الإثنين، 16 فبراير 2026

01:32 ص

مصطفى أحمد يكتب: لماذا لا تكفي نظرية الاحتياجات لتحقيق أعلى إنتاجية في الشركات؟

الأحد، 15 فبراير 2026 12:25 م

مصطفى أحمد

مصطفى أحمد

منذ أن طرح عالم النفس الأمريكي Abraham Maslow نظريته حول تدرّج الاحتياجات الإنسانية في أربعينيات القرن الماضي، أصبح ما يُعرف بـ«هرم ماسلو» أحد أكثر النماذج حضورًا في أدبيات الإدارة والموارد البشرية.

تحوّل النموذج إلى مرجعية شبه بديهية: أشبع احتياجات الموظف الأساسية، وفّر له الأمان، عزّز انتماءه، امنحه التقدير، ثم ساعده على تحقيق ذاته وستحصل على أعلى إنتاجية ممكنة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم، هل يكفي هذا التصور لضمان أداء مؤسسي متميز في بيئة عمل شديدة التعقيد والتغير؟

بين الإشباع والتحفيز، لا شك أن تلبية الاحتياجات الأساسية تمثل قاعدة ضرورية لأي علاقة عمل صحية. فالأجر العادل يمنع الاستياء، والأمان الوظيفي يقلل القلق، والبيئة التنظيمية السليمة تعزز الرضا.

غير أن الرضا لا يعني بالضرورة الحماس، والاستقرار لا يعني التفوق، والإشباع لا يصنع بالضرورة الإبداع.

الواقع العملي يكشف أن مؤسسات عديدة توفّر مستويات مرتفعة من المزايا والرواتب والاستقرار، ومع ذلك تعاني من ضعف المبادرة، وانخفاض الابتكار، وارتفاع معدل الدوران الوظيفي، المشكلة هنا ليست في غياب الاحتياجات الأساسية، بل في غياب المعنى، والعدالة، والتحدي.

الإنتاجية منظومة وليست طبقة في هرم

الإنتاجية العالية لا تتحقق فقط عبر تلبية دوافع نفسية، بل عبر منظومة متكاملة تشمل وضوح الأهداف، وعدالة أنظمة التقييم، وكفاءة القيادة، وثقافة المساءلة، وتصميم الوظائف بصورة تحقق التوازن بين المسؤولية والتمكين.

هرم ماسلو يقدّم تفسيرًا عامًا لدوافع الإنسان، لكنه لا يقدّم نموذجًا إداريًا متكاملاً لإدارة الأداء المؤسسي. الاعتماد عليه كمرجعية وحيدة قد يؤدي إلى تبسيط مخلّ لطبيعة السلوك البشري داخل المنظمات.

الإنسان ليس سلّمًا هندسيًا،  هو أحد أبرز الانتقادات العملية لتطبيق الهرم داخل بيئة الأعمال هو افتراض أن الأفراد يتحركون تدريجيًا من مستوى إلى آخر بصورة خطية.

إلا أن الواقع يظهر أن الموظف قد يبحث عن معنى يتجاوز العائد المادي، وقد يفضّل الاستقرار على الترقية، وقد يغامر بالأمان من أجل فكرة يؤمن بها. الدوافع الإنسانية ليست درجات ثابتة، بل شبكة متداخلة تتغير بتغير المرحلة والسياق والظروف.

ماذا يحدث إذا وضعت الشركات هرم الاحتياجات في المقام الأول؟

قد تنجح المؤسسات في تحقيق رضا أعلى وتقليل الشكاوى، لكن ذلك لا يضمن بالضرورة تحقيق أعلى مستويات الإنتاجية أو الابتكار أو الالتزام طويل المدى.

الأداء الاستثنائي يحتاج إلى أكثر من إشباع احتياجات؛ يحتاج إلى رؤية واضحة، وثقافة تحفّز الإنجاز، وقيادة قادرة على إشعال الطموح لا مجرد إدارة الاستقرار.

خلاصة القول، هو أن هرم ماسلو ليس خدعة، لكنه أيضًا ليس وصفة سحرية. هو إطار لفهم الإنسان، لا استراتيجية كاملة لإدارة المنظمات.

الشركات التي تكتفي بإشباع الاحتياجات تبني بيئة مريحة، أما الشركات التي تفهم تعقيد الدوافع وتبني منظومة عادلة ومحفزة، فهي التي تصنع بيئة عظيمة.

والفرق بين مؤسسة جيدة وأخرى استثنائية لا يكمن فقط في تلبية الاحتياجات، بل في القدرة على تحويل العمل من وظيفة إلى رسالة، ومن راتب إلى قيمة

Short Url

search