السبت، 18 يوليو 2026

06:10 م

محمد فؤاد يكتب: نادي أعداء التراكم

الأربعاء، 29 أبريل 2026 06:32 م

النائب محمد فؤاد عضو مجلس النواب

النائب محمد فؤاد عضو مجلس النواب

أبرز الإعلامي محمد الدسوقي رشدي مشكورا في برنامجه "هنا القاهرة" على قناة مودرن، مقالي الأخير المعنون بـ"أين ذهبت السردية الوطنية!"، وتحدث بشكل مهني عن متلازمة البدايات الجديدة، التي تعاني منها الدولة.

وعطفا على ما طرحه واتصالا بما كتبته سابقا، فالمشكلة ليست في أن الاقتصاد بلا رؤية، بل أن الرؤى لا تعيش طويلًا بما يكفي لتتحول إلى واقع، ففي كل مرة نعيد إنتاج نفس المشهد: خطة للصناعة، إطار لتحفيز الاستثمار، أطروحة لتوحيد الرسوم، الشباك الواحد، برنامج لزيادة الصادرات، تُبذل فيها جهود حقيقية، وتُصاغ بلغة مهنية، وتُعلن بأهداف طموحة، ثم قبل أن تبدأ دورة التنفيذ الكاملة، تنتقل الدولة إلى عنوان جديد، وكأن القيمة في الإعلان لا في التنفيذ والاستمرار.

في ملف الصناعة تحديدا، هذا النمط أصبح واضحًا إلى درجة يصعب تجاهلها، فخلال سنوات محدودة، تعاقبت تصورات متعددة بداية من خطة الصناعة قاطرة النمو للمهندس رشيد محمد رشيد، مرورا بالخطط الصناعية للدكتورة نيفين جامع ثم المهندس أحمد سمير ثم الخطة العاجلة للفريق كامل وزير، وفي كل مرة يتم تشخيص نفس التحديات متمثلة في فجوة العملة الأجنبية، وضعف سلاسل القيمة المحلية، ومحدودية الصادرات ذات القيمة المضافة، واختلال هيكل الحوافز.

كذلك في كل مرة تُطرح أدوات مشابهة، مثل دعم الصناعة، وتحسين بيئة الأعمال، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز دور القطاع الخاص، لكن ما لا يتكرر هو الاستمرار على نفس المسار، وبدء تنفيذه بمؤشرات قياس أداء واضحة، فللأسف تنتهي الخطط مع كل مسؤول يغادر منصبه ليبدأ من يليه من جديد، وهنا تحديدًا يتكسر التراكم.

فالاقتصاد بطبيعته تراكمي، لا يعمل بالقفزات القصيرة ولا بإعادة البداية، إذ تحتاج السياسات إلى وقت حتى تُختبر، وتحتاج إلى استقرار حتى تُقاس نتائجها، لكن عندما تتغير الأطر قبل أن تنضج، لا يمكن الحكم عليها بالنجاح أو الفشل، لأننا ببساطة لا نمنحها الفرصة.

المفارقة أن التجارب الدولية الناجحة تقدم نموذجًا معاكسًا تمامًا، ففي كوريا الجنوبية، لم تكن الاستراتيجية الصناعية وثيقة تُستبدل كل بضع سنوات، بل مسارًا ممتدًا بدأ منذ ستينيات القرن الماضي، تغيرت خلاله الحكومات، وتبدلت الأدوات، لكن الاتجاه العام ظل ثابتًا: التصنيع الموجه للتصدير، تعميق سلاسل القيمة، دعم الصناعات الاستراتيجية، حتى التحولات الكبرى، مثل الانتقال من الصناعات الخفيفة إلى الثقيلة ثم إلى التكنولوجيا المتقدمة، لم تكن قفزات منفصلة، بل امتدادًا طبيعيًا لمسار واحد.

وفي الصين، رغم ضخامة الاقتصاد وتعقيداته، نرى نفس الفكرة: استمرارية مع تطور، فمن «الإصلاح والانفتاح»، في أواخر السبعينيات، إلى سياسات توطين الصناعة، إلى مبادرات مثل «صنع في الصين 2025»، هناك خيط واضح يربط كل مرحلة بالأخرى، إذ لم يتم هدم ما سبق، بل البناء عليه، مع تعديل الأدوات وفق تغير الظروف.

حتى في ألمانيا، حيث الاقتصاد أكثر نضجًا واستقرارًا، نرى نموذجًا مختلفًا لكنه قائم على نفس المبدأ، فالقوة الصناعية الألمانية لم تُبْنَ عبر خطط متغيرة، بل عبر تراكم طويل في التعليم الفني، ودعم الشركات المتوسطة (Mittelstand)، واستقرار السياسات الصناعية لعقود، ولم تكن هناك حاجة لإعادة تعريف الصناعة كل بضع سنوات، لأن الإطار العام كان واضحًا ومستمرًا.

المشترك في هذه التجارب ليس التفاصيل، بل الفلسفة القائمة على أن الاستمرار أهم من الابتكار في العناوين.

في المقابل، حين ننظر إلى واقعنا، نجد أننا نتحرك بمنطق مغاير، فكل إطار جديد يُقدَّم كأنه بداية، لا امتداد ويتم التعامل مع ما سبق باعتباره مرحلة انتهت، لا قاعدة يُبنى عليها، ومع تكرار هذا النمط، لا تتشكل خبرة مؤسسية حقيقية، ولا تتراكم نتائج قابلة للقياس فنجد وزير التخطيط يبدأ من أول السطر متناسيا تراكما حقيقيا حدث، وكذا وزير الصناعة يستعين بمكتب استشاري عالمي كأنه سيقوم باختراع العجلة.. وغيرهم إلا من رحم ربي.

ولا يعني ذلك أن الخطط السابقة كانت بلا عيوب، فبالتأكيد قد تحتاج إلى مراجعة، وربما إلى تصحيح في المسار أو الأدوات، لكن الفرق بين المراجعة والاستبدال كبير، إذ تُبنى الأولى على ما تحقق، بينما الثانية تبدأ من الصفر، حتى لو بدت مختلفة في الشكل فقط.

والنتيجة لهذا النمط ليست فقط إهدار الجهد، بل فقدان الاتجاه، فالمستثمر لا يرى سياسة مستقرة يمكن الاعتماد عليها، والجهاز الإداري لا يطور أدوات تنفيذ متراكمة، والمجتمع يتعامل مع كل خطة جديدة بشيء من الحذر، لأنه لا يعرف إن كانت ستستمر أم لا.

والأهم أن نفس الأسئلة تُطرح في كل مرة: كيف نزيد الصادرات؟ كيف نعالج فجوة العملة؟ كيف ندعم الصناعة؟ وكأننا لم نناقشها من قبل, في حين أن الحقيقة أننا ناقشناها، لكننا لم نكمل المسار الذي كان يمكن أن يجيب عليها.

الأخطر هي حالة الكُفر بالعلم والتخطيط التي تتولد بسبب هذا العداء للتراكم، ليحل محلها البحث عن "مبادرات" مثل "المقايضة الكبرى" أو "التبرع لسداد الديون" وغيرها من "الشطحات" التي تترسخ من منطلق أننا جربنا ما في الصندوق فلم يفلح، فهيا نجرب أشياء تشبه الدجل والشعوذة الاقتصادية كبديل لما لم يتم تجربته بالأساس.

القضية إذن ليست في إنتاج خطة جديدة، بل في كسر هذه الدائرة، في الانتقال من ثقافة “الإطلاق” إلى ثقافة “الاستمرار”، وفي إدراك أن القيمة ليست في عدد الخطط أو الرؤية، بل في عدد المسارات التي نكملها حتى النهاية.  

لذا يصبح التخلص من عقدة عداء التراكم ضرورة، فاستكمال المسيرة ليس ضعف ونسب العمل لأهله يعلي من شأن المرء لا ينتقص منه، كما أن القيمة الحقيقية في بناء مكتمل لا في إرهاصات مستمرة، لأن الدول لا تتقدم عندما تكتب خططًا أفضل، بل عندما تلتزم بخطط كافية… لفترة كافية.

Short Url

search