الحرب الصامتة.. كيف تخوض الصين معركتها الكبرى بعيدًا عن الهيمنة الأمريكية؟
السبت، 11 يوليو 2026 06:47 م
رقية الأشرم
بقلم رقية الأشرم
في زمنٍ لم تعد فيه المدافع هى الفيصل، ولم تعد حاملات الطائرات وحدها ترسم خرائط النفوذ، اختارت الصين أن تخوض حربًا مختلفة؛ حربًا بلا دخان، وبلا صواريخ، لكنها أكثر تأثيرًا على موازين القوة العالمية. إنها حرب الاقتصاد، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والعملات، حيث تتحول الأسواق إلى ساحات معارك، وتصبح الأنظمة المالية أسلحة استراتيجية تعيد تشكيل النظام الدولي.
أدركت بكين مبكرًا أن السيطرة الأمريكية على النظام المالي العالمي تمثل أحد أخطر أدوات النفوذ السياسي، وأن شبكة SWIFT لم تعد مجرد وسيلة لتبادل الرسائل المالية، بل تحولت إلى ذراعٍ تستخدمها واشنطن في فرض العقوبات وعزل الدول عن الاقتصاد العالمي، ومن هنا، أطلقت الصين منذ عام 2015 نظام المدفوعات العابرة للحدود CIPS، ليكون البديل الصيني الذي يمنح العالم منفذًا ماليًا بعيدًا عن الهيمنة الغربية.
الهدف المعلن كان تسهيل التجارة الدولية باستخدام اليوان، لكن الهدف الاستراتيجي كان أكثر عمقًا؛ بناء درع اقتصادي يحمي الصين من سلاح العقوبات الأمريكية، ويمنحها استقلالًا ماليًا يوازي استقلالها الصناعي والتكنولوجي، وخلال أقل من عقد، توسع النظام بصورة لافتة، ليرتبط بآلاف المؤسسات المالية عبر ما يقرب من 190 دولة ومنطقة، بينما قفزت قيمة تعاملاته بصورة متسارعة عامًا بعد آخر، في مؤشر واضح على أن العالم بدأ يبحث عن بدائل للنظام المالي التقليدي.
ولم يكن صعود CIPS سوى انعكاس لصعود اليوان نفسه، الذي أصبح يحتل موقعًا متقدمًا بين العملات الأكثر استخدامًا في المدفوعات الدولية، متجاوزًا عملات تاريخية مثل الدولار الكندي والين الياباني. إنها رسالة واضحة بأن الصين لا تسعى فقط إلى تصدير البضائع، بل تعمل على تصدير عملتها ونفوذها المالي أيضًا.
لكن الحرب الحقيقية تدور اليوم داخل الأسواق الأوروبية.. فأوروبا تجد نفسها أمام معضلة غير مسبوقة؛ فهى من جهة تحتاج إلى السوق الصينية، ومن جهة أخرى تخشى من اجتياح المنتجات الصينية لاقتصاداتها المحلية، ولهذا اتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض رسوم جمركية وقيود تجارية على عدد من السلع الصينية، وعلى رأسها السيارات الكهربائية، في محاولة لحماية صناعاته الوطنية من المنافسة الصينية التي أصبحت أكثر كفاءة وأقل تكلفة.
وتكشف أرقام التجارة حجم هذا الاختلال؛ فأوروبا صدّرت إلى الصين ما يقارب 228 مليار دولار خلال العام الماضي، بينما تجاوزت وارداتها من الصين 638 مليار دولار، وهو عجز تجاري ضخم يعكس مدى اعتماد الأسواق الأوروبية على الصناعة الصينية، ويمنح بكين أوراق ضغط يصعب تجاهلها.
فالصين لم تعد تصدر الملابس والألعاب كما كان الحال قبل عقود، بل أصبحت تُغرق الأسواق الأوروبية بالألواح الشمسية، والبطاريات، وأجهزة التكييف، والإلكترونيات، والسيارات الكهربائية، ومكونات التكنولوجيا المتقدمة، لتنتقل من مصنع العالم إلى لاعبٍ يتحكم في مستقبل الصناعة العالمية.
وفي المقابل، لا تخلو المعادلة من اعتماد صيني على أوروبا؛ إذ لا تزال بكين بحاجة إلى بعض المعادن والمواد الخام والتقنيات الصناعية المتقدمة، وهو ما يجعل العلاقة بين الطرفين علاقة اعتماد متبادل، لكنها علاقة تميل تدريجيًا لصالح الصين مع كل عام يمر.
ولعل أكثر الأمثلة وضوحًا على التحول التاريخي ما تشهده شركة فولكسفاغن الألمانية، أحد أكبر رموز الصناعة الأوروبية. فالشركة تواجه ضغوطًا غير مسبوقة نتيجة المنافسة الصينية، واضطرت إلى إعادة هيكلة عملياتها وتقليص الإنفاق وإغلاق بعض الأنشطة وخفض أعداد من العاملين، في وقت أصبحت فيه السيارات الكهربائية الصينية تنافس بقوة داخل أوروبا نفسها، مستفيدة من انخفاض تكلفة الإنتاج، والدعم الصناعي، والتقدم التكنولوجي.
إن ما يحدث اليوم لا يمثل أزمة لشركة بعينها، بل يعكس تحولًا أوسع في موازين الاقتصاد العالمي؛ حيث لم تعد المنافسة بين الشركات فقط، بل بين نماذج اقتصادية كاملة، أحدها يعتمد على الأسواق المفتوحة، والآخر يعتمد على التخطيط طويل الأجل، والدعم الصناعي، والسيطرة على سلاسل الإنتاج.
لقد نجحت الصين في تحويل التجارة إلى أداة نفوذ، والصناعة إلى قوة جيوسياسية، والعملات إلى سلاح استراتيجي، فهي لا تواجه الولايات المتحدة وأوروبا بالصدام العسكري، وإنما تستنزف نفوذهما عبر الاقتصاد، وتعيد رسم خريطة القوة العالمية بهدوء وثبات.
إنها حرب لا يسمع العالم فيها دوي المدافع، لكنه يشعر يوميًا بآثارها في المصانع والأسواق والبنوك وأسعار العملات، ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل تنافس الصين الغرب؟ بل أصبح إلى أي مدى اقتربت بكين من قيادة النظام الاقتصادي العالمي، بينما لا يزال الآخرون يتعاملون مع أدوات الأمس في مواجهة تحديات الغد
Short Url
د. علي الدكروري يكتب: لا تسأل عن أفضل استثمار… بل اسأل عن الاستثمار الأنسب لك
11 يوليو 2026 09:45 ص
الدكتور علاء مصطفى يكتب: من يملك الذكاء الاصطناعي.. ومن يملك قراره؟
09 يوليو 2026 05:49 م
ما بعد تكدس الشاحنات.. دروس في مرونة سلاسل الإمداد والتعاون اللوجستي العربي
05 يوليو 2026 10:33 م
أكثر الكلمات انتشاراً