الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026

05:05 ص

هل تفتح الطاقة الشمسية بابًا جديدًا لصناعة الأغذية المجففة؟

الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 04:00 ص

التجفيف الشمسي

التجفيف الشمسي

مي المرسي

في موسم الحصاد، قد يتحول وفرة المحصول إلى مشكلة للمزارع بدلًا من أن تكون فرصة للربح. انخفاض الأسعار مع زيادة المعروض، وصعوبة التخزين، وسرعة تلف بعض الخضروات والفواكه، كلها عوامل تجعل جزءًا من الإنتاج يفقد قيمته قبل وصوله إلى المستهلك، لكن ما يبدو «فائضًا» يمكن أن يتحول إلى منتج جديد ذي قيمة مضافة من خلال التجفيف وحفظ الأغذية بالطاقة الشمسية.

الفكرة لم تعد تقتصر على نشر المحاصيل تحت أشعة الشمس كما يحدث في الطرق التقليدية، وإنما تطورت إلى وحدات تجفيف مصممة للتحكم في الحرارة وحركة الهواء والرطوبة، بما يسمح بإنتاج أغذية مجففة أكثر انتظامًا وجودة، مع الاستفادة من مصدر طاقة متجدد.

وهنا تتقاطع صناعة الأغذية المجففة بالطاقة الشمسية مع ثلاثة ملفات اقتصادية في وقت واحد: تقليل الفاقد الزراعي، خفض استهلاك الطاقة التقليدية، وزيادة القيمة المضافة للمحاصيل قبل بيعها في الأسواق المحلية أو تصديرها.

الطماطم.. نموذج مصري يحول الفاقد إلى فرصة

تقدم الطماطم المجففة نموذجًا واضحًا لإمكانية تحويل المحصول سريع التلف إلى منتج قابل للتخزين والتسويق لفترة أطول، وفي مصر، نفذت منظمة الأغذية والزراعة «الفاو» نموذجًا لوحدة لتجفيف الطماطم في النوبارية، بهدف الحد من فاقد المحصول وإضافة قيمة محلية إليه وفتح قنوات تسويقية جديدة أمام المنتجين، وأشارت الفاو إلى أن تجفيف الطماطم ساعد في التحكم في فائض الإنتاج وتقليل تقلبات الأسعار، من خلال تحويل المحصول إلى منتج يمكن تخزينه لفترات أطول، كما ساهم النموذج في خلق فرص عمل للشباب والنساء وفتح أسواق جديدة عبر القطاع الخاص الذي يقوم بتصدير الطماطم المجففة إلى الأسواق الأوروبية.

وتكشف التجربة أن القيمة الحقيقية لا تأتي من عملية التجفيف وحدها، وإنما من تحويل محصول منخفض القيمة في توقيت الذروة إلى منتج قابل للتخزين والتعبئة والتسويق والتصدير.

كيف تعمل المجففات الشمسية الحديثة؟

تعتمد منظومة التجفيف الشمسي الحديثة على التقاط الحرارة من أشعة الشمس ثم استخدامها في تسخين الهواء الذي يمر على المحصول داخل غرفة أو نفق تجفيف، وتتكون الأنظمة من مجمعات شمسية أو أسطح لالتقاط الحرارة، وغرف أو صوانٍ للتجفيف، إلى جانب مراوح وأنظمة تحكم في بعض التصميمات الأكثر تطورًا.

وتشير منظمة الفاو إلى أن المجففات الشمسية يمكن أن تكون بسيطة أو شبه آلية، وأن استخدام الهواء الساخن وحركة الهواء المنظمة يسرعان عملية التجفيف ويحميان المحصول من بعض مصادر التلوث المرتبطة بالتجفيف المكشوف. كما يمكن استخدام أنظمة أكثر تطورًا تعتمد على المراوح والتحكم في ظروف التجفيف.

وتكمن أهمية التحكم في أن الهدف ليس «تسخين» المنتج فقط، وإنما الوصول إلى مستوى الرطوبة المناسب للحفاظ على المنتج أثناء التخزين، مع تحقيق جودة ثابتة من دفعة إلى أخرى.

من الشمس إلى «التجفيف الهجين»

لا يعني الاعتماد على الطاقة الشمسية أن المصنع يجب أن يتوقف بالكامل عند غياب الشمس، فبعض الأنظمة الحديثة يمكن تصميمها بصورة هجينة تجمع بين الطاقة الشمسية ومصدر حراري أو كهربائي مساعد، بحيث تستمر عملية التجفيف عند انخفاض الإشعاع الشمسي أو تغير الظروف الجوية.

ويصبح هذا النموذج أكثر أهمية في المشروعات التجارية التي تحتاج إلى انتظام الإنتاج والتسليم، لأن الاعتماد الكامل على الظروف الجوية قد يحد من الطاقة الإنتاجية ويطيل زمن التجفيف.

وتشير الفاو إلى أن الأنظمة الشمسية البسيطة قد تكون منخفضة التكلفة نسبيًا، لكنها تصبح أبطأ عندما تكون مساحة جمع الحرارة محدودة أو حركة الهواء غير كافية، بينما تساعد المراوح والأنظمة شبه الآلية على زيادة سرعة التجفيف والتعامل مع كميات أكبر.

ما المنتجات التي يمكن تجفيفها؟

لا تقتصر صناعة التجفيف على الطماطم، وإنما يمكن تطبيقها على مجموعة واسعة من المنتجات الزراعية، بحسب طبيعة المحصول والسوق المستهدف.

وتشمل أبرز المنتجات البصل والثوم والفلفل والخضروات الورقية، إلى جانب الفواكه مثل المانجو والتين والمشمش والعنب والموز، فضلًا عن الأعشاب الطبية والعطرية والتوابل.

القيمة المضافة تبدأ قبل المجفف

المشروع الناجح في هذا القطاع لا يشتري محصولًا عشوائيًا ثم يبحث عن مشترٍ بعد انتهاء الإنتاج، والأفضل هو بناء سلسلة قيمة تبدأ من المزارع أو المورد، ثم اختيار المحصول المناسب، وفرزه وغسله وتجهيزه، وتجفيفه وفق مواصفات محددة، ثم تعبئته وتخزينه وتسويقه.

وهنا تظهر أهمية التعاقد المسبق مع المزارعين وسلاسل التجزئة والمطاعم والفنادق وشركات الصناعات الغذائية والمصدرين، كما يمكن للمشروع تطوير أكثر من منتج من المحصول نفسه، مثل الشرائح والمساحيق والخلطات، بما يزيد من فرص التسويق ويقلل الاعتماد على منتج واحد.

الأقصر على موعد مع موسم جديد للطماطم المجففة كنز الخير لمصر والمزارعين  بالظهير الصحراوى.. قلب الصعيد يتحول لمملكة خير بمزارع ومناشر ومجمعات لتجفيف  الطماطم والمحاصيل الزراعية لتصديرها لدول العالم بالعملة الصعبة -

لماذا ترتبط الصناعة بالاقتصاد الأخضر؟

تسمح الطاقة الشمسية بخفض الاعتماد على الوقود أو الكهرباء التقليدية في جزء من عملية التجفيف، لكن القيمة البيئية للمشروع لا تتوقف عند الطاقة، فالتجفيف نفسه يمكن أن يكون أداة للحد من فاقد المحاصيل الزراعية من خلال إطالة عمر المنتج وتحويل جزء من الإنتاج الذي يصعب تسويقه طازجًا إلى منتج قابل للحفظ.

وتوضح الفاو أن التجفيف إلى مستويات الرطوبة المناسبة يساعد على تقليل الخسائر أثناء التخزين ويرفع قيمة المنتج النهائي، كما أن الأنظمة الشمسية يمكن أن تكون مناسبة للمجتمعات الريفية والمشروعات الصغيرة، وبالتالي، فإن وحدة التجفيف يمكن أن تعمل كحلقة بين المزرعة والسوق، بدلًا من أن يضطر المزارع إلى بيع كامل إنتاجه في فترة قصيرة تحت ضغط زيادة المعروض.

هل يصلح المشروع للمشروعات الصغيرة؟

يمكن أن تبدأ صناعة التجفيف الشمسي بوحدة محدودة السعة بدلًا من إنشاء مصنع كبير منذ البداية، لكن حجم الاستثمار يجب أن يتناسب مع الطاقة الإنتاجية المستهدفة ونوع المنتج ومستوى الجودة المطلوب.

وتشمل عناصر التكلفة الأساسية معدات التجفيف، وأسطح أو مجمعات الطاقة الشمسية، والصواني أو الأرفف، وأنظمة التهوية والتحكم، ومعدات تجهيز وتعبئة المنتجات، إلى جانب مساحة التشغيل والتخزين والنقل.

وفي النموذج الذي عرضته الفاو في المنطقة، صُممت وحدة تجفيف شمسية باستخدام أنفاق مغطاة بألواح البولي كربونات، مع شبكات لمرور الهواء ومروحة تعمل بالطاقة الشمسية وحساس لدرجة الحرارة، وهذا يوضح أن التكنولوجيا يمكن أن تتدرج من نموذج بسيط يخدم كميات محدودة إلى منظومات أكثر تطورًا تعتمد على التحكم الآلي والطاقة الهجينة.

التحدي ليس في التجفيف.. بل في الجودة

قد يبدو التجفيف عملية بسيطة، لكن تحويله إلى صناعة غذائية تجارية يفرض تحديات أكبر، فالمنتج النهائي يحتاج إلى مواصفات ثابتة في اللون والطعم والقوام والرطوبة، مع التحكم في مخاطر التلوث أثناء التجهيز والتجفيف والتعبئة والتخزين.

ولهذا لا يكفي شراء مجفف شمسي وبدء الإنتاج؛ إذ يجب تصميم العملية بالكامل وفق متطلبات سلامة الغذاء والتعبئة والتخزين والأسواق المستهدفة، خصوصًا إذا كان الهدف هو التصدير، كما تمثل القدرة على قياس الرطوبة والتحكم في درجات الحرارة وحركة الهواء عنصرًا مهمًا في ضمان جودة المنتج، بدلًا من الاعتماد على التقدير البصري وحده.

من مشروع تجفيف إلى صناعة تصديرية

الفرصة الأكبر في هذا القطاع لا تكمن بالضرورة في بيع كيس من الفاكهة المجففة للمستهلك المحلي، وإنما في بناء منتج يحمل مواصفات واضحة ويمكن إدخاله في سلاسل التوريد الغذائية.

وتوفر مصر ميزة مهمة في هذا المجال تتمثل في تنوع المحاصيل الزراعية ووجود مواسم إنتاج يمكن استغلالها لإضافة قيمة إلى المنتجات بدلًا من طرحها بالكامل في السوق الطازجة.

وتقدم تجربة الطماطم المجففة في النوبارية دليلًا عمليًا على إمكانية ربط التجفيف بتقليل الفاقد وخلق فرص عمل والوصول إلى أسواق تصديرية، إذ أشارت الفاو إلى دخول المنتج إلى قنوات تسويق خاصة مرتبطة بالتصدير إلى أوروبا.

اقرأ أيضًا:

إعمار تتوقع عودة إشغال فنادق دبي لمستويات ما قبل الحرب خلال 12 شهرًا

Short Url

search