الأحد، 02 أغسطس 2026

11:02 م

رقية الأشرم تكتب: ميناء دمياط.. الدروس المستفادة ورسالة للمستقبل

الأحد، 02 أغسطس 2026 09:28 م

رقية الأشرم

رقية الأشرم

 لم تعد الحروب في القرن الحادي والعشرين تبدأ بإطلاق الجيوش ولا تنتهي باحتلال الأراضي، بل أصبحت تُدار باستهداف الاقتصاد قبل الإنسان، وسلاسل الإمداد قبل ميادين القتال، والموانئ قبل الثكنات العسكرية، ولهذا، فإن ما شهده محيط ميناء دمياط من حادث يتعلق بمسيّرتين لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد واقعة أمنية معزولة، بل باعتباره حدثًا يستحق قراءة أعمق في سياق التحولات التي تشهدها طبيعة الصراعات الحديثة.
وحتى تكشف التحقيقات الرسمية جميع ملابسات الواقعة، يبقى من المشروع طرح الأسئلة وقراءة الدلالات الاستراتيجية التي يفرضها اختيار المكان والتوقيت.
فميناء دمياط ليس ميناءً عاديًا على ساحل البحر المتوسط، بل يعد أحد أهم المراكز اللوجستية في مصر، فهو يرتبط بشبكة الطرق والمحاور والكباري التي تنقل البضائع إلى مختلف أنحاء الجمهورية، كما يمثل ركيزة أساسية في منظومة تداول وتخزين الحبوب والغلال، بما يجعله جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الغذائي المصري.
ولا تتوقف أهمية دمياط عند هذا الحد، بل أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم مراكز الطاقة في شرق البحر المتوسط، فالميناء ومنشآته المرتبطة به يؤديان دورًا مهمًا في حركة تصدير الغاز الطبيعي المسال، بما يجعله جزءًا من منظومة إمدادات الطاقة المتجهة إلى الأسواق الأوروبية والعالمية، خاصة في ظل التحولات التي يشهدها سوق الطاقة العالمي.

 ومن ثم، فإن أي تهديد يقترب من هذه المنطقة لا يمس الاقتصاد المصري وحده، بل يطال شبكة أوسع ترتبط بأمن الطاقة والتجارة الدولية،
وهنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا دمياط؟ ولماذا في هذا التوقيت؟.

قد تكون الإجابة أن الموقع، إذا كان اختياره مقصودًا، يحمل رسالة تتجاوز استهداف منشأة بعينها، إلى محاولة إظهار أن الموانئ، ومراكز الطاقة، وصوامع الغلال، وسلاسل الإمداد، أصبحت جميعها أهدافًا محتملة في الحروب الحديثة، فاليوم لم يعد الضغط على الدول يتم فقط عبر المواجهات العسكرية المباشرة، وإنما أيضًا عبر تهديد اقتصادها وإثارة القلق حول أمن غذائها وطاقة شعبها.
وفي تقديري، فإن الرسالة الأبرز – إن صح هذا التحليل – لم تكن موجهة إلى دمياط وحدها، بل إلى الدولة المصرية، رسالة مفادها أن موقع مصر الاستراتيجي، ودورها في الإقليم، ومساعيها المستمرة لخفض التصعيد والدفع نحو التهدئة، لا تعني أنها بمنأى عن ضغوط الصراعات الدائرة من حولها، وأن استقرارها الاقتصادي قد يكون هو الهدف الأكثر تأثيرًا.
لقد تغيرت طبيعة الحروب، فبدلًا من استهداف الجيوش، أصبحت تُستهدف الموانئ، وخطوط الملاحة، ومنشآت الطاقة، ومراكز التخزين، لأن من يربك هذه المنظومة يستطيع أن يؤثر في الأسواق، ويرفع تكلفة التجارة، ويهدد الأمن الغذائي، ويخلق حالة من القلق الاقتصادي دون أن يطلق حربًا شاملة.
وفي المقابل، أثبتت سرعة استجابة أجهزة الدولة، وفي مقدمتها رجال الحماية المدنية، ووحدات الإنقاذ، وسائر الجهات المختصة، أن حماية المنشآت الاستراتيجية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حماية الأمن القومي، فقد تعاملت هذه الأجهزة بكفاءة واحترافية، وأسهمت في احتواء الموقف والحفاظ على الأرواح والمنشآت، وهو ما يستحق كل التقدير.
إن العالم اليوم يعيش مرحلة جديدة تُعرف بالحرب الهجينة، حيث تتداخل الأدوات العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والتكنولوجية والإعلامية. وفي هذا النوع من الصراعات، تصبح الموانئ، ومراكز الطاقة، والبنية التحتية، أهدافًا ذات قيمة استراتيجية لا تقل أهمية عن القواعد العسكرية.
ولذلك، فإن دمياط ليست مجرد مدينة ساحلية، وليست مجرد ميناء تجاري، بل هي نقطة ارتكاز في منظومة الأمن القومي المصري. فهي بوابة للتجارة، وركيزة للأمن الغذائي، وحلقة مهمة في منظومة الطاقة، وعقدة لوجستية تربط الداخل المصري بالأسواق العالمية.
قد تكشف التحقيقات الرسمية تفاصيل جديدة بشأن الواقعة، لكن الدرس الذي لا يختلف عليه اثنان هو أن حماية الموانئ المصرية لم تعد مسؤولية أمنية فحسب، بل أصبحت دفاعًا عن الاقتصاد، والغذاء، والطاقة، والاستثمار، واستقرار الدولة بأكملها.
ففي عالم اليوم، لم يعد من يهدد الموانئ يهدد الأرصفة والسفن فقط، بل يهدد لقمة العيش، واستقرار الأسواق، وثقة المستثمرين، ومستقبل الاقتصاد، ومن هنا، فإن حماية دمياط، والإسكندرية، والعين السخنة، وسائر الموانئ المصرية، ليست حماية لمنشآت، وإنما حماية لمستقبل وطن يدرك أن معارك هذا العصر تُخاض بالاقتصاد بقدر ما تُخاض بالسلاح.

Short Url

search