السبت، 01 أغسطس 2026

04:07 م

نجلاء أحمد تكتب: العمل عن بُعد وتقليص أيام العمل.. بين ثقافة الاجازات وتحديات الانجازات

السبت، 01 أغسطس 2026 12:56 م

نجلاء أحمد - باحثة في الإعلام السكاني والدراسات الديموجرافية

نجلاء أحمد - باحثة في الإعلام السكاني والدراسات الديموجرافية

أعاد قرار رئيس مجلس الوزراء، بمد تطبيق نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع لبعض الفئات المستحقة، في ظل الظروف الاستثنائية، الجدل حول مستقبل بيئة العمل الحكومية ومدى قدرة هذا النظام على تحقيق التوازن بين كفاءة الأداء ومرونة العمل. ومع تكرار صدور قرار المد، أصبح كثير من العاملين يترقبون الإعلان عنه مع مطلع كل شهر، باعتباره يمنحهم يومًا إضافيًا من العمل خارج مقر الوظيفة. 

وبينما يمثل العمل عن بُعد أحد أبرز أدوات الإدارة الحديثة، فقد أفرز أيضًا نقاشًا واسعًا حول ثقافة العمل، إذ يرى البعض في تمديد القرار فرصة لتعزيز المرونة ورفع الإنتاجية، في حين يتعامل معه آخرون باعتباره وسيلة لتقليل أعباء الحضور، الأمر الذي يفرض ضرورة ربط العمل عن بُعد بمؤشرات واضحة لقياس الأداء والإنجاز، حتى يحقق أهدافه في تطوير الإدارة الحكومية دون التأثير في جودة الخدمات أو كفاءة الأداء.

ولا يختلف اثنان على أن العمل عن بُعد أصبح واقعًا عالميًا فرضته التكنولوجيا، وأثبت نجاحه في العديد من الدول، خاصة في الوظائف التي تعتمد على المعرفة والتقنيات الرقمية. فهو يسهم في خفض تكاليف التشغيل، وتقليل الازدحام المروري، وترشيد استهلاك الطاقة، وتحقيق قدر أكبر من المرونة، فضلًا عن تحسين التوازن بين الحياة المهنية والأسرية. إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بوجود ثقافة مؤسسية تجعل الإنجاز هو معيار التقييم، وليس مجرد الحضور إلى مقر العمل.

وعند النظر إلى منظومة العمل الحكومية في مصر، نجد أن الموظف يحصل بالفعل على عدد كبير من أيام الإجازات على مدار العام. فهناك 104 أيام عطلات أسبوعية تمثل يومي الجمعة والسبت، بالإضافة إلى ما يقرب من 17 إلى 20 يومًا من الإجازات الرسمية سنويًا، فضلًا عن 21 إلى 30 يومًا من الإجازات الاعتيادية وفقًا لمدة الخدمة، إلى جانب الإجازات العارضة والمرضية وغيرها من الإجازات التي ينظمها القانون، وبذلك قد يصل إجمالي أيام الإجازات إلى 145–155 يومًا سنويًا، أي ما يقارب 40% من أيام السنة، بينما يبلغ متوسط أيام العمل الفعلية نحو 210 إلى 220 يومًا فقط.

وعلى المستوى الشهري، يعمل الموظف في المتوسط ما بين 21 و22 يومًا، مقابل نحو 8 إلى 9 أيام إجازة تشمل العطلات الأسبوعية، بخلاف ما قد يتخلل الشهر من إجازات رسمية، وهذه الأرقام تؤكد أن النقاش لا ينبغي أن يتركز حول زيادة الإجازات أو تقليل أيام العمل، بقدر ما ينبغي أن ينصب على كيفية تعظيم الاستفادة من أيام العمل الفعلية، ورفع إنتاجية الموظف خلال ساعات العمل.

ومن منظور ديموجرافي، تعكس المطالبات المتزايدة بتقليص أيام العمل تغيرًا في ثقافة الأجيال الجديدة، التي تمنح أولوية أكبر للمرونة وجودة الحياة. إلا أن هذا التحول لا ينبغي أن يأتي على حساب الإنتاجية أو جودة الخدمات العامة، خاصة في ظل ما تشهده الدولة من مشروعات تنموية وإصلاحات إدارية تتطلب جهازًا إداريًا أكثر كفاءة واستجابة.

كما تكشف المناقشات عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن بعض العاملين أصبحوا ينظرون إلى أي قرار يمنح مزيدًا من المرونة باعتباره فرصة للحصول على مزيد من الراحة، وليس فرصة لتطوير أساليب العمل، ورغم أن هذا الانطباع لا ينطبق على جميع الموظفين، إذ يواصل آلاف العاملين أداء مهامهم بكفاءة وإخلاص سواء من مقار العمل أو عن بُعد، فإن وجود هذه الثقافة لدى بعض الفئات يفرض على المؤسسات إعادة النظر في أساليب المتابعة والتقييم.

إن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في تطبيق نظام العمل عن بُعد أو تقليص أسبوع العمل لم تعتمد على تقليل ساعات العمل فحسب، بل على تطوير منظومات رقمية دقيقة لقياس الأداء، وربط الحوافز والترقيات بمعدلات الإنجاز وجودة المخرجات، لا بعدد ساعات التواجد داخل المكتب.

ومن ثم، فإن التحدي الحقيقي أمام مؤسسات الدولة ليس في عدد أيام العمل أو مكان أداء المهام، وإنما في ترسيخ ثقافة الإنجاز والمساءلة، فالموظف الذي يدرك أن تقييمه يعتمد على ما يحققه من نتائج سيظل منتجًا سواء كان في مكتبه أو في منزله، بينما لن تؤدي زيادة الحضور وحدها إلى رفع الإنتاجية إذا غابت الرقابة الفعالة ومعايير قياس الأداء.

إن العمل عن بُعد يمثل فرصة حقيقية لتحديث الإدارة الحكومية، لكنه لن يحقق أهدافه إلا إذا صاحبه تحول ثقافي يرسخ قيمة العمل والإنتاج، ويجعل الحقوق مقرونة بالواجبات، ويؤكد أن التنمية لا تُقاس بعدد أيام الحضور، وإنما بحجم ما ينجزه العاملون من قيمة مضافة للمواطن والوطن.

Short Url

search