الثلاثاء، 14 يوليو 2026

08:48 م

قلعة الاقتصاد الأزرق.. كيف تحولت «ترسانة بورسعيد» إلى مركز إقليمي لصناعة السفن بأيادٍ مصرية؟

الثلاثاء، 14 يوليو 2026 08:00 م

ترسانة - أرشيفية

ترسانة - أرشيفية

إيمان البصيلي

تشهد صناعة النقل والخدمات البحرية في مصر تحولًا استراتيجيًا غير مسبوق، تقوده الترسانات البحرية المصرية، وفي مقدمتها ترسانة بورسعيد البحرية التابعة لإدارة الترسانات بهيئة قناة السويس.

تأسست هذه القلعة الصناعية قبل أكثر من قرن ونصف لتأمين صيانة المجرى الملاحي، وتحولت خلال العقد الأخير إلى مركز إقليمي رائد لبناء السفن، وقاطرات أعالي البحار، والقطع البحرية المتطورة بأيادٍ وتصميمات مصرية خالصة بنسبة 100%.

 

شريان بورفؤاد.. بنية تحتية عملاقة بموقع استراتيجي فريد

وتعد ترسانة بورسعيد البحرية واحدة من أهم وأعرق الترسانات بمنطقة الشرق الأوسط، وهي تتمتع بموقع استراتيجي شديد الأهمية عند المدخل الشمالي لقناة السويس بمدينة بورفؤاد.

 وتم البدء بإنشاء الترسانة بالتوازي مع بداية تأسيس الشركة العالمية لقناة السويس البحرية عام 1869، وخلال فترة عملها الطويلة اكتسبت الترسانة خبرة كبيرة في مجال إصلاح السفن، حتى جاء عام 1960 فتم تطوير الترسانة وإضافة مجال بناء السفن.

وتشغل الترسانة مساحة يابسة إجمالية تبلغ 437,000 متر مربع، من بينها 70,500 متر مربع مخصصة للورش التخصّصية والمجمعات الصناعية. 

ووفقًا للموقع الرسمي لهيئة قناة السويس ودليل إدارتها الفنية، تمتلك الترسانة أرصفة إصلاح مجهزة يبلغ طولها الإجمالي 1200 مترًا بأعماق تصل إلى 13 متراً. كما تدعم عملياتها أسطولا من الروافع البحرية العائمة التي تصل قدراتها الإجمالية إلى 500 طن، بجانب أوناش خدمة على الأرصفة تصل قدرتها إلى 60 طنًا.

ولتعزيز قدراتها الاستيعابية، تعتمد الترسانة على 4 أحواض عائمة تخدم القطع البحرية التابعة للهيئة وللعملاء الدوليين والمحليين بطاقة رفع تصل إلى 35 ألف طن، أولها حوض "فخر القناة"، والذي يعد أحدث الأحواض المنضمة للخدمة منذ عام 2023 بحمولة استيعابية ضخمة تبلغ 35,000 طن، وطول 260 مترًا، وعرض صافي 50 مترًا، وأقصى غاطس فوق بلوكات التدشين 10 أمتار ومجهز بونشين حمولة 40 طناً.

أما الحوض العائم الثاني فهو "عيد النصر" والذي يعمل منذ عام 1961 بحمولة رفع 25,000 طن، وطول 230 متراً، وعرض 35 مترًا، وغاطس 9.7 أمتار، وهناك الحوض العائم "السلام"، والذي يعمل منذ عام 1979 بحمولة 10,000 طن، وطول 185 مترًا، وعرض 28 مترًا، وغاطس 8.5 أمتار، ويطلق على الحوض العائم الرابع اسم "بورسعيد" ويعمل منذ عام 2001 بحمولة 5,000 طن، وطول 120 مترًا، وعرض 21.5 متر، وغاطس 6 أمتار.

وتمتلك الترسانة 5 رافعات (أوناش) عائمة تصل حمولتها إلى 500 طن، بالإضافة إلى أكثر من 60 ونشاً أرضياً وعلوياً تصل قدرة الرفع فيها إلى 60 طناً، على رأسها الرافعة "إنقاذ بهجت" بقدرة رفع 500 طن، والرافعة "بدوي" بقدرة 100 طن، والرافعة "عملاق" بقدرة 200 طن، والرافعة "خليفة" بقدرة 400 طن.

وتضم الترسانة ورش الآلات والخراطة، وبها ماكينات حديثة تعمل بالتحكم الرقمي (CNC) لخرط الأجزاء الكبيرة والعملاقة بدقة فائقة وتصنيع قطع الغيار، بالإضافة إلى المسبك وورشة الحدادة لتصنيع المسبوكات المعدنية من سبائك النحاس والحديد الزهر الرمادي وأعمال الحديد المطروق، وورشة إصلاح الهياكل الفولاذية لإصلاح وتجديد الهياكل الفولاذية بسرعة، مع استخدام ماكينات قطع البلازما الرقمية (Plasma CNC).

هذا بجانب ورش الميكانيكا والأنابيب لصيانة المحركات الرئيسية والمساعدة، وتصنيع واختبار خطوط الأنابيب هيدروليكياً حتى 400 بار، والورش الكهربائية لإعادة لف المواتير الكهربائية والمولدات حتى 400 كيلوواط، واختبار الأحمال حتى 1.5 ميجاواط، وورشة الطلاء واللفح الرملي لتجهيز وطلاء السفن وحمايتها.

وتقدم الترسانة خدمات الإنقاذ البحري والأعمال تحت الماء من خلال امتلاك فريق داخلي متخصص مجهز لعمليات الإنقاذ السريع، بالإضافة إلى تقديم خدمات الفحص والإصلاح واللحام تحت الماء وتصوير ومعاينة السفن تحت الماء كبديل للأحواض الجافة بالتنسيق مع غواصين معتمدين من منظمة IMCA.

10 سنوات من الإنجازات: من الاكتفاء الذاتي إلى غزو أسواق التصدير

وفقًا لسجلات إدارة الترسانات وقطاع بناء السفن بالهيئة، نجحت الترسانة خلال السنوات العشر الأخيرة في تحقيق طفرة إنتاجية شملت خمسة محاور رئيسية؛ في مقدمتها بناء القاطرات العملاقة من سلسلة "بركة" بقوة شد 160 طناً، وسرعة 17.5 عقدة بحرية، وطول 69.2 متر، وعرض 15.5 متر، وعمق 7.4 أمتار، وغاطس 6.4 أمتار، وإجمالي حمولة الوزن الساكن 2320 طن، وأربعة محركات ديزل بقدرة 3990 حصان لكل منها عند 600 دورة في الدقيقة (rpm)، ومدى بحري يصل إلى 6000 ميل بحري.

وهناك سلسلة "مصاحب"، وتتميز قاطرات مصاحب بقوة شد تصل إلى 70 طنًا، وبطول 35.87 متر، وعرض 12.5 متر، وغاطس 3.35 متر، وسرعة 13 عقدة، مدعومة بمحركات ألمانية متطورة من طراز (Voith). ومن أبرز الوحدات التي تم بناؤها القاطرة "عبد الحميد يوسف"، والقاطرة "مصطفى محمود"، والقاطرة "علي شلبي"، بالإضافة إلى القاطرة "لطفي جاد الله" التي شُيدت لصالح القوات البحرية المصرية.

وسلسلة "RAstar 3200" بقوة شد تصل إلى 75 طن، وسرعة 13 عقدة، وطول 32 متر، وعرض 12.8 متر، وغاطس 6 أمتار؛ حيث تولت الترسانة بناء سلسلة حديثة من القاطرات البحرية لتدعيم أسطول الهيئة ومواكبة السفن والناقلات الضخمة العابرة للقناة.

إعجاز الـ 90 يوماً.. أرقام قياسية في صناعة عبّارات المستقبل

الترسانة حققت أرقاماً قياسية بتصميم وتصنيع وبناء أكبر معديتين لنقل الركاب والسيارات بين ضفتي القناة (بورفؤاد وبورسعيد)، وهما "تحيا مصر 1" و"تحيا مصر 2". وتم الانتهاء من العمليات بالكامل —بدءًا من الفكرة والتصميم وحتى التدشين الفعلي— في 90 يومًا فقط؛ وتبلغ حمولة المعدية الواحدة 140 طنًا، بطول 43 مترًا، وتستوعب 32 سيارة و266 راكبًا.

وتمتلك ترسانة بورسعيد البحرية إمكانيات متقدمة في بناء وتطوير معديات السيارات عبر سلسلتين رئيسيتين؛ وتأتي في مقدمتها "سلسلة معديات السيارات حمولة 210 أطنان"، والتي تتميز بطول يبلغ 57 متراً، وعرض 15 متراً، وغاطس يصل إلى 1.4 متر، وتعمل بمحركي ديزل بقدرة 400 حصان لكل منهما لتصل سرعتها إلى 7 عقد بحرية، كما تم تزويدها بنظام دفع متطور من نوع (V.S.P) لضمان أعلى مستويات المناورة.

كما تقدم الترسانة "سلسلة معديات السيارات حمولة 320 طن" ذات السعة الأكبر، والتي يصل طولها إلى 64 متراً مع الحفاظ على عرض 15 متراً وبغاطس 1.5 متراً، وتعتمد هذه السلسلة على محركين بالقدرة ذاتها (400 حصان لكل منهما) يحققان سرعة تبلغ 8 عقد بحرية، مدعومة بنظام دفع ذو توجيه سمتي (ASD)، مما يعكس الكفاءة الهندسية والتكنولوجية العالية التي تتبناها الترسانة لتلبية احتياجات النقل البحري الحديث بكفاءة وأمان.

توطين صناعة الصيد.. خطة قومية لغزو أعالي البحار

ومع اتجاه الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة لتوطين صناعة الوحدات البحرية وتطوير أسطول الصيد المصري، أشرفت الترسانة وشاركت في بناء أساطيل حديثة، شملت في مرحلتها الأولى بناء 10 سفن صيد عبر "شركة القناة للإنشاءات البحرية" و7 سفن عبر "شركة الأعمال الهندسية البورسعيدية" تحت المظلة الفنية للهيئة. كما أعلنت الهيئة رسميًا عن البدء في مشروع بناء 50 سفينة صيد جديدة متطورة داخل ترسانة بورسعيد، بالتوازي مع التوسع في بناء سفن صيد أعالي البحار بالتعاون مع ترسانة البحر الأحمر.

في سابقة هي الأولى من نوعها لترسانات الهيئة، نجح مهندسو وعمال ترسانة بورسعيد في بناء وتصنيع مقدمة سفينة حاويات بالكامل وفقًا لأعلى المعايير والاشتراطات الملاحية العالمية المعترف بها دوليًا، وهو إنجاز تضافر مع دخول الحوض العائم الجديد "فخر القناة" للخدمة لتسهيل عمليات المحمل والإصلاح والبناء التكميلي.

صُنِع في مصر.. الترسانة تقتحم أسواق التصدير العالمية

انتقلت الترسانة إلى مرحلة التصنيع بغرض التصدير؛ حيث يجري العمل حاليًا على تنفيذ مشروع ضخم لبناء 10 قاطرات بحرية متطورة بقوة شد تصل إلى 80 طنًا، مخصصة بالكامل للتصدير الخارجي ولحساب عملاء دوليين، مما يعكس ثقة السوق الملاحي العالمي في معايير الجودة والتصنيع المصرية.

جودة بلا حدود.. منظومة متكاملة متوجة بالاعتمادات الدولية

لا تقتصر قدرات الترسانة على بناء الهياكل، بل تضم ورشًا تخصصية متكاملة تشمل: مسبك وحدادة، تشغيل معادن وتصنيع قطع الغيار، قطاع الكهرباء، صيانة محركات الديزل، وقسم التركيبات الميكانيكية والمواسير، بالإضافة إلى تقديم خدمات الجودة والاختبارات غير الإتلافية (NDT) للتأكد من سلامة البدن واللحامات.

وحصلت ترسانة بورسعيد البحرية على عددًا من الاعتمادات الدولية والشهادات الدولية في مجالات الإدارة والسلامة، وعلى رأسها شهادة ISO 9001:2015 في مجال جودة صيانة وإصلاح الوحدات البحرية، وشهادة ISO 45001:2018 في مجال نظام إدارة السلامة والصحة المهنية.

لتؤكد ترسانة بورسعيد البحرية مجددًا أنها ليست مجرد مرفق معاون لقناة السويس، بل هي عصب صناعي متكامل يقود قاطرة الاقتصاد الأزرق في مصر نحو آفاق عالمية.

اقرأ أيضًا:

من سفاجا إلى العالمية.. قاطرات «عزم» وسفن «رزق» تقود خطة مصر لتوطين وتصدير الصناعات البحرية

صراع بريق الذهب والفضة في 2026 بين الفائدة الأمريكية والحروب الإقليمية

Short Url

search