مصر على خطى إندونيسيا، هل تنجح القاهرة في استنساخ "نمر النيكل" الأسيوي؟
الخميس، 21 مايو 2026 03:40 م
الثروات الطبيعية
إيمان البصيلي
لم تعد إعادة تصنيع الثروات المعدنية والمواد الخام قبل تصديرها، رفاهية أمام الدول والأسواق الصناعية الصغيرة، ففي الوقت الذي يتراوح فيه سعر طن المادة الخام عشرات الدولارات، يصل السعر بعد إعادة التصنيع والتصدير إلى آلاف بل مئات الآلاف من الدولارات مثل خام الرمال البيضاء الذي حظرت مصر تصديره خلال السنوات الأخيرة.
وبدأت إندونيسيا منذ 11 عام في حظر تصدير خام النيكل وعدد من المعادن الأخرى، لتبدأ معها نهضتها الصناعية وتحولها لنمر أسيوي كبير في صناعة منتجات النيكل والسيارات الكهربائية وغيرها من الصناعات المتقدمة، فهل تسير مصر على خطى البلد الأسيوي، وتبدأ هي الأخرى في قرارات حظر التصدير، مثلما فعلت مع الرمال البيضاء.
وشهدت النهضة الصناعية الإندونيسية في 2014 تحولًا كبيرًا، مع بدء تطبيق قرارات وقوانين صارمة تتعلق بحظر تصدير المواد الخام غير المعالجة، إلا بعد إعادة تصنيعها وتصديرها في صورة منتجات عالية القيمة، تضيف عوائد دولارية للدولة، ضمن سياسة "هيليريساسي" أو المعالجة المحلية للمواد الخام، والتي تدعم الاقتصاد في رحلته نحو النمو.
وكانت البداية مع حظر تصدير خام النيكل والبوكسيت، وعدد من المعادن والمواد الخام الأخرى، وهو ما أجبر الشركات على بناء مصاهر ومصانع داخل البلاد، لتصنيع هذه المواد قبل تصديرها، والتوسع في إنشاء المناطق الصناعية واللوجيستية، لتحويل البلاد من دولة زراعية تمتلك ثروات طبيعية ومعدنية تصدرها للعالم، إلى دولة صناعية تصدر منتجات ذات قيمة مضافة أعلى.

زيادة في صادرات إندونيسيا بقيمة 107 مليارات دولار بسبب حذر تصدير المواد الخام
وبلغت صادرات إندونيسيا في عام 2014 حوالى 176 مليار دولار، لتصل اليوم وبعد 11 عامًا فقط من قرارات الحظر، سواءً الكلي أو الجزئي إلى ما يقرب من 283 مليار دولار، بفارق 107 مليارات دولار ونسبة زيادة حوالى 61 %.
وعلى الرغم من بداية قرارات الحظر في 2014، إلا أنها توقفت جزئيًا في 2017 مع ضغط الأزمة المالية التي عانت منها البلاد، نتيجة توقف إنتاج خام النيكل والبوكسيت، في ظل عدم جاهزية البلاد بمصانع الصهر وإعادة التصنيع.
واجتذب السوق رؤوس أموال أجنبية كبيرة، معظمها من الصين وكوريا الجنوبية، وأدى ذلك إلى زيادة عدد مصاهر النيكل في إندونيسيا من اثنين في عام 2016، إلى أكثر من 60 مصهرًا في عام 2023.
جاء ذلك مع تزايد حاجة الدول للمواد الخام الإندونيسية، وارتباط قرارات الحظر بإقرار حوافز ضريبية واستثمارية، وإعفاءات ضريبية، وخصومات، وإعفاءات من الرسوم الجمركية، بالإضافة إلى إعفاءات من رسوم الاستيراد لمشاريع مشتركة في مجالي معالجة المعادن وتوليد الكهرباء.
وعادت إندونيسيا مرة أخري في عام 2020 - مع زيادة عدد المصاهر وارتفاع قدرة البلاد على التصنيع المحلى - إلى تشديد إجراءات الحظر على خام النيكل، الذي تمتلك أكبر احتياطي منه في العالم.
وشهدت صناعات النيكل والفولاذ المقاوم للصدأ توسعًا سريعًا، وزادت معدلات الصادرات الإندونيسية من هذه المنتجات، فبلغت قيمة صادرات منتجات الحديد والصلب في 2025 حوالى 27 مليارًا و 970 مليونًا و898 ألف دولار، فيما بلغت صادراتها من منتجات النيكل في 2025 حوالى 9 مليارات و732 مليونًا و147 ألف دولار، بإجمالي حوالى 38 مليارًا في عام واحد فقط.

حجم صادرات إندونيسيا من البطاريات الكهربائية في 2025 حوالى مليار و189 مليون و915 ألف دولار
وبعد تكرير منتجات النيكل مع منتجات وسيطة أخرى، نحصل على نيكل من الفئة الأولى، والذي يعد عنصرًا أساسيًا في تصنيع كاثودات البطاريات لبعض أنواع بطاريات السيارات الكهربائية.
وتسعى إندونيسيا إلى توطين هذه الصناعة، من خلال جذب رؤوس أموال أجنبية لبناء مصانع في الدولة، ونقل تكنولوجيا صناعة السيارات الكهربائية بالكامل لديها.
جاء ذلك بهدف تحويل الدولة الأسيوية إلى مركزٍ عالمي لإنتاج وتصنيع وتصدير السيارات الكهربائية للعالم، لتكون نمرًا أسيويًا جديدًا في صناعة السيارات، لما لديها من وفرة في النيكل، كما بلغ حجم صادرات إندونيسيا من البطاريات الكهربائية في 2025 حوالى مليار و189 مليونًا و915 ألف دولار.
كل هذه القرارات المتعلقة بسياسية التكرير والتصنيع في إندونيسيا، والتوجه لتوسيع قرارات الحظر لتشمل معادن ومواد أخرى، حولت الدولة إلى واجهة للاستثمار الأجنبي المباشر في قطاعات المعادن الحيوية والبطاريات والسيارات الكهربائية، وجعلتها سوقًا أسيويًا كبيرًا في مجالات التصنيع.
كما ساعدت كثيرًا على نهضة إندونيسيا الاقتصادية، عبر إضافة 107 مليارات دولار إلى خزانه الدولة منذ قرارات الحظر في 2014 وحتى عام 2025، وهى المؤشرات المرشحة للارتفاع خلال السنوات القادمة، بالتزامن مع دخول استثمارات أجنبية جديدة للدولة، وبدء تشغيل مصانع للصناعات المتخصصة في تكرير وتصنيع المعادن.

فرض الضرائب بدلًا من الحظر سياسية مصر لتجنب الخلاف مع منظمة التجارة العالمية
وبدأت مصر مؤخرًا في إقرار بعض إجراءات حظر تصدير بعض المعادن والمواد الخام، وذلك على خطى التجربة الإندونيسية، سواءً عبر الحظر المباشر أو من خلال فرض رسوم على الصادرات الخام، بنسب تؤدي إلى عدم جدوى تصديرها في صورتها الخام.
وتتبع مصر سياسة فرض رسوم تصدير على المواد الخام، بدلًا من حظر تصديرها كليًا في السنوات الأخيرة، منعًا للدخول في نزاعات وخلافات مع المنظمات التجارية الدولية، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة التجارة العالمية التي تضع قيودًا صارمة على قرارات "حظر التصدير" وتعتبره عائقًا في طريق التجارة الدولية.
وتمنح الدول الأعضاء حرية أكبر في فرض ضرائب على صادراتها، وهى الوسيلة التي تلجأ إليها مصر في حماية مواردها الطبيعية وتعزيز قيمتها المضافة، عبر إعادة تصنيعها بدلًا من تصديرها في صورتها الخام بمبالغ زهيدة، وإعادة استيرادها بأموال طائلة مرة أخرى.
يأتي خام الرمال البيضاء من أهم المواد الخام التي حظرت الحكومة المصرية تصديرها كليًا في يونيو 2025، بقرار من وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية، يحمل رقم 269 لسنة 2025، ثم عادت في يناير 2026، لتصدر قرار يحمل الرقم 582 لسنة 2025، للسماح لمشروعات المناطق الحرة، بتصدير خام الرمال البيضاء، مع سريان قرار الحظر على باقي المناطق.

الرمال البيضاء أحد الثروات الطبيعية المصرية ناصعة البياض
وتعتبر الرمال البيضاء أو السيليكا، أحد الثروات الطبيعية المصرية، وهي عبارة عن صخور رملية ناصعة البياض تتميز بدرجة نقاء عالية، وتحتوي على نسبة كبيرة من عنصر السيليكا، بنسبة تزيد على أكثر من 99%، وتتكون بشكل رئيس من حبيبات معدن الكوارتز.
ويعتبر الخبراء في مجال التكنولوجيا وتقنيات النانو الرمال البيضاء بمثابة "الذهب الأبيض" والألماس، إذ يُباع الطن الواحد منها بعد معالجته بأسعار تفوق سعر الذهب، وتدخل الرمال البيضاء في تطبيقات النانو تكنولوجي بعد تحويلها إلى صورة سائلة.
وتعد الرمال البيضاء المادة الخام الأساسية لإنتاج عنصر السيلكون، أحد المكونات الأساسية للتطور التكنولوجي العالمي، كما تدخل الرمال البيضاء في الصناعيات الحيوية، فهي المادة الأساسية لصناعة الخلايا الشمسية، والزجاج، والحراريات، والسيراميك، والخزف.
كما تدخل في صناعات متقدمة مثل رقائق السيليكون، والألياف الزجاجية، والعدسات البصرية، إضافة إلى إنتاج الإسمنت الأبيض، ورمل المسابك، والمرشحات، ودورها في صناعة المنظفات الصناعية، والمبيدات الحشرية، واستخدامها في حقول النفط، وفي قطاعات الرياضة والترفية والملاعب.
من 10 إلى 100 ألف دولار سعر طن منتجات الرمال البيضاء بعد إعادة تصنيعها
وتمتلك مصر أكثر من 20 مليار طن من خام الرمال البيضاء، ومع قرارات حظر التصدير تراجعت صادرات مصر من 45 مليونًا و 063 ألف دولار في عام 2023، إلى 30 مليونًا و433 ألفًا في عام 2024، إلى 5 ملايين و125 ألفًا في 2025.
وأصبح طن الرمال البيضاء يباع حاليًا لمنتجات من الزجاج تصل لـ1,000 دولار للطن، في الوقت الذي كان فيه يباع من 20 إلى 40 دولار في صورة خام أو ألواح شمسية ورقائق إليكترونية تتراوح أسعارهم بين 10 إلى 100 ألف للطن، بما يعادل أكثر من 5 ملايين جنيه مصري.

مصر تحذر من تصدير بعض أنواع الخردة والخامات وورق الدشت
وجددت مصر في الـ28 من مارس 2026 - على غرار خام الرمال البيضاء - قرار وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية رقم 77 لسنة 2026م، بشأن حظر تصدير بعض أنواع الخردة والخامات وورق الدشت.
وتضمن القرار بعض أنواع الخردة من خامات النحاس والرصاص والحديد والصلب والألمونيوم والزنك والورق، كما تعتبر الدولة الإفريقية هذه الخردة مادة استراتيجية لمصانع الحديد والنحاس والورق المحلية.
وأصدرت الحكومة المصرية في 2019، قرارًا يحمل رقم 39 لعام 2019، بحظر تصدير خام الفوسفات إلا عبر الشركة المصرية لتسويق الفوسفات والأسمدة، التابعة لوزارة البترول، لتعظيم القيمة المضافة، وزيادة العوائد الاقتصادية من تصدير الأسمدة، بدلًا من تصدير خام الفوسفات.
ويتراوح متوسط السعر العالمي لطن الفوسفات الخام من 160 إلى 180 دولار للطن في الوقت الذي يبلغ فيه متوسط سعر طن الأسمدة الفوسفاتية أكثر من 700 دولار للطن,
وتفرض الحكومة المصرية إجراءات مشددة ورسوم تصدير مرتفعة على خام الجرانيت والرخام في صورة بلوكات، لإجبار الشركات على تقطيعها وإعادة تصنيعها وصقلها قبل تصديرها، من أجل تعظيم أوجه الاستفادة منها، وتحقيق أرباح أكبر من تصديرها كمواد خام.

مصر تسعى للحفاظ على ثرواتها المعدنية من خلال تشديد إجراءات التصدير
الرمال البيضاء ومنتجات الخردة والفوسفات ليست وحدها الثروات والمعادن الطبيعية التي تسعي مصر لحمايتها وتعزيز قيمتها المضافة لدفع عجلة الاقتصاد المصري، فهناك توجه لدي الحكومة المصرية حاليًا للتأكيد على عدم تصدير الثروات والخامات المعدنية كمواد خام.
وأكد ما سبق رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفي مدبولي، عقب اجتماع الحكومة المصرية في الأسبوع الأول من مايو الحالي، قائلًا، “إنه يتم حاليًا إنشاء مصانع متخصصة لتحويل المواد الخام لصناعات كبيرة ذات قيمة اقتصادية أعلى للدولة، حيث تم البدء في إنشاء مصانع للعمل على خام الفوسفات وغيره من المواد الخام الأخرى”.
ويبدو من كل هذه القرارات والإجراءات، أن الدبلوماسية المصرية في القرارات الاقتصادية هي التي تدير الموقف، ففي الوقت الذي تتعارض المواثيق والاتفاقيات الدولية التي تشارك فيها مصر مع قرارات حظر التصدير، تسعى الأخيرة للحفاظ على ثرواتها المعدنية عبر تشديد إجراءات التصدير، أو فرض رسوم على صادرات المواد الخام.

مصر على خطى إندونيسيا في الحفاظ على ثرواتها الطبيعية
ويبدو للوهلة الأولى ذلك مخالفًا للنهج الذي سارت عليه التجربة الإندونيسية، إلا أنه وبالتمعن في نتائج مساعي كلا الدولتين، نجد النتيجة واحدة مع اختلاف الأسلوب، فكلاهما من حقهما الحفاظ على ثرواتهما الطبيعية، وجني عوائد اقتصادية تساعد اقتصاد الدولة على النهوض، بدلًا من تصدير مواد خام شحيحة الثمن.
ونجد أن إنفاق ميزانية الدولة على إعادة تصديرها مرة أخرى في صورة منتجات مصنعة، وترك كامل الربح لتلك الشركات في الخارج، سواءً تم الأمر بحظر التصدير، أو تشديد الرقابة وفرض الرسوم، إلا أن النتيجة واحدة ولكن المواثيق والاتفاقيات التجارية والدولية الموقعة من قبل كل دولة هي ما تحكمها في طريقة إدارة الملف، والقرار المعلن الذي ستتخذه.
وتأتي أهمية قرارات الحظر أو فرض الرسوم ليس فقط في تحقيق عوائد تصديره، بل في تشجيع وجذب رؤوس أموال أجنبية من الدول التي تسعى وراء الثروات المعدنية والطبيعية، للاستثمار داخل الدولة صاحبة الثروات، وإنشاء مناطق صناعية بجوار المواد الخام، ونقل تكنولوجيا التصنيع الحديثة، وتعظيم أوجه الاستفادة لكلا الطرفين، في محاولة مستقبلية لأن تقوم الدولة منفردة ببناء مصانعها، والحصول على صافي الربح بمفردها، إضافة للتحكم الكامل في إدارة مواردها الطبيعية.
اقرأ أيضًا:-
ثروات مدفونة تصنع النفوذ، السعودية ضمن أكبر 5 دول في امتلاك الموارد الطبيعية عالميًا
مشروعات الهيدروجين الأخضر باستثمارات تتعدى 10 مليارات دولار
Short Url
%73 من المتضررين يلومون تكلفة المعيشة.. تغير في خريطة استهلاك الأسر
15 يوليو 2026 11:26 ص
7.47 تريليون دولار أرباح قطاع الضيافة في 2025 والسعودية أكبر سوق في الشرق الأوسط
14 يوليو 2026 06:10 م
أكثر الكلمات انتشاراً