغسطس 2026 08:53 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

كل يوم تثبت الصين أن الحروب الاقتصادية لا تُحسم بالصواريخ، وإنما بالمصانع، وسلاسل الإمداد، والتكنولوجيا، والقدرة على تحويل الأزمات إلى فرص.
عندما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية واسعة على الصادرات الصينية في عام 2025، توقع كثيرون أن يتباطأ الاقتصاد الصيني وأن يفقد مكانته كمصنع العالم، لكن ما حدث كان مختلفاً تماماً، لم تدخل بكين في حالة دفاع، بل أعادت رسم خريطة تجارتها، ووسعت صادراتها إلى أسواق جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وأثبتت أن الاقتصاد المرن لا يبحث عن باب واحد للخروج، بل يصنع أبواباً جديدة.

الصين لم تكتفِ بتصدير السلع، بل بدأت تصدر النظام الاقتصادي نفسه، توسعت في استخدام اليوان في التجارة الدولية، وعززت أنظمة المدفوعات البديلة خارج الهيمنة التقليدية للدولار، مع شركاء من دول البريكس وغيرها، صحيح أن الدولار لا يزال العملة المهيمنة عالمياً، لكن الصين تخوض معركة طويلة النفس لتقليل الاعتماد عليه، خطوة بعد أخرى، وصفقة بعد أخرى، حتى يصبح اليوان لاعباً رئيسياً في التجارة العالمية.
لكن المعركة الحقيقية لا تدور في البنوك... بل في المصانع.
هنا يظهر النموذج الصيني الأكثر إثارة، فالشركات الصينية، وعلى رأسها شركة BYD، لا ترى نفسها مجرد شركة سيارات كهربائية، بل منصة صناعية عملاقة، نفس خطوط الإنتاج التي تصنع السيارات اليوم، يمكن أن تتحول إلى مصانع لإنتاج الروبوتات البشرية غداً، البطاريات، والمحركات الكهربائية، وأجهزة الاستشعار، وسلاسل التوريد، كلها موجودة بالفعل، وهو ما يمنح الصين ميزة يصعب على المنافسين مجاراتها في خفض التكلفة.
إذا نجحت الصين في إنتاج روبوت بشري بسعر يقترب من 15 ألف دولار، فإن العالم لن يكون أمام منتج جديد، بل أمام ثورة صناعية جديدة بالكامل.
تخيل مصنعاً يعمل فيه الروبوت نهاراً في خطوط الإنتاج، ثم يتولى ليلاً أعمال التنظيف، والفحص، والتجهيز لوردية اليوم التالي، إنتاجية لا تعرف الإجازات، ولا الإرهاق، ولا نقص العمالة.
وهنا يبدأ السؤال الأصعب: ماذا سيحدث لسوق العمل؟، لن يكون التحدي في صناعة الروبوتات فقط، بل في إعادة تعريف الوظائف نفسها.

 النقل، والخدمات، والتصنيع، واللوجستيات، وحتى التأمين، كلها قطاعات ستضطر إلى إعادة بناء نماذج أعمالها في عالم أصبحت فيه الآلة زميلاً للعامل، وربما بديلاً عنه في كثير من المهام.
وفي الوقت نفسه، تضخ الصين استثمارات ضخمة في نماذج الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والحوسبة الطرفية التي تقلل الاعتماد على الاتصال الدائم بالإنترنت في كثير من التطبيقات، إنها لا تطور منتجاً واحداً، بل تبني منظومة تكنولوجية متكاملة، من الرقائق إلى البرمجيات، ومن المصانع إلى الأسواق.
الصين لا تغزو العالم بالدبابات، بل تغزوه بالتكلفة الأقل، والإنتاج الأسرع، والتكنولوجيا الأكثر انتشاراً.
قد يختلف العالم مع سياسات بكين، وقد ينافسها، لكنه لم يعد يستطيع تجاهلها.
ولذلك يبقى السؤال الذي يفرض نفسه كل صباح: يا الصين... بتعمليها إزاي؟.

Short Url

search