-
طرح سندات خزانة جديدة بعائد ثابت ومتغير.. والبنك المركزي يوضح التفاصيل
-
أباطرة صناعة دواء السرطان يواجهون تحديات السوق بـ400 مليار دولار.. من المتحكم؟
-
1.8 مليون طن تمور في مصر.. المرازيق قرية المليون نخلة تنتج التمر وتعيد تدوير الجريد
-
"طاقة النواب" تبحث اتفاقيات جديدة للتنقيب عن الغاز والبترول في المتوسط والدلتا وسيناء غدًا
دكتور علي عبد النبي يكتب: الدماغ البشري في مواجهة الذكاء الاصطناعي.. ما الذي لا تزال الآلات عاجزة عن فعله؟
السبت، 18 يوليو 2026 07:11 م
دكتور علي عبد النبي نائب رئيس هيئة المحطات النووية الأسبق
الصنعة الربانية في الإنسان والحيوان والنبات تعد نموذجا مثاليا للكفاءة والاستدامة، مما جعلها "مكتملة" في أدائها الهيكلي والوظيفي. فالمحاكاة الحيوية هى محاولة محاكاة هذه النماذج في تطوير التكنولوجيات، حيث تستوحي التصاميم من الطبيعة لوضع الحلول للمشاكل التكنولوجية والهندسية المستعصية، لذلك تعتبر الطبيعة هى أكبر مختبر للبحث والتطوير في العالم.
يولد الأطفال مع مجموعة متكاملة من خلايا الدماغ، تتألف من نحو 100 مليار خلية عصبية، وينمو حجم الدماغ بمعدل 4 أضعاف، من الولادة حتى مرحلة البلوغ، هناك شبكة تصل هذه الخلايا العصبية بعضها ببعض، لتتيح للإشارات العصبية الانتقال من خلية إلى أخرى مجاورة، ومن المشابك العصبية إلى الدوائر العصبية.
يمتلك دماغ الطفل تقريبا عند ولادته معظم الخلايا العصبية التي سيحتاجها، لكنها تكون "غير متصلة" ببعضها بشكل جيد، والتعلم يحدث مع كل تجربة جديدة (صوت، أو لمسة) حيث يحدث تشابك جديد بين خليتين، والدماغ يحذف الوصلات الضعيفة ليقوي الوصلات المستخدمة بكثرة، ويفرز "دوبامين" عند النجاح، مما يشجع الطفل على تكرار السلوك.
في الواقع، استلهم العلماء تصميم الذكاء الاصطناعي من طريقة عمل دماغ الإنسان، لكن بينما يحاول العلماء جعل الذكاء الاصطناعي يشبه البشر، فإن الطفل يتفوق بـ “التعلم العفوي”، فالطفل لا يحتاج لشخص يبرمجه ليحب أمه أو ليخاف من السقوط؛ هذه "غرائز" مدمجة مسبقا، بينما الذكاء الاصطناعي يبدأ دائما من "الصفر المطلق" ما لم يتم تزويده ببيانات.
وتستلهم الشبكات العصبية الاصطناعية المستخدمة في الذكاء الاصطناعي تصميمها من دماغ الإنسان، فكلاهما بنية شبكية تعتمد على طبقات من الوحدات (خلايا عصبية) تعالج البيانات وتمررها، وتستخدم لمعالجة البيانات المعقدة والتعرف على الأنماط، وتتكون من طبقة إدخال، وطبقات مخفية، وطبقة إخراج.
شبكة الدماغ البشري عبارة عن شبكة واحدة متكاملة هائلة، ومترابطة، وديناميكية (مرنة)، داخلها شبكات فرعية تتبادل المعلومات بمرونة، فهي شبكة تتكامل فيها التخصصات، ويقوم فيها التفاعل بين الشبكات المتخصصة بإنتاج الوعي والتصرفات المعقدة.
بينما في الذكاء الاصطناعي نجدها شبكات منفصلة، مثال لذلك، شبكات متخصصة في تحليل الصور والفيديوهات، والتعرف على الأنماط البصرية (تسمي شبكات التفافية)، وشبكات تستخدم في معالجة البيانات التسلسلية مثل النصوص، والترجمة الآلية، والتعرف على الكلام (تسمي شبكات متكررة)، وشبكات ذات طبقات مخفية متعددة، تستخدم في التعلم العميق للمهام المعقدة، وتطبق في التعرف على الوجه، والتشخيص الطبي، وتحليل البيانات (تسمي شبكات عميقة).
لتوضيح أوجه الاختلاف بين دماغ طفل (صنعة ربانية) وبين شبكات الذكاء الاصطناعي، نجد أن الطفل يفهم "لماذا" ويدرك المعنى والمشاعر، بينما الذكاء الاصطناعي يتعرف على الأنماط الإحصائية فقط دون وعي، ونجدها واضحة في عملية التعلم، فالطفل يتعلم من مثال واحد أو اثنين (تعلم سريع جدا)، ويتعلم المشي، والكلام، والتعاطف في آن واحد، ويستهلك طاقة حوالي 20 وات، وهى تكفي لإضاءة لمبة صغيرة، بينما تحتاج شبكة الذكاء الاصطناعي لآلاف أو ملايين الأمثلة ليفهم، وغالبا ما يتخصص في مهمة واحدة (توليد نص أو صور)، ويحتاج لمراكز بيانات ضخمة وطاقة كهربائية تقدر بآلاف من الكيلووات/ساعة.
بذور الذكاء الاصطناعي ولدت إبان الحرب العالمية الثانية، والتي كانت المختبر الأول للذكاء الاصطناعي، فقد استخدمت آلات تنفذ عمليات منطقية معقدة لمحاكاة قدرات ذهنية بشرية، لكن ليس بمفهوم الذكاء الاصطناعي المتعارف عليه حاليا، الذي يعتمد علي برامج حاسب آلي "تفكر" أو "تتعلم".
والحكاية تبدأ مع عالم الرياضيات والمنطق البريطاني "آلان تورينج" فقد كان له إسهامات جليلة في مجال التشفير وفك الشفرات خلال الحرب العالمية الثانية، وكان له دور محوري في فك تشفير الاتصالات النازية، وهو ما قاده لاحقا لكتابة ورقة بحثية في عام 1950 تساءل فيها "هل يمكن للآلة أن تفكر؟".
لكن تم صياغة مصطلح "الذكاء الاصطناعي" رسميا، في ورشة العمل التي عقدت في كلية دارتموث (نيو هامبشاير، أمريكا) عام1956، واستمرت شهرين، ركزت ورشة العمل علي مناقشة محاور أساسية كانت بمثابة منهجية للدخول في عالم الذكاء الاصطناعي مثل، كيفية برمجة أجهزة الحاسب الآلي للقيام بمهام ذكية، وكيفية تمكين الآلات من فهم لغات البشر، وكيفية محاكاة عمل دماغ الإنسان برمجيا من خلال الشبكات العصبية، وكيف يمكن للآلة أن تحسن أداءها من التجربة، أي التعلم الذاتي للآلة، وكيف يمكن دفع الآلات لإنتاج أفكار أو حلول مبتكرة، أي الإبداع.
بدأت قصة تطور الذكاء الاصطناعي مع بداية عام 1960، لكن في ظل محدودية قدرات وحدات المعالجة المركزية لأجهزة الحاسب الآلي (CPU)، والتي كانت ضعيفة جدا لمعالجة البيانات المعقدة، وظهرت برامج محدودة تحاكي متطلبات الخبراء في مجالات محددة، مثل الطب، ولعب الشطرنج. ولعدم رؤية نتائج ملموسة من وراء هذه التكنولوجيا، توقفت الحكومات عن تمويل الأبحاث، وواجهت التكنولوجيا انتكاسة كبيرة.
مع بداية عام 1990، بدأت مرحلة النهضة والتعلم الآلي، وعادت تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي للظهور بقوة بفضل زيادة قوة وحدات المعالجة المركزية لأجهزة الحاسب الآلي وظهور الإنترنت، التي وفرت كميات هائلة من البيانات (انفجار البيانات) لتدريب الآلات، وهنا حدث التحول الجوهري، حيث بدأ تلقين الآلات "بيانات" لتتعلم هي الأنماط، بدلا من تلقينها "قواعد".
مع بداية عام 2010، بدأ عصر التعلم العميق مع استخدام الشبكات العصبية العميقة وتطورت وحدات معالجة الرسومات(GPUs)، المصممة لتسريع عرض الصور، والفيديو، والرسومات ثلاثية الأبعاد عبر معالجة كميات هائلة من البيانات بالتوازي، والتي تعد مثالية للمهام المتكررة مثل الألعاب، والذكاء الاصطناعي، وأصبح بإمكاننا بناء شبكات عصبية اصطناعية تحاكي بنية الدماغ البشري.
ابتداء من عام 2020 وحتي الآن، ومع استخدام النماذج اللغوية الضخمة (LLMs)، أصبحنا نعيش في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي (Generative AI)، وهو نوع متطور من الذكاء الاصطناعي، يتعلم من البيانات الضخمة لإنشاء محتوى أصلي وجديد تماما ولم يكن موجودا مسبقا، مثل النصوص وكتابة المقالات وتلخيص الوثائق، ورسم الصور الفنية، والموسيقى، والفيديو، وتطوير الأكواد البرمجية، بل وهناك تفاعل عبر اللغة الطبيعية، حيث يمكن للمستخدمين التعامل معه بأسلوب محادثة بسيطة (أوامر نصية)، وتحول الذكاء الاصطناعي إلى وكيل، حيث بدأت الآلات بالتحول من مجرد أدوات تجيب على أسئلة إلى "وكلاء" ينفذون مهاما كاملة (حجز رحلات، إدارة مشاريع، كتابة برمجيات كاملة).
والمرحلة الأكثر إثارة، هي المرحلة التي وصل إليها التوليدي ليقوم فيها بابتكار محتوى يشبه ما ينتجه البشر. كذلك تجلت ثورة عالم تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، في اللحظة التي وصل فيها إلى المشاركة الفعلية في "الإبداع".
ملحوظة: النماذج اللغوية الضخمة (LLMs) هي أنظمة ذكاء اصطناعي متطورة، تم تدريبها على كميات هائلة من النصوص (مليارات الكلمات)، بهدف فهم وتوليد لغة بشرية طبيعية، ولأداء مهام متنوعة كالتلخيص، والترجمة، والإجابة عن الأسئلة، وتوليد الأكواد البرمجية. ونعطي أمثلة علي ذلك، نجد أن هناك نموذجGPT-4o ، وهو من أشهر النماذج اللغوية، وهو نقلة نوعية في عالم الذكاء الاصطناعي، ليس فقط لقدرته على معالجة النصوص، بل لكونه نموذجا "متعدد الوسائط"، كما يمكنه رؤية ما تعرضه عليه عبر كاميرا الهاتف وتحليله فورا، على سبيل المثال: يمكنه حل مسألة رياضية مكتوبة على ورقة بمجرد توجيه الكاميرا إليها، ويمكنه تغيير نبرة صوته (ضحك، غناء، همس)، ويمكنك مقاطعته أثناء الحديث وسيفهمك فورا. وكذلك، هناك نموذج متطور تحت مسمي Gemini 1.5 Pro، والذي من خلاله يمكن رفع ملفات ضخمة من الـ PDF، أو آلاف أسطر البرمجة، وسيقوم النموذج بفهمه وتحليله بالكامل. كما يمكنك رفع مشروع برمجي كامل، ليحدد لك الثغرات أو يشرح لك كيف يعمل الكود. ويمكنك رفع تسجيل فيديو مدته ساعة لاجتماع طويل، ويمكنك أن تطلب منه استخراج النقاط المهمة والقرارات المتخذة.
ما يحدث الآن في الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تطور تدريجي، بل هو قفزات نوعية رهيبة، والبشرية الآن تقترب مما يسميه العلماء الذكاء الاصطناعي العام (AGI)، وهو المستوى الذي تتساوى فيه الآلة مع البشر في جميع المهام الذهنية.
تنويه: لا ننسي أن الذكاء الاصطناعي يمكنه توليد معلومات خاطئة وهو واثق من نفسه تماما، أي تحدث له هلوسة، كما أن من سماته التحيز لرأي ما، وهذا ناتج عن البيئة التي تربي فيها، بمعني نتيجة للبيانات التي تدرب عليها.
الآن نستطيع أن نسمي الذكاء الاصطناعي "سوق الذكاء الاصطناعي"، فهو مقسم بشكل أساسي إلى أدوات مجانية، وأدوات مدفوعة الأجر، ونموذج ثالث مزيج بين الاثنين. فإذا كنت مستخدما عاديا، فإن النسخ المجانية مثل ChatGPT، وGemini، ستلبي معظم احتياجاتك، والاشتراك المدفوع يكون مفيدا فقط إذا كنت تستخدم الأداة بشكل يومي في عملك أو تحتاج لمعالجة بيانات ضخمة.
من خلال هذه المقالة، عشت معكم لحظات شيقة، ليست شاملة، بل أظن أنها مكتملة الصورة، لتوضيح ما يمكنني كتابته في المقالات القادمة، نظرا لأهمية وخطورة الذكاء الاصطناعي في مستقبل وحياة البشرية.
Short Url
من العداد العشوائي إلى "السكني".. لماذا يتحمل المواطن عبء التنسيق بين الجهات الحكومية؟
18 يوليو 2026 09:06 م
الدكتور محمد عسكر يكتب: مهارات المستقبل.. كيف يستعد الشباب لسوق العمل في العصر الرقمي؟
15 يوليو 2026 11:46 ص
أكثر الكلمات انتشاراً