الجمعة، 17 يوليو 2026

06:22 م

19.7 مليار جنيه صادرات.. صناعة النسيج اليدوي من المعابد الفرعونية إلى الأسواق العالمية

الجمعة، 17 يوليو 2026 05:00 م

المنسوجات اليدوية

المنسوجات اليدوية

منة الغزاوي

تعتبر صناعة النسيج اليدوي واحدة من أقدم الحرف التقليدية في مصر، وتمتد جذورها إلى آلاف السنين منذ العصر الفرعوني عندما استخدم المصريون القدماء الكتان في صناعة الملابس والأقمشة، وفي العصر اليوناني تأثرت صناعة النسيج بالفنون الإغريقية، ما ساهم في تنوع التصميمات والزخارف، بينما اكتسبت المنسوجات المصرية شهرة كبيرة أثناء حكم الرومان، خاصة المنسوجات القبطية التي كانت تحمل رموزا دينية.

وفي العصر الإسلامي، تطورت صناعة النسيج اليدوي واستخدام خامات جديدة كالحرير وخطوط وزخارف إسلامية اشتهرت بها مدينة الفسطاط، أما في العصر المملوكي فبلغت صناعة النسيج المصري قمة ازدهارها، واهتمت الدولة بالحرفيين وأقامت الورش المتخصصة بصناعة النسيج اليدوي، واشتهرت مصر في ذاك الوقت بصناعة القطيفة والديباج، واستمرت هذه الصناعة في التطور حتى زادت شهرتها في العصر العثماني عندما استخدموا الخيوط الذهبية والفضية في صناعة المنسوجات.

ولكن مع بداية ظهور النسيج الآلي في العصر الحديث، بدأت الصناعة اليدوية تواجه منافسة قوية أدت إلى تراجع العمل بها قليلا، إلا أن بعض المناطق استمرت في الحفاظ على هذا التراث، مثل مدينة أخميم بسوهاج وقرية ساقية أبو شعرة بالمنوفية.

المنسوجات اليدوية

4 فنون تنسجها أصابع الحرفيين في مصر

ينقسم فن النسيج اليدوي في مصر إلى أربع فنون من بينها السجاد اليدوي وهو الأعلى قيمة مادية، ولا يقاس بالمتر بل بعدد العقد في المتر الواحد، يعتمد في صناعته على النول، إذ يقوم الحرفيون بربط كل خيط عقدة بعقدة يدويا حول خيوط الطول، وتكرر هذه العملية ملايين المرات حتى الوصول إلى التصميم النهائي.

يصنع السجاد اليدوي من الحرير الطبيعي الذي يتميز بنعومته الشديدة ولمعانه، والصوف الفاخر الذي يستخدم في السجاد الأكثر سمكا، وتعد قرية ساقية أبو شعرة بالمنوفية أشهر مناطق صناعة السجاد اليدوي في مصر.

ويأتي الكليم اليدوي كأحد أنواع المنسوجات اليدوية، وهو عبارة عن نسيج مسطح دون وبرة مما يجعل القطعة وظهرها متطابقين تماما وخفيفي الوزن، ويلزم تصنيعه وجود نول خشبي، ويصنع من صوف الأغنام الخشن والوبر وخيوط القطن بالإضافة إلى بقايا الأقمشة، وتعد مدينة فوه بكفر الشيخ أشهر المناطق صناعة للكليم اليدوي في مصر، بالإضافة إلى ورش مطروح وسيناء التي تُعرف بصناعة الكليم اليدوي.

أما المنسوجات والمفروشات اليدوية فتصنع بواسطة نول الدواسات الخشبي، ويتم صناعتها في مدينة أخميم بسوهاج والتي تعتمد على الكتان والقطن المصري طويل التيلة لإنتاج الكوفرتات والمفروشات التراثية، وتشتهر نقادة بقنا بصناعة الفركة وهو ثوب تراثي يغزل من خيوط الحرير والقطن، ويستخدم في الطقوس والمناسبات الإجتماعية.

الخيامية

على عكس باقي المنسوجات لا تعتمد الخيامية على الأنوال، بل يرسم الحرفي الخطوط العربية أو الزخارف الإسلامية على الورق ثم ينقلها عبر التخريم والبودرة إلى قماش التيل السميك، ويضيف قطع صغيرة من الأقمشة القطنية الزاهية ويخيطها فوق القماش السميك لتصبح في النهاية كلوحة مرسومة من الخيوط.

أين يصنع النسيج والكليم اليدوي في مصر؟

تتوزع صناعة المنسوجات اليدوية في محافظات مصر حسب نوع النسيج، وتعد مدينة فوه التابعة لمحافظة كفر الشيخ المركز الرئيسي لصناعة الكليم والسجاد اليدوي، إذ تشتهر القرية بغزل أصواف الأغنام يدويا وتلوينه ثم نسجه على الأنوال لإنتاج كليم بملامح هندسية ريفية وشعبية ذات جودة عالية.

وتعمل النساء في محافظات الواحات وشمال سيناء وقرى الفيوم مثل قرية تونس في هذا القطاع، إذ يقمن بغزل وبر الإبل وأصواف الأغنام وتلوينها بأصباغ طبيعية.

مانشستر ما قبل التاريخ.. أخميم عاصمة المنسوجات الفرعونية

وفي الصعيد تبرز مدينة أخميم بمحافظة سوهاج كواحدة من أقدم المدن صناعة للنسيج اليدوي، وتلقب بـ مانشستر ما قبل التاريخ، نظرا لتاريخها الذي يمتد لآلاف السنين منذ العصر الفرعوني، وتعرف أيضا بمدينة العشرة آلاف نول، نظرا لانتشار الأنوال اليدوية في المنازل.

وتعتمد أخميم على إنتاج المنسوجات والأقمشة باستخدام نول الدواسات وتعتمد على خامات الكتان النقي والقطن المصري طويل التيلة، وتعرف منتجاتها بثبات ألوانها ورسوماتها التراثية التي تجمع بين الوظيفة اليومية والقيمة التاريخية التي تزيد من الطلب عليها.

سجاد يدوي

وتُعرف مدينة نقادة بمحافظة قنا بإنتاج أثواب الفركة التي لم تكن مجرد رداء فقط، بل كانت تصدر إلى أسواق السودان ودول إفريقيا، لكونها ترتبط بطقوس وعادات شعبية هناك مثل مناسبات الزواج والولادة والمآتم، مما جعلها مركزا استراتيجيا يربط مصر ثقافيا واقتصاديا بباقي القارة.

وتبرز قرية ساقية أبو شعرة بمحافظة المنوفية بإنتاجها للسجاد اليدوي، وتتميز القرية بإنتاج السجاد المصنوع من الحرير الطبيعي، مما يجعل منتجات القرية تنافس بقوة في الأسواق العالمية.

ومع التنوع الجغرافي لورش النسيج اليدوي في المحافظات المصرية، لا تقتصر المنتجات التي تخرج من الأنوال على تلبية الطلب المحلي فقط، بل تتوجه نسبة كبيرة منها إلى الخارج، حيث يصدر جزء كبير منها إلى الأسواق الغربية والعربية.

النول الخشبي

 

صادرات المنسوجات اليدوية تتجاوز الـ 19 مليار جنيه عام 2025

فوفقا لمركز التجارة العالمية، بلغت قيمة الصادرات المصرية من المنسوجات اليدوية نحو 398 مليون و23 ألف دولار بما يعادل 19 مليار و745 مليون جنيه في عام 2025، بينما سجلت في عام 2024 حوالي 410 ملايين و126 ألف دولار أي 20 مليار و362 مليون جنيه، وفي الجدول التالي نستعرض صادرات مصر من المنسوجات اليدوية في السنوات الخمس الماضية.

السنةقيمة الصادرات بالمليون دولار
2021471.677
2022399.042
2023359.867
2024410.126
2025398.023

 

أمريكا تستحوذ على 26.8% من الصادرات المصرية للمنسوجات اليدوية

تعد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر مشتري للمنسوجات اليدوية المصرية، إذ استحوذت وحدها على 26.8 % من إجمالي الصادرات المصرية وبقيمة 106 مليون و517 ألف دولار، بما يعادل 5 مليار و288 مليون جنيه في عام 2025.

وتأتي المملكة العربية السعودية كثاني أكبر مشتري للمنسوجات اليدوية بعد الولايات المتحدة إذ سجلت قيمتها حوالي51 مليون و270 ألف دولار أي 2 مليار و545 مليون جنيه في العام نفسه، أما الجزائر فبلغت قيمة صادراتها 28 مليون و489 ألف دولار.

قائمة بأهم الدول المستوردة للمنسوجات اليدوية المصرية

الدولة20212022202320242025
الولايات المتحدة الأمريكية206.006153.160124.676123.296106.517
المملكة العربية السعودية46.37550.44432.00444.13551.270
الجزائر8.4789.44418.64837.73228.489
ألمانيا24.38820.12523.73327.26826.918
هولندا9.74410.44013.53317.66222.395
ليبيا2.4865.99714.19210.57912.913
السويد10.8587.1719.28111.39011.600
المملكة المتحدة13.29512.20611.16413.38311.412

 

ساقية أبو شعرة.. قرية مصرية يغزل سكانها السجاد العالمي

تعتبر قرية ساقية أبو شعرة التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية واحدة من أهم قلاع الصناعات الحرفية في مصر، وتشتهر القرية بإنتاجها للسجاد اليدوي عالي الجودة الذي يصدر للأسواق العربية والأوروبية، وتسهم هذه المهنة في دعم الاقتصاد المحلي وتوفير فرص عمل للشباب، وذلك لعمل غالبية سكانها بالنسيج اليدوي، تلك المهنة التي توارثت بين الأجيال عبر الأنوال الخشبية التقليدية، فيبدأ الطفل من الصغر في تعلم مهارات صناعة السجاد والتعامل مع الخيوط الحريرية لإنتاج منتجات ذات قيمة وجودة عالية.

بدأت صناعة السجاد في قرية ساقية أبو شعرة منذ خمسينات القرن الماضي، عندما سافر بعض أهالي القرية للعمل بها في منطقة الدراسة بالقاهرة، وبعد أن عاد العمال إلى ساقية أبو شعرة نقلوا هذه الحرفة التي اكتسبوها وأنشأوا العديد من الورش، وعمل بها نحو 80% منهم، بينما عمل باقي أفراد القرية بالزراعة ورعاية الماشية، وسميت القرية بهذا الاسم نسبة إلى الإمام عبدالوهاب الشعراني أحد أئمة الشافعية.

سجاد يدوي

 

لماذا يزداد الطلب على سجاد القرية؟

يزداد الطلب على سجاد ساقية أبو شعرة الحريري نتيجة لدقة الصناعة التي تجعل السجادة متينة وقوية وتعيش لعشرات السنين دون أن تتلف، وذلك لزيادة عدد العقد في السجادة، فقد يصل عدد العقد في بعض السجاد الحريري إلى 100 عقدة أو أكثر في السنتيمتر الواحد، الأمر الذي يجعل تفاصيل الرسوم أشبه باللوحات الزيتية عالية الجودة.

أيضا، تركيز القرية على الحرير الطبيعي الخالص كمادة خام أساسية سواء نُسج الحرير على سداة من القطن أو من الحرير، على عكس قرى كثيرة تعتمد على الصوف أو الألياف الصناعية، هذا الحرير الذي يعطي النعومة واللمعان للسجادة بالإضافة إلى قدرته على عكس الضوء، فيقوم بتغيير درجات الألوان حسب زاوية النظر وإضاءة الغرفة.

الصناعة على النول الخشبي

ومن الأسباب التي تزيد من الطلب على سجاد القرية هو إتقان صانعي السجاد في القرية للعقدة الفارسية أو الإيرانية، والتي توارثها أهل القرية عبر الأجيال، وتتميز هذه العقدة عن غيرها بأنها تتيح رسم المنحنيات والنقوش الإسلامية شديدة التعقيد، تلك التفاصيل التي يصعب تنفيذها على السجاد الآلي.

كما أن التنوع التراثي الكبير في التصميمات يزيد من الإقبال على هذه المنتجات، فالفنانون في ساقية أبو شعرة لا يلتزمون بمدرسة واحدة، بل يدمجون بين عدة مدارس عالمية يطلبها السوق الخارجي بكثافة، فتتنوع منتجاتهم بين المدرسة الفارسية بنقوشها الشهيرة مثل الأصفهاني والكاشان، والمدرسة المملوكية والإسلامية القائمة على الزخارف الهندسية المعقدة والخط العربي، بالإضافة إلى قدرتهم على تحويل اللوحات التشكيلية والمعالم السياحية العالمية إلى قطع فنية مغزولة بالخيوط.

كيف تتحول خيوط الحرير إلى لوحات فنية ؟

تمر صناعة السجاد بـ 6 مراحل أساسية للحصول على المنتج النهائي منها:

مرحلة إعداد التصميم الهندسي

يرسم الفنانون المتخصصون التصميم المطلوب على ورق بدقة شديدة تشبه المخططات الهندسية، وتسمي هذه الرسومات بالكرتونة، ويحدد فيها الرسام كل لون ومكان كل عقدة بدقة متناهية، بعدها يعلق النساج هذه الورقة أمامه على النول، وتكون هي مرشده الوحيد طوال أشهر العمل، وتتحول تلك المربعات الملونة إلى غرز حقيقية.

مرحلة تجهيز النول

المرحلة التي يتم فيها بناء الهيكل الأساسي للسجادة، وتتم على النول وهو إطار خشبي أو حديدي، يقوم الصناع بعملية تسدية النول وهي عبارة عن شد الخيوط القطنية أو الحريرية بشكل طولي ومتوازي ومشدود، هذه الخيوط الطولية تسمى السداة وهي بمثابة العمود الفقري الذي يحمل السجادة بالكامل.

مرحلة النسج وغزل العقد

وهنا يجلس النساجون بجانب بعضهم البعض، ويقومون بربط خيوط الحرير حول خيوط السدى الطولية، حيث يمسك النساج الخيط ويقصه بسرعة فائقة، ويتحرك صعودا عقدة وراء عقدة وصفا وراء آخر، ويكون ملتزما بالتصميم المعلق أمامه.

مرحلة الغزل

مرحلة دك الخيوط

بعد الانتهاء من غزل كل الصفوف من العقد، يمرر النساج خيطا أفقيا يعرف بخيط اللحمة بين خيوط السدى الرأسية، ثم يمسك بأداة حديدية ثقيلة تشبه المشط الضخم تسمى الدفة، ويضرب بها الصف الجديد بقوة لدمج العقد وتثبيتها مع الصفوف السابقة لضمان تماسك السجادة.

مرحلة التقفيل والفصل عن النول

بعد الانتهاء من تصميم السجادة، يقوم الصناع بقطع خيوط السداة الطولية من أعلى وأسفل النول بحذر شديد، ولا تقطع الخيوط بالكامل، بل تترك أطرافها لتجدل وتربط يدويا، وهي خطوة مهمة لتقفيل السجادة وحمايتها من التفكك أو التنسل مع الاستخدام.

مرحلة الغسيل والكي والتشطيب النهائي

تمر السجادة بمرحلة التشطيب أولا قبل العرض النهائي، فترسل إلى مغاسل مخصصة لتنظيفها بمواد معينة تزيد من بريق الحرير الطبيعي وتظهر ألوانه الحقيقية، وبعد أن يتم تجفيفها تفرد السجادة وتكوى بمكواة بخارية ثقيلة، لفرد أي انحناءات فيها وضبط أبعادها.

أين يذهب سجاد ساقية أبو شعرة؟

تعد البازارات الكبيرة والمحلات في خان الخليلي هي الموزع الأساسي لمنتجات القرية، ويقتنيها السياح بوصفها قطعًا فنية نادرة نظرًا لجودتها، التي تنافس السجاد الإيراني الشهير، ولا يقتصر بيع السجاد اليدوي على الاستهلاك المحلي فقط، بل يصدر للعديد من دول العالم لعقود كثيرة، وتعد القصور الرئاسية والملكية هي الوجهة الأولى لهذا الفن، مثل السجاد الحريري المعلق على جدران قصر الإليزيه في باريس لفرنسا، بالإضافة إلى القصور الرئاسية يتوجه الإنتاج إلى الفنادق العالمية الفاخرة.

دك الخيوط بالدفة

 

أزمة الأسعار تهدد السجاد اليدوي في القرية

وعلى الرغم من التصدير الكبير لمنتجات القرية من السجاد اليدوي للخارج، إلا أن تلك الصناعة تواجه تحديات صعبة تهدد استمرارها، وتأتي أزمة ارتفاع أسعار الخامات على مقدمة تلك التحديات، فالقرية تعتمد بشكل أساسي على الحرير الطبيعي المستورد، والسوق المصري المحلي يستهلك حاليا حوالي 300 طن من خيوط الحرير سنويا والمنتج في مصر لا يتعدى 4 أطنان سنويا، ومع التغيرات في أسعار العملة الصعبة، تضاعفت تكلفة الإنتاج بشكل كبير.

هذه الأزمة الاقتصادية أدت إلى تراجع العمالة، فصناعة السجاد تحتاج إلى شهور طويلة من العمل قبل بيع المنتج والحصول على ربح، مما دفع الكثير من الشباب إلى هجر المهنة والاتجاه إلى مهن أخرى مثل العمل في المصانع والوظائف الحرة وهو ما يهدد بزوال تلك الحرفة المتوارثة عبر الأجيال.

 

اقرأ  أيضا:

مصر تمتلك خمس تمور العالم والأولى بإنتاج سنوي مليوني طن و24 مليون نخلة

دودة القز وسر صناعة الحرير.. كواليس رحلة 6 أشهر لإنتاج أفخم الأقمشة العالمية

Short Url

search