الثلاثاء، 17 فبراير 2026

01:48 ص

لماذا يعد تبني الذكاء الاصطناعي في البنوك مشكلةً تنظيمية أكثر منه تقنية؟

الثلاثاء، 17 فبراير 2026 12:13 ص

الذكاء الاصطناعي والبنوك

الذكاء الاصطناعي والبنوك

في الوقت الذي تتسارع فيه قدرات الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، تجد البنوك نفسها أمام مفارقة ملفتة فالتكنولوجيا جاهزة بل ومتقدمة، لكن العائد المؤسسي الشامل لا يزال دون الطموح.

ولم تعد المشكلة في “ما الذي يستطيع الذكاء الاصطناعي فعله؟”، بل في “كيف ندخله إلى صميم طريقة عمل البنك؟”.

ولايزال الذكاء الاصطناعي مشروعًا تجريبيًا داخل القطاع المصرفي، واليوم تستخدم النماذج المتقدمة في تقييم الجدارة الائتمانية، ورصد الاحتيال لحظيًا، وتخصيص العروض للعملاء، وأتمتة العمليات التشغيلية المعقدة.

ومع ذلك، يبقى التطبيق غير متكافئ بين الإدارات، والاعتماد متفاوةٌ بين الموظفين، والاندماج مع النظم القديمة بطيئًا ومكلفًا تنظيميًا.

 

من أداة إضافية إلى بنية تحتية

وتاريخيًا، استثمرت البنوك في تقنيات تأسيسية كبرى، وهي الأنظمة مصرفية مركزية، ومنصات المدفوعات، ومحركات التداول، واليوم، يدخل الذكاء الاصطناعي هذه الفئة، لا كأداةٍ داعمةٍ، بل كبنية تحتية أفقية تخترق جميع الوظائف.

ويتمثل التحول الأبرز في الانتقال من البحث إلى التنفيذ، فلم يعد الموظف يسأل النظام عن معلومة فحسب، لكن يطلب منه تنفيذ إجراء:- (بدء خطوة امتثال، تفسير ارتفاع مفاجئ في حجم المعاملات، أو توجيه طلب داخلي عبر مسار معتمد).

وهنا يظهر مفهوم المنسق الذكي (AI Orchestrator)، والذي يعتبر واجهة موحدة يتفاعل معها الموظف، وتدير خلف الكواليس شبكة من وكلاء فرعيين متخصصين في الموارد البشرية والمخاطر والعمليات أو خدمة العملاء.

وتقنيًا، هذا التحول ممكن، وقد بلغت البنية السحابية، وأدوات إدارة البيانات، ونماذج اللغة الكبيرة مستوى نضج يسمح بالتوسع السريع، لكن العائق الفعلي يكمن في التنظيم الداخلي، سواءً عن طريق بطء اتخاذ القرار، وغموض ملكية العمليات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، وضعف ثقة الموظفين في استخدام الأدوات الجديدة، أو الحاجة إلى إعادة تصميم العمليات من جذورها.

 

فجوة بين الإمكانات والتنظيم

وتكمن المشكلة الجوهرية في أن التكنولوجيا تتقدم أسرع من قدرة المؤسسات على التكيف معها، ومعظم البنوك تمتلك الآن:-

  • منصات بيانات قابلة للتوسع.
  • بيئات ذكاء اصطناعي على مستوى المؤسسات.
  • ضوابط أمن وهوية متقدمة.
  • أدوات تدعم أنظمة قائمة على الأحداث والوكلاء الذكيين.

لكن ما ينقصها هو نموذج تشغيلٍ واضح، وعمليات معاد تصميمها، وثقافة مؤسسية تعتبر الذكاء الاصطناعي جزءًا من العمل اليومي لا تجربة جانبية.

 

نماذج تشغيل متباينة ولا وصفة واحدة للجميع

تتجه البنوك نحو ثلاثة نماذج تنظيمية رئيسية لتبني الذكاء الاصطناعي:

  • النموذج المركزي:- ففريق واحد يتحكم في التطوير والحوكمة، ويحقق انضباطًا عاليًا لكنه قد يبطئ الابتكار.
  • النموذج الهجين (الموحد/اللامركزي جزئيًا):- مركز تميز يضع المعايير، بينما تنفذ وحدات الأعمال مبادراتها، ويوازن بين السرعة والرقابة.
  • النموذج اللامركزي: حرية واسعة للفرق ضمن إرشادات عامة، يعزز الابتكار لكنه يهدد بالازدواجية وضعف الاتساق.

ولا يمثل الاختيار مسألة أفضلية مطلقة، بل مسألة اتساق داخلي، والسؤال الحاسم: من يملك القرار؟ ومن يتحمل المخاطر؟ وكيف تنتقل الفكرة من المختبر إلى الإنتاج، دون أن تفقد زخمها أو تخترق ضوابط الامتثال؟.

 

رأس المال البشري هو ساحة المعركة الحقيقية

واقتصاديًا، فأي تحول تقني واسع النطاق هو في جوهره عملية إدارة تغيير، والموظفون يحتاجون إلى وضوح القواعد، وتدريب عملي مرتبط بمهامهم اليومية، ورسائل قيادية، تؤكد أن الذكاء الاصطناعي أداة تمكين لا تهديد.

ولا تتعامل الممؤسسات التي تنجح مع الذكاء الاصطناعي كمشروعٍ تقني، بل كمبادرةٍ ثقافية وتنظيمية، وحين يرى الموظف أن الأداة تقلل الأعمال الروتينية وتمنحه وقتًا للمهام ذات القيمة الأعلى، يتحول القلق إلى تبنٍ فعلي.

 

من خفض التكاليف إلى مضاعفة القدرة

وفي بيئة تتسم بضغط هوامش الربح وتقلب أسعار الفائدة، من الطبيعي أن يتم النظر إلى الذكاء الاصطناعي كأداة كفاءة، وبالفعل تحقق البنوك مكاسب في سرعة معالجة القروض، وأتمتة الوثائق وتحسين خدمة العملاء.

وتكمن القيمة الاستراتيجية الحقيقية في توسيع القدرة الإنتاجية دون زيادة متناسبة في التكاليف، وأي تحقيق نمو غير خطي مثل:- (خدمة عدد أكبر من العملاء، وإطلاق منتجات أسرع، وتحسين التجربة دون تضخم قاعدة التكاليف)، وهنا يتجاوز الذكاء الاصطناعي دوره كأداة تقشف، ليصبح رافعة تنافسية طويلة الأمد.

 

نافذة زمنية ضيقة

وستحدد السنوات القليلة المقبلة شكل البنية التحتية للقطاع المالي لعقدٍ كاملٍ، والقرارات المتعلقة بنموذج التشغيل، والحوكمة، كما أن الاستثمار في البنية الوكيلة (Agentic Architecture) ستحدد من سيقود السوق ومن سيلحق به.

الخلاصة التي يتفق عليها قادة الصناعة واضحة، وهي أن الذكاء الاصطناعي، لن يستبدل المصرفيين، لكن المصرفيين الذين يستخدمونه سيستبدلون من لا يستخدمونه.

وفي نهاية المطاف، لم يعد السؤال تقنيًا، فالتكنولوجيا قوية بما يكفي، والتحدي الحقيقي هو ما إذا كانت المؤسسة مستعدة لإعادة تنظيم نفسها حول هذه القوة. 

ولن تكتفي البنوك التي تدرك ذلك بنشر أدوات ذكاء اصطناعي، بل ستعيد بناء نفسها، لتصبح مؤسساتٍ قادرةٍ على العمل في عصر تدار فيه العمليات عبر الخوارزميات، بينما يتركز الدور البشري في الحكم الاستراتيجي وبناء الثقة.

وهنا يكمن جوهر التحول، ليس إحلال الآلة محل الإنسان، بل إعادة تعريف العلاقة بينهما، بحيث تصبح الآلة مسؤولة عن ما تجيده، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على ما لا تستطيع الآلة محاكاته، الفهم العميق، والقرار الأخلاقي، وبناء الثقة المستدامة في النظام المالي.

 

اقرأ أيضًا:-

الذكاء الاصطناعي يهيمن على الإنترنت ويقتحم خصوصية المستخدمين

Short Url

search