الجمعة، 13 فبراير 2026

12:51 ص

شيماء وجيه تكتب: السياسة النقدية المصرية تدخل مرحلة التيسير النقدي

الخميس، 12 فبراير 2026 07:49 م

شيماء وجيه

شيماء وجيه

بقلم شيماء وجيه

تشهد السياسة النقدية المصرية تحولًا نوعيًا يعكس انتقالًا محسوبًا من مرحلة التشديد التي فرضتها الضغوط التضخمية العالمية والمحلية، إلى مرحلة أكثر مرونة تستهدف إعادة تنشيط الدورة الاقتصادية دون الإخلال بمكتسبات الاستقرار النقدي، فالتحرك الأخير الذي جمع بين خفض أسعار العائد الأساسية وخفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي يعكس رؤية استراتيجية متكاملة لإدارة التوازن بين دعم النمو الاقتصادي واستدامة المسار النزولي للتضخم، وهو ما يؤكد أن  السياسة النقدية تتحرك وفق منهج استباقي يعتمد على قراءة دقيقة لمعادلة المخاطر والعوائد في الاقتصاد الكلي.

التيسير النقدي كإعادة ضبط هيكلية للأوضاع المالية

يأتي خفض أسعار العائد الأساسية في سياق إعادة مسار السياسة النقدية بما يتناسب مع تحسن المؤشرات الاقتصادية الكلية، حيث لم يعد الهدف الأساسي يتمثل في كبح التضخم فقط، بل أصبح يرتبط بإدارة دورة اقتصادية أكثر توازنًا ويعكس هذا التحرك إدراكًا بأن استمرار مستويات الفائدة المرتفعة لفترة طويلة قد يؤدي إلى إبطاء معدلات الاستثمار والإنتاج، وهو ما قد يحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو مستدامة ومن ثم، فإن خفض الفائدة بواقع 100 نقطة أساس يمثل إشارة إلى أن السياسة النقدية بدأت تتجه نحو تحفيز النشاط الاقتصادي، مع الحفاظ على إطار متحفظ يمنع حدوث توسع نقدي مفرط.

كما أن هذا القرار يعكس تحسنا في تقييم المخاطر التضخمية، خاصة في ظل التراجع الواضح في معدلات التضخم العام والأساسي، وهو ما يعزز الثقة في قدرة الاقتصاد على امتصاص آثار التيسير النقدي دون الدخول في موجات تضخمية جديدة ويبرز هنا التحول في فلسفة السياسة النقدية من الاعتماد على أدوات الانكماش القوية إلى تبني أدوات أكثر مرونة تستهدف الحفاظ على استدامة النمو الاقتصادي.

خفض الاحتياطي الإلزامي و إعادة تنشيط قنوات انتقال السياسة النقدية

يمثل خفض نسبة الاحتياطي النقدي الإلزامي خطوة مكملة لقرار خفض أسعار الفائدة، إذ يستهدف تعزيز فعالية انتقال أثر السياسة النقدية إلى القطاع المصرفي والاقتصاد الحقيقي. فالاحتياطي الإلزامي يعد أحد الأدوات الكمية التي تتحكم في مستويات السيولة داخل الجهاز المصرفي، وخفضه يعني تحرير جزء من الأموال المجمدة لدى البنك المركزي، بما يمنح البنوك قدرة أكبر على توجيه التمويلات إلى القطاعات الإنتاجية والاستثمارية.
ويعكس هذا التوجه إدراكا بأن تعزيز السيولة داخل القطاع المصرفي يمثل عنصرًا محوريًا في تحفيز النشاط الاقتصادي، خاصة في ظل حاجة الاقتصاد إلى دعم التمويل الموجه للمشروعات الصناعية والسياحية والتكنولوجية التي أصبحت تمثل محركات رئيسية للنمو ، كما أن تقليل نسبة الاحتياطي الإلزامي يسهم في تحسين كفاءة توظيف الموارد المالية داخل البنوك، ويخفض التكلفة الهيكلية للأموال، وهو ما قد ينعكس إيجابيا على أسعار الإقراض ويعزز تنافسية القطاع المصرفي.

تراجع التضخم يمثل قاعدة انطلاق لمرحلة نقدية أكثر مرونة

ان التحسن الملحوظ في معدلات التضخم يمثل الركيزة الأساسية التي استندت إليها قرارات التيسير النقدي الأخيرة ، فقد شهد الاقتصاد المصري تحولًا تدريجيًا في اتجاهات الأسعار، مدفوعًا بانخفاض تضخم السلع الغذائية وتحسن استقرار سعر الصرف، إلى جانب استمرار احتواء الطلب المحلي نتيجة السياسات النقدية التقييدية التي طبقت خلال الفترات السابقة.

ويشير هذا التراجع واسع النطاق في معدلات التضخم إلى أن الاقتصاد بدأ يستعيد توازنه تدريجيًا بعد موجات التضخم الحادة التي شهدها خلال السنوات الماضية، كما يعكس تحسن توقعات التضخم لدى الأسواق، وهو عنصر بالغ الأهمية في استقرار الأسعار على المدى المتوسط ومع ذلك، فإن المسار النزولي للتضخم لا يزال يتسم بالحذر، خاصة في ظل استمرار الضغوط المرتبطة بتضخم الخدمات والسلع غير الغذائية، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بالمتغيرات العالمية والتوترات الجيوسياسية.

النمو الاقتصادي واستيعاب الطاقات الإنتاجية

تؤكد مؤشرات الأداء الاقتصادي إلى أن الاقتصاد المصري يسير في مسار نمو إيجابي مدعوم بتوسع قطاعات الصناعات التحويلية والسياحة والاتصالات، وهو ما يعكس تنوعًا متزايدًا في مصادر النمو الاقتصادي. ورغم ذلك، لا يزال الناتج المحلي يعمل دون طاقته الإنتاجية القصوى، وهو ما يمنح السياسة النقدية مساحة للتحرك نحو التيسير دون خلق ضغوط تضخمية قوية من جانب الطلب.

ويعزز هذا الوضع من أهمية القرارات الأخيرة التي تستهدف تنشيط الاستثمار وزيادة معدلات التشغيل، حيث إن توسيع قاعدة التمويل المصرفي يمكن أن يسهم في رفع معدلات الإنتاج وتحسين كفاءة استخدام الموارد الاقتصادية، وهو ما ينعكس بدوره على تعزيز الاستقرار الاقتصادي الكلي.

الأبعاد العالمية وتأثيرها على التوجه النقدي المصري

لا يمكن فصل القرارات النقدية الأخيرة عن السياق الاقتصادي العالمي، حيث تشهد العديد من البنوك المركزية تحولًا تدريجيًا نحو التيسير النقدي الحذر بعد موجات التشديد التي فرضتها الضغوط التضخمية العالمية. كما أن استقرار أسعار الطاقة نسبيًا وتراجع اضطرابات سلاسل الإمداد أسهما في تخفيف الضغوط التضخمية العالمية، و هو ما أتاح مساحة أكبر للدول الناشئة لإعادة ضبط سياساتها النقدية، غير أن استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية واحتمالات التغير في السياسات التجارية الدولية، يفرض على صانع السياسة النقدية المصرية الحفاظ على نهج مرن يعتمد على التقييم المستمر للمخاطر الاقتصادية والمالية.

التحول الي سياسة نقدية قائمة على إدارة التوازن الاقتصادي

تعكس القرارات الأخيرة انتقال السياسة النقدية المصرية إلى مرحلة أكثر نضجًا تعتمد على إدارة التوازن بين استقرار الأسعار وتحفيز النمو الاقتصادي فالتحرك المزدوج لخفض أسعار الفائدة وتقليل الاحتياطي الإلزامي يمثل نموذجًا لتكامل الأدوات النقدية الكمية والسعرية لتحقيق أهداف السياسة النقدية بصورة أكثر كفاءة ويؤكد هذا التوجه أن المرحلة المقبلة ستشهد استمرار نهج التيسير النقدي المشروط بسلامة المسار التضخمي واستقرار الأوضاع الاقتصادية الكلية، وهو ما يعزز قدرة الاقتصاد المصري على تحقيق نمو مستدام قائم على التوسع الإنتاجي والاستثماري، مع الحفاظ على استقرار الأسعار كأحد الركائز الأساسية للاستقرار الاقتصادي الشامل.

Short Url

search