الأحد، 19 يوليو 2026

04:04 م

مصر تنقذ التجارة العالمية، منصة لوجستية متكاملة وبديل آمن في أزمات الشرق الأوسط

الإثنين، 27 أبريل 2026 12:07 م

قناة السويس

قناة السويس

إيمان البصيلي

في عالم أصبح يعتمد بشكل شبه كامل على حركة الملاحة البحرية، تحولت المضايق والموانئ إلى “شرايين حياة” للاقتصاد والتجارة العالمية، تنقل عبرها أهم السلع الاستراتيجية مثل المواد البترولية، الحبوب، الفاكهة، والصناعات الثقيلة، إلا أنه مع أي توتر أو استهداف لهذه الممرات المائية بسبب توتر جيوسياسي أو صراع مسلح، تدخل التجارة العالمية في حالة ارتباك، وتبدأ رحلة البحث عن بدائل مكلفة لإنقاذ سلاسل الإمداد من الانهيار.

وتعتبر المضايق البحرية هي عنق الزجاجة في الملاحة البحرية، ويمر من خلالها مئات الآلاف من السفن المحملة بالبضائع.

ومع وجود اثنين من أكبر المضايق الدولية في منطقة الشرق الأوسط، وما شهدته المنطقة خلال العامين الماضيين من توترات وصراعات مسلحة، وحروب سواء في اليمن أو في إيران، أصبحت حركة الملاحة في مضيقي باب المندب وهرمز في أزمة، بصورة أدت للإغلاق الكلي في بعض الأيام ومنع مرور السفن، أو إنفاق الكثير من الأموال كرسوم تأمين المخاطر، أو رسوم عبور من هذه المضايق.

الشحن الجوي وسيلة الإنقاذ السريعة

وهنا كان الشحن الجوي في كثير من الأحيان هو وسيلة الإنقاذ السريعة للشحنات التجارية المعرضة للتلف، كالمحاصيل الزراعية والأدوية، وظهرت قيمة مصر الإقليمية والدولية في تشغيل ممراتها المائية وموانيها البحرية والجوية والبرية لتأمين استمرار سلاسل الإمداد للتجارة العالمية، وإنقاذ العالم من الأزمة والحفاظ ولو نسبيًا على مؤشرات التجارة العالمية من الانهيار، حتى لو شهد الربع الأول من 2026 نسبة انخفاض مقارنة بعام 2025.

عالميًا ارتفعت قيمة التجارة البحرية مع بداية عام 2026 بنسبة 4.6%، ونما حجمها بنسبة 2.5% خلال الفترة من ديسمبر 2025 حتى مارس 2026، إضافة إلى أن قيم الصادرات العالمية عبر البحار ارتفعت بنسبة 5.4%، متجاوزة نمو الواردات البالغ 3.8%، مقارنة بذات الفترة من عام 2025، ونمت كميات التصدير بنسبة 3.2% مقابل نمو بنسبة 1.7% للكميات المستوردة.

كما سجلت الأقمار الصناعية حركة الحاويات عالميًا وصول 74904 سفن، بينما بلغت ناقلات النفط 68741 ناقلة بحلول 17 أبريل، فيما بلغ عدد سفن الصب الجاف  50109 سفينة، وتعكس بيانات عام 2025 توازناً استراتيجيًا بوجود 271291 طلب رسو للحاويات مقابل 257334 لناقلات النفط والغاز عالميًا.

قناة السويس

ويعد مضيق تايوان الأكثر ازدحامًا بمتوسط سنوي يبلغ 88436 حركة عبور، يليه مضيق كوريا بـ 82118 حركة، وفي المركز السادس يقع مضيق جبل طارق بمتوسط 47.801 حركة، ثم مضيق هرمز في المركز الثامن بـ 34.006 حركة عبور، وفي المركز العاشر طريق رأس الرجاء الصالح بـ 21.531 حركة، وقناة السويس في المركز الحادي عشر بـ19.787 حركة، يليها في المركز الثاني عشر مضيق باب المندب بـ 19.306.

وتهيمن "المنتجات المعدنية" كأعلى صناعة متداولة في أغلب المضايق الكبرى مثل "هرمز" و"باب المندب" و"ملقا"، وتأتي "الصناعات الكيميائية" والمنتجات النباتية كعناصر ثانوية حاسمة في تشكيل خارطة التدفقات عبر هذه الممرات الضيقة.


توقعات بتراجع مؤشرات التجارة الدولية 

وتعتبر مضايق هرمز و باب المندب وممر قناة السويس ومضيق جبل طارق وطريق رأس الرجاء الصالح هي الشرايين الحيوية لحركة التجارة العالمية بين آسيا و أوروبا والأمريكيتين، وأي توقف أو تعطل نتيجة التقلبات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط تترجم سريعًا في حركة السفن والحاويات عبر هذه المضايق، ويظهر تأثيراتها على حركة التجارة العالمية سريعًا.

وبناءً على أحدث البيانات المتاحة من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" (UNCTAD) والتقارير الاقتصادية المحدثة لعام 2026، فإن إحصاءات التجارة الدولية من المتوقع أن تتباطأ بشكل حاد لتصل إلى ما بين 1.5% و2.5% في عام 2026 (بعد أن كان نحو 4.7% في 2025)، وذلك نتيجة للاضطرابات الجيوسياسية في ممرات التجارة الحيوية، مثل مضيق هرمز، في الوقت الذي تشهد "رقمنة التجارة" أو ما يعرف بـ (Servicification) طفرة كبيرة، حيث تنمو صادرات الخدمات بضعف سرعة تجارة السلع، وأصبحت الخدمات القابلة للتسليم رقميًا تمثل 56% من إجمالي صادرات الخدمات العالمية.

Main UN Trade and Development (UNCTAD) website


وفي تنبؤها للربع الأول من 2026 ومقارنته بالربع الرابع من 2025، أظهرت مؤشرات التجارة العالمية في السلع تراجعًا بنسبة 0.4% مقارنة بـ 0.8% في نهاية 2025، وتراجعت مؤشرات التجارة العالمية في الخدمات إلى 1.1% مقارنة بـ 1.4% في الربع الأخير من 2025، فيما استقر الناتج المحلي الإجمالي عند معدل 0.6% مقارنة بـ 0.7% في الربع الأخير من 2025.

وتعكس الأرقام نمو إجمالي في التجارة العالمية خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 0.5% في قطاع السلع والخدمات، ويعكس هذا الرقم حالة من الحذر في الأسواق العالمية نتيجة الضغوط التضخمية المستمرة وتكلفة التمويل، كما لا يزال قطاع الخدمات يتصدر المشهد ويحقق أداءً أفضل من قطاع السلع، بنسبة نمو تقدر بـ 1.1%، ويعتبر المحرك الرئيسي لهذا النمو هو الخدمات الرقمية والسياحة الدولية التي استعادت كامل قوتها.

وتظهر مؤشرات الأونكتاد تراجع الربع الأول في 2026 في زخم نمو تجارة السلع مقارنة بنهاية عام 2025، مع استمرار الخدمات كصمام أمان للاقتصاد العالمي، وتشير إلي أن التحدي الأكبر لهذا الربع يكمن في استقرار سلاسل التوريد وتكاليف النقل البحري التي لا تزال تتأثر بالظروف الجيوسياسية، ففي مضيق هرمز تراجعت عدد السفن المارة في المضيق بنسبة تفوق الـ90%، فقبل يوم 28 فبراير وبدء الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران كانت البيانات الملاحية تشير إلي مرور حوالى 130 سفينة من المضيق يوميًا، وبعد الحرب واشتعال الصراع في المنطقة، انخفضت معدلات مرور السفن وهبط لـ10 سفن أو أقل في اليوم الواحد، وفي فترات الهدنة وتوقف إطلاق النار ارتفعت المعدلات بشكل طفيف للتراوح من 20 إلى 45 حركة مرور للسفن يوميًا.

موانئ بحرية

الحرب ألقت بظلالها أيضًا على مضيق باب المندب، الذي كان يعاني منذ 2025 من تحول السفن عنه نتيجة لهجمات الحوثيين التي كانت تستهدف السفن التابعة لبعض الدول المعادية لها.

وحسب تقرير صادر عن هيئة قناة السويس، التي تعتبر الطريق المكمل لأى سفينة تدخل من باب المندب، فإن هناك 26 ألف سفينة عبرت من القناة خلال عام 2023، ولكن بحلول عام 2025 انخفض هذا الرقم إلى 12700 سفينة فقط، وهو التراجع الذي  أثبته أيضًا موقع إدارة معلومات الطاقة الأمريكي، والذي قال أن حجم النفط الخام وسوائل البترول المنقولة عبر مضيق باب المندب في 2023 بلغ 9.3 مليون برميل يوميًا في حين بلغ خلال النصف الأول من 2025 حوالى 4.2 مليون برميل في اليوم.

U.S. Energy Information Administration


ومع دخول حرب الولايات المتحدة الأمريكية وإيران تضاعف التأثير على حركة السفن في المضيق، خاصة بعد أن هددت إيران باستهدافه.

وفي شهر فبراير "قبل الحرب "سجلت التقارير الملاحية عبور حوالى 20 إلى 25 سفينة يوميًا، وهو تراجع كبير في المعدلات الطبيعية للمضيق، ولكن مع اشتعال الصراع في المنطقة تراجعت أيضًا الحركة بنسبة 12% إلى 15%، فخلال شهري مارس وإبريل سجلت حركة المرور اليومية حوالى 15 إلي 20 سفينة يوميًا.

ورغم تأثيرات الحروب والصراع في المنطقة وعلى المضايق، إلا أن قناة السويس استمرت في تقديم خدماتها حتى مع انخفاض حركة مرور السفن خلال فترات الصراع لما يقرب من الـ50%، فبعد أن سجلت أعلى معدل تاريخي لها في عام 2023 بمعدل مرور 26 ألف و 434 سفينة هبط المعدل ليصل إلى حوالى 13 ألف سفينة خلال عام 2025، وفق ما تشير إليه صور الأقمار الصناعية فإن المتوسط السنوي لحركة عبور السفن من القناة يبلغ 19 ألف سفينة سنويًا.

هل يصبح الشحن الجوي بديل للشحن البحري

أزمات المضايق والممرات المائية ترفع الطلب على النقل الجوي لـ 11.2% 

ومع كل هذه الانخفاضات نجد أن معدلات التجارة العالمية وحركة مرور السفن عبر المضايق خاصة في إقليم الشرق الأوسط باتت في أزمة، وهو ما دفع بعض الدول لدفع فواتير تأمين عالية من أجل المرور من المضايق التي تشهد الصراع، أو البحث عن طرق بديلة مثل طريق رأس الرجاء الصالح الذي سجل 21,531 حركة عبور خلال عام 2025، ولجأت الدول إلى الدوران حول قارة إفريقيا، وهو ما يكلفها المزيد من الوقت والمال وتلف بعض مواد التجارة التي لا تحتمل البقاء كل هذه الفترة في الطريق، مثل المحاصيل الزراعية من الخضر والفاكهة وغيرها من السلع التي لها صلاحية افتراضية كالأدوية ومعدات التكنولوجيا، وهنا برز دور الشحن الجوي وأهميته في إنقاذ بعض الشحنات في حالات زيادة التوترات وإغلاق الممرات المائية، وهو ما أدي إلي ارتفاع الطلب العالمي على الشحن الجوي بنسبة 11.2% مقارنة بشهر فبراير من العام السابق، وهذا وفقًا لتقرير "اتحاد النقل الجوي الدولي" (IATA) حول أداء سوق الشحن الجوي العالمي لشهر فبراير 2026.

الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) 

وأشار التقرير إلى أن السعة الاستيعابية للشحن زادت بنسبة بنسبة 8.5%، وأن الطائرات كانت أكثر وكفاءة في نقل البضائع خاصة مع وجود نسبة عجز بين السعة المتاحة ومعدل النمو المتزايد، وأشار التقرير إلي أن أفريقيا كانت الأسرع نموًا في العالم بنسبة بلغت 21.0%، تلاها الشرق الأوسط الذي حقق نموًا قويًا  جدًا بنسبة 16.5%، مدعومًا بموقع المنطقة كمركز ترانزيت عالمي، ثم آسيا والمحيط الهادئ والذي نمت تجارة الشحن الجوي فيه بنسبة 13.6% بفضل النشاط التصنيعي.

ويأتي هذا رغم ارتفاع أسعار وقود الطائرات بنسبة شهرية نحو 6% نتيجة التوترات الجيوسياسية وبعض الانقطاعات في المصافي، مما يضغط على تكاليف شركات الطيران، ومع ذلك ارتفعت عوائد الشحن بنسبة 6.6%، وهو أول ارتفاع يسجله السوق بعد 11 شهرًا من الانخفاض، وهو ما يشير إلى تحسن ربحية هذا القطاع خلال هذه الفترة، مع تأكيد التقرير على أن استمرار التوترات في منطقة الشرق الأوسط  قد يؤثر على التوقعات الخاصة ببقية العام، مما يجعل الرؤية المستقبلية غير واضحة تمامًا، رغم البداية القوية التي شهدها قطاع الشحن الجوي مع بداية العام.

 

موانئ مصر: حائط الصد الأخير لاستقرار الاقتصاد العالمي

وتعتبر مصر بموقعها الإقليمي، وإطلالاتها على البحر الأحمر والمتوسط، والموانئ المنتشرة عليهما كميناء الإسكندرية الذي اعتبر وفق صور الأقمار الصناعية في تقرير موقع "أرقام" كأهم نقاط الانطلاق المغذية لحركة السفن نحو الموانئ العالمية الكبرى، بالإضافة إلى ممر قناة السويس  المحور الإستراتيجي والذي وقع في المركز الـ11 عالميًا بتسجيل 19787 حركة عبور سنويًا رغم كل التوترات التي تعيشها المنطقة والصرعات في إيران والخليج العربي واليمن وحتي في فلسطين، إلا أن حركة الملاحة والتوسع وإنشاء مناطق صناعية ولوجستية على ضفاف الممر مازالت قائمة ومستمرة في عملها.

الشحن الجوي

ومع وجود ميناء القاهرة الجوي على مسافة قريبة من كل هذه الموانئ والمناطق اللوجستية، وببنيته التحتية الهائلة المتمثلة في قرية البضائع، باتت مصر بديلًا استراتيجيًا جيدًا للكثير من شحنات التجارة الدولية، وأصبح مطار القاهرة جسرًا جويًا في حالة توقف وتعطل الممرات البحرية، حيث لجأت الكثير من الدول إلى إنقاذ شحناتها بعد التوقف في المضائق، والرسو في قناة السويس وأستكمال الرحلات عبر الشحن الجوي، حتى لو تكلف ذلك بعض الرسوم الإضافية، ولكنه سيعد اختصارًا للوقت، وإنقاذًا للبضائع من التلف، فبات التوجه العالمي الحالى هو الدمج بين الشحن البحري والجوي لتفادي وتقليل المخاطر الجيوسياسية.

ولكن الدمج بين الشحن البحري والجوي لا ينفع في كل الحالات مثل حالات نقل "سلع الصب" كالمعادن والحبوب التي تهيمن على حركة المضائق، ولكن مع الأزمات الجيوسيسية أصبح الشحن الجوي هو صمام الأمان لضمان استمرار سلاسل التوريد.

وفي حالات نقل السلع الصب يبرز دور قناة السويس الشريان المستمر في عمله رغم التوترات، والأسرع في الربط بين الشرق والغرب، واختصار الوقت بدلًا من طريق رأس الرجاء الصالح، في حل الأزمة بموانئ كبيرة مثل ميناء الإسكندرية وموانئ شرق بورسعيد والسخنة واللتان تعملان كظهير لوجستي لقناة السويس، ويمكنه تقديم مختلف الخدمات لسفن الشحن، وإيصال البضائع بسلامة بعيدًا عن مناطق الصراع، فمصر هي الدولة الوحيدة التي توفر ربطًا بحريًا وجويًا وبريًا متكاملاً، وهو ما يجعلها منطقة آمنه لسلاسل التوريد، فلم تعد مصر مجرد ممر مائي بل أصبحت منصة لوجستية متكاملة تستطيع امتصاص صدمات التجارة العالمية، وتأمين وصول شحنات البضائع، وضمان استمرار سلاسل الإمداد لإفريقيا وأوروبا وأسيا على حد سواء، خاصة التأمين والمزايا التي تمنحها هيئة قناة السويس للسفن المارة.

اقرأ أيضًا:

4 ملايين برميل نفط سعودي في مرمى أزمة باب المندب، هل تنجح الرياض في تحييد التهديدات؟

الرئيس السيسي يؤكد على عودة الملاحة في منطقة مضيق باب المندب والبحر الأحمر

أسامة ربيع: هيئة قناة السويس تقدم تخفيضات 15% للسفن وندرس منح حوافز أخرى

Short Url

search