من الزراعة إلى التصنيع.. كيف تعيد "القرية المنتجة" هيكلة الاقتصاد الريفي؟
الخميس، 30 يوليو 2026 03:19 م
مبادرة القرية المنتجة- أرشيفية
عزة الراوي
أكد الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، أن مبادرة "القرية المنتجة" إذا تم تنفيذها وفق رؤية اقتصادية متكاملة، فإنها قد تصبح أحد أهم مشروعات التحول الاقتصادي في الريف المصري خلال العقد المقبل، لأنها لا تقتصر على تحسين مستوى المعيشة، بل تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الريفي من اقتصاد يعتمد على بيع المواد الخام إلى اقتصاد قائم على الإنتاج والتصنيع والقيمة المضافة.
مبادرة القرية المنتجة
وأضاف "السيد" في تصريحات لـ"إيجي إن"، أن الفكرة الأساسية للمبادرة تتمثل في استثمار ما تم إنجازه ضمن مبادرة "حياة كريمة" من بنية تحتية وشبكات طرق ومرافق، وتحويل هذه الاستثمارات إلى محركات للنمو الاقتصادي عبر إنشاء أنشطة إنتاجية وصناعية تتناسب مع الميزة النسبية لكل قرية؛ فبدلًا من وجود نموذج واحد لجميع القرى، يتم تخصيص نشاط اقتصادي لكل منطقة وفق مواردها الطبيعية والبشرية، مثل: الصناعات الغذائية، تجفيف الحاصلات الزراعية، الألبان، المنسوجات، الأثاث، السجاد اليدوي، النباتات الطبية والعطرية، أو الصناعات المرتبطة بالثروة الحيوانية.
وتابع: "كما أن هذه المبادرة تمثل فرصة لزيادة مساهمة الاقتصاد الريفي في الناتج المحلي الإجمالي، خاصة أن نحو 57% من سكان مصر يعيشون في الريف، بينما لا تزال مساهمة الصناعات الريفية في الاقتصاد أقل من إمكاناتها الفعلية، كما أن رفع القيمة المضافة للمنتجات الزراعية من خلال التصنيع يمكن أن يضاعف عائد المزارع مقارنة ببيع المحاصيل في صورتها الخام، ويقلل الفاقد الزراعي الذي يُقدَّر في بعض المحاصيل بنسبة تتراوح بين 15% و30% نتيجة ضعف عمليات التخزين والتصنيع".
فرص عمل مستدامة داخل القرى
وأوضح مدير مركز القاهرة للدراسات أن من أهم الآثار الاقتصادية المتوقعة أيضًا خلق فرص عمل مستدامة داخل القرى، بما يحد من الهجرة الداخلية إلى المدن ويخفف الضغوط على الخدمات الحضرية، فالمشروعات الصغيرة والمتوسطة تعد الأكثر قدرة على توليد الوظائف، إذ تشير تقديرات دولية إلى أنها تمثل أكثر من 90% من إجمالي الشركات وتوفر نحو 70% من فرص العمل في العديد من الاقتصادات، وبالتالي فإن نشر هذه المشروعات داخل الريف يمكن أن يرفع معدلات التشغيل، خاصة بين الشباب والمرأة.

كما تمثل المبادرة دعمًا مباشرًا لزيادة الصادرات المصرية، إذ إن تصنيع المنتجات الزراعية بدلاً من تصديرها خامًا يرفع قيمتها ويزيد قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، وهو ما يتوافق مع استراتيجية الدولة لتعزيز الصادرات الصناعية والغذائية وزيادة موارد النقد الأجنبي.
كذلك تسهم المبادرة في تحقيق تنمية أكثر توازنًا بين المحافظات، إذ إن تركيز النشاط الاقتصادي داخل الريف يقلل الفجوة التنموية ويعزز العدالة المكانية، كما يرفع دخول الأسر الريفية ويحسن مستويات المعيشة، وهو ما ينعكس إيجابًا على معدلات الاستهلاك والاستثمار المحلي.
شروط نجاح المبادرة
وأكد "السيد" أنه رغم أهمية المبادرة، فإن نجاحها يتوقف على مواجهة عدد من التحديات الرئيسية، أولها ضرورة اختيار النشاط الاقتصادي المناسب لكل قرية بناءً على دراسات سوق حقيقية وليست وفق اعتبارات إدارية، لأن إنتاج سلع لا يوجد عليها طلب سيؤدي إلى تعثر المشروعات.
كما يمثل التمويل أحد أكبر التحديات، فالكثير من المشروعات الريفية تواجه صعوبة في الحصول على التمويل أو الضمانات البنكية، ما يستلزم توفير برامج تمويل ميسرة بفوائد منخفضة، مع ربطها بخطط إنتاج وتسويق واضحة.
ويبرز أيضًا تحدي التسويق، إذ إن نجاح أي مشروع إنتاجي لا يُقاس بقدرته على التصنيع فقط، وإنما بقدرته على الوصول إلى الأسواق المحلية والخارجية. لذلك ينبغي إنشاء منظومة متكاملة للتسويق تشمل التجارة الإلكترونية، المعارض الدائمة، وسلاسل التوريد الحديثة، وربط المنتجين بكبار المشترين والمصدرين.
ولا يقل التدريب الفني والإداري أهمية عن التمويل، فنجاح المشروعات الصغيرة يعتمد على رفع مهارات أصحابها في الإنتاج والإدارة والجودة والتسويق والتحول الرقمي، وهو ما يتطلب شراكة فعالة بين الجامعات والمراكز البحثية ومراكز التدريب والقطاع الخاص، ومن التحديات أيضًا ضرورة الالتزام بمعايير الجودة والمواصفات القياسية، خاصة في الصناعات الغذائية، حتى تتمكن المنتجات من المنافسة محليًا والتصدير خارجيًا.
تشجيع إنشاء التعاونيات الإنتاجي
ولضمان استدامة المبادرة، شدد الدكتور عبد المنعم السيد على أنه ينبغي ربطها بسلاسل القيمة الكاملة، بحيث لا يقتصر دور القرية على الإنتاج فقط، بل يمتد إلى التعبئة والتغليف والتخزين والنقل والتسويق والتصدير، مع تشجيع إنشاء التعاونيات الإنتاجية التي تمنح المشروعات الصغيرة قوة تفاوضية أكبر وتخفض تكاليف الإنتاج.
تمثل مبادرة "القرية المنتجة" تحولًا من سياسة الدعم إلى سياسة التمكين الاقتصادي، ومن التنمية الخدمية إلى التنمية الإنتاجية. وإذا نجحت الدولة في توفير التمويل والتدريب والتسويق، وربط كل قرية بميزة تنافسية واضحة وسوق مستهدف، فإن الريف المصري يمكن أن يتحول إلى قاعدة إنتاجية متكاملة تدعم النمو الاقتصادي، وتزيد الصادرات، وتوفر مئات الآلاف من فرص العمل، وتسهم في تحقيق تنمية مستدامة وشاملة تتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030.
اقرأ أيضًا:
«المثلث الذهبي» يوقع عقد تنمية 6 ملايين متر بسفاجا مع "السويدي" لإقامة منطقة صناعية
«ماريزاد» تؤسس أكاديمية لتأهيل كوادر سوق الطاقة الشمسية في مصر
Short Url
جهاز حماية المنافسة يوافق على 6 صفقات استحواذ ضمن فحص التركزات الاقتصادية
30 يوليو 2026 02:42 م
«المثلث الذهبي» يوقع عقد تنمية 6 ملايين متر بسفاجا مع "السويدي" لإقامة منطقة صناعية
30 يوليو 2026 12:47 م
نائب رئيس الوزراء: الشركة القابضة للصناعات للمعدنية ركيزة أساسية للصناعة المصرية
30 يوليو 2026 01:28 م
أكثر الكلمات انتشاراً