من يملك الذكاء الاصطناعي.. ومن يملك قراره؟
الخميس، 09 يوليو 2026 05:49 م
دكتور علاء مصطفى
دكتور علاء مصطفى
كان امتلاك النفط قبل سنوات قليلة، يعني امتلاك النفوذ، إذ كانت السيطرة على الممرات التجارية تعني امتلاك أوراق القوة في الاقتصاد العالمي، وظهر سؤال جديد اليوم يفرض نفسه على الحكومات والشركات: من يملك الذكاء الاصطناعي؟ لكن السؤال الأهم ليس من يملكه، بل من يملك قراره، كما بين امتلاك التكنولوجيا والقدرة على توجيهها مساحة واسعة، ستحدد شكل الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وينظر كثيرون إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره تطبيقًا ذكيًا يكتب النصوص أو يحلل الصور أو يجيب عن الأسئلة، لكن صناع القرار يرونه بصورة مختلفة تمامًا؛ فهم ينظرون إليه باعتباره بنية اقتصادية متكاملة تبدأ بالطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات، مرورًا بالرقائق الإلكترونية، والبنية السحابية، والبيانات، والكوادر البشرية، ولا تنتهي عند التطبيقات التي يستخدمها الأفراد والشركات، ومن يسيطر على هذه المنظومة، يمتلك قدرة أكبر على رسم قواعد المنافسة الاقتصادية.
ولم يعد الحديث لهذا عن "سيادة الذكاء الاصطناعي"، يعني أن تطور كل دولة نموذجًا لغويًا خاصًا بها، فذلك ليس واقعيًا ولا اقتصاديًا في معظم الحالات، السيادة الحقيقية تعني أن تمتلك الدولة حرية اتخاذ القرار في كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، وأين تُخزن بياناتها، ومن يدير بنيتها الرقمية، وما الحدود التي تضعها لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.
ويفسر السباق العالمي الذي نشهده اليوم، أن الولايات المتحدة تستثمر في توسيع قدراتها الحاسوبية، والصين تبني منظومة متكاملة تجمع بين الصناعة والبحث العلمي والتطبيقات، بينما تسعى أوروبا إلى تقليل اعتمادها على الخارج في التقنيات الاستراتيجية، مع الحفاظ على انفتاحها الاقتصادي، ورغم اختلاف النماذج، فإن الجميع يتفق على حقيقة واحدة: الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا من السياسات الاقتصادية، وليس مجرد ملف تقني.
وتتغير قواعد المنافسة بالسرعة نفسها بالنسبة للشركات، فالشركة التي تعتمد بالكامل على منصات خارجية دون امتلاك بياناتها أو بناء قدراتها الرقمية، قد تحقق نجاحًا مؤقتًا، لكنها تظل رهينة لقرارات لا تملك التأثير فيها.
وتستثمر الشركات في البيانات، وتطور كوادرها، وتبني حلولًا تناسب احتياجاتها، كما تمتلك قدرة أكبر على الابتكار، وتخفض تكاليفها، وتزيد إنتاجيتها على المدى الطويل.
ولا تحتاج مصر إلى أن تدخل سباقًا مكلفًا لمنافسة القوى الكبرى في بناء النماذج الأساسية، بل تحتاج إلى تحديد موقعها داخل سلسلة القيمة العالمية للذكاء الاصطناعي.
ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال الاستثمار في البنية الرقمية، وتوسيع مراكز البيانات، وتأهيل الكفاءات، وتشجيع الشركات الناشئة، ووضع إطارٍ تشريعي يوازن بين الابتكار وحماية البيانات، فالميزة التنافسية لا تُبنى بتقليد الآخرين، وإنما باختيار المجالات التي يمكن تحقيق قيمة مضافة حقيقية فيها.
ويعتبر في تقديري، أن أكبر خطأ يمكن أن نقع فيه هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي، باعتباره مشروعًا لوزارة أو قطاع بعينه، وهذه التكنولوجيا ستعيد تشكيل الصناعة والزراعة والتعليم والرعاية الصحية والخدمات المالية والإدارة الحكومية.
لذلك فإن السؤال لم يعد: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل كيف نجعله أداة لزيادة الإنتاجية، وتحسين جودة الخدمات، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.
وستقود دول الاقتصاد في العقد المقبل، وليست هي بالضرورة تلك التي تمتلك أكبر عدد من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل تلك التي تمتلك القدرة على توظيفه بما يخدم مصالحها، وتحويله إلى محرك للنمو والابتكار.
وتمنح التكنولوجيا الجميع الأدوات نفسها تقريبًا، لكن السياسات العامة، وجودة المؤسسات، ورؤية الدولة هي التي تحدد من يستخدم هذه الأدوات لبناء المستقبل، ومن يكتفي باستهلاك ما ينتجه الآخرون.
ويبقى السؤال الذي يستحق التفكير: عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا من كل قرار اقتصادي، فهل ستكون الدول مجرد مستخدم للتكنولوجيا، أم شريكًا في صياغة قواعدها؟
Short Url
ما بعد تكدس الشاحنات.. دروس في مرونة سلاسل الإمداد والتعاون اللوجستي العربي
05 يوليو 2026 10:33 م
الدكتور علي الدكروري يكتب: الأوكتاجون.. صرح جديد يليق بـ مصر القادرة
05 يوليو 2026 06:39 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: تكنولوجيا المعلومات وزيادة الإنتاجية وتقليل الأخطاء البشرية
05 يوليو 2026 06:24 م
أكثر الكلمات انتشاراً