الإثنين، 16 فبراير 2026

01:32 ص

نوران الرجال تكتب: تحيا مصر 2 تعيد رسم خريطة دمياط اللوجستية

الأحد، 15 فبراير 2026 11:26 ص

الباحثة اللوجستية نوران الرجال

الباحثة اللوجستية نوران الرجال

افتتاح محطة "تحيا مصر 2" في ميناء دمياط خطوة أراها كمحلل لوجستي تطورًا طبيعيًا في مسار تحديث الموانئ المصرية، لكنها في الوقت نفسه نقلة نوعية حقيقية. الفكرة ليست فقط إضافة رصيف جديد أو ساحة تداول أكبر، بل خلق قدرة تشغيلية مختلفة تمامًا عما كان متاحًا سابقًا. أي ميناء يريد أن ينافس اليوم يجب أن يعمل بسرعة، بدقة، وبمرونة عالية، ومحطة مثل هذه تعني ببساطة أن دمياط يدخل مرحلة جديدة من حيث الطاقة الاستيعابية وكفاءة المناولة.

الأهمية هنا تظهر في التفاصيل، زمن بقاء السفينة على الرصيف، سرعة تداول الحاويات، انتظام الجداول الملاحية، كلها عوامل تحسم قرار الخط الملاحي في اختيار الميناء، كلما قلّ زمن الانتظار، زادت جاذبية الميناء، في سلاسل الإمداد الحديثة لا يوجد ما يسمى "وقت فائض"، وأي تأخير ينعكس مباشرة على تكلفة الشحنة، لذلك وجود محطة حديثة بإمكانيات متطورة يعني خفض التكلفة غير المباشرة على المصدرين والمستوردين، حتى لو لم يلاحظوا ذلك بشكل مباشر في البداية.

موقع دمياط أصلًا ميزة تنافسية، قريب من خطوط الملاحة الرئيسية وقناة السويس، وبالتالي أي تطوير في هذا الموقع يضاعف أثره، نحن لا نتحدث عن ميناء محلي يخدم محافظة بعينها، بل عن نقطة ارتكاز يمكن أن تخدم تجارة عابرة (ترانزيت) وتكون حلقة ضمن شبكة إقليمية أوسع. إذا أُديرت المحطة بكفاءة، يمكن أن تجذب أحجام تداول أكبر من الحاويات المارة، وهذا يرفع ترتيب الميناء إقليميًا ويزيد من حصته السوقية.

هناك جانب آخر مهم، وهو التكامل مع النقل البري والسككي. الميناء وحده لا يصنع منظومة لوجستية متكاملة، السؤال الحقيقي دائمًا: هل ستخرج الحاويات بسرعة من الميناء إلى المناطق الصناعية؟ هل توجد سعات كافية للنقل الداخلي؟ إذا تزامن تطوير المحطة مع تحسين الربط الداخلي، فهنا تظهر القيمة الحقيقية، لأن الميناء يصبح جزءًا من شبكة فعالة وليس نقطة اختناق جديدة.

اقتصاديًا، المشاريع من هذا النوع تعطي رسالة واضحة للمستثمرين بأن هناك اهتمامًا حقيقيًا بالبنية التحتية، المستثمر الصناعي أو التجاري يهتم كثيرًا بقدرة الدولة على نقل بضائعه بكفاءة، عندما يرى محطة حديثة وإدارة تشغيل متطورة، يشعر بثقة أكبر في ضخ استثمارات طويلة الأجل، لأن اللوجستيات تمثل عنصرًا حاسمًا في حساباته.

كذلك، تنويع الطاقة التشغيلية بين أكثر من ميناء يقلل المخاطر. العالم شهد في السنوات الأخيرة أزمات سلاسل إمداد غير متوقعة، وأي دولة تعتمد على ميناء واحد بشكل رئيسي تكون أكثر عرضة للاختناقات، وجود محطة إضافية متطورة في دمياط يخلق مرونة أكبر في توزيع الحركة البحرية ويخفف الضغط عن موانئ أخرى.

من وجهة نظري، التحدي الأكبر ليس في الافتتاح نفسه، بل في الاستمرارية. الحفاظ على مستوى تشغيل عالٍ، جذب خطوط ملاحية كبرى، تطوير العنصر البشري، وضمان الصيانة الدورية للمعدات، كلها عناصر ستحدد مدى نجاح المشروع على المدى الطويل. البنية التحتية وحدها لا تكفي، ما يصنع الفارق فعلًا هو جودة الإدارة وكفاءة التشغيل.

بشكل عام، أرى أن "تحيا مصر 2" خطوة في الاتجاه الصحيح. إذا استُثمرت الإمكانيات الجديدة بالشكل الأمثل، يمكن أن تتحول دمياط إلى محور مهم في خريطة التجارة بالمنطقة، وأن تسهم في خفض تكلفة النقل، دعم الصادرات، وتحسين موقع مصر اللوجستي إقليميًا. الأمر الآن يتوقف على كيفية البناء فوق هذه الخطوة وتحويلها إلى قصة نجاح مستدامة.

Short Url

search