الخميس، 05 فبراير 2026

09:59 م

معركة النفط الكبرى، صراع مشتعل بين أمريكا والصين لإعادة تشكيل النظام العالمي

الخميس، 05 فبراير 2026 06:17 م

صورة معبرة عن معركة النفط الكبرى

صورة معبرة عن معركة النفط الكبرى

وسط تصاعد صراعات الطاقة عالميًا، لم يعد النفط مجرد سلعة استراتيجية تخضع لمعادلات العرض والطلب، بل أصبح أداة محورية لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية. 

وبين محاولات أمريكية للحفاظ على النفوذ العالمي، وصعود صيني متسارع يعيد رسم خريطة الاقتصاد والطاقة، تتبلور ملامح «معركة النفط الكبرى» التي تتشابك فيها ملفات روسيا وإيران وفنزويلا والخليج، ويقف في قلبها هدف رئيسي واحد هو الصين، باعتبارها قاطرة النمو العالمي وأكبر مستهلك ومحرك لأسواق الطاقة في القرن الحادي والعشرين، باتت بكين محورًا رئيسيًا لكل حسابات الصراع الجيوسياسي المرتبط بالنفط.

في هذا السياق، يقدم خبراء الطاقة قراءات معمقة تكشف أبعاد الصراع وأدواته الخفية، وتوضح كيف تحولت حروب النفط من صراعات تقليدية على الموارد إلى معركة جيوسياسية كبرى تستهدف كبح الصعود الصيني، لكنها تعزز من قوته ومكانته العالمية.

ممدوح سلامة خبير النفط العالمي: الصين أكبر تهديد لمكانة الولايات المتحدة

أكد الدكتور ممدوح سلامة، خبير النفط والطاقة العالمي، أن الصين تمثل التهديد الأكبر لمكانة الولايات المتحدة ودورها الاستراتيجي في العالم، نظرًا لما تتمتع به من ثقل اقتصادي وسياسي غير مسبوق على الساحة الدولية.

أكبر اقتصاد عالميًا ومحرك رئيسي للنمو

وأوضح «سلامة»، في تصريح لـ«إيجي إن»، أن الصين تُعد حاليًا أكبر اقتصاد في العالم، إذ يتفوق اقتصادها على الاقتصاد الأمريكي بنحو 37%، كما تمثل الحافز الأكبر لنمو الاقتصاد العالمي، ما يمنحها منزلة سياسية لا مثيل لها مقارنة بأي دولة أخرى.

أزمة تايوان والصدام المحتمل مع واشنطن

وأشار إلى أن الصين مقبلة على أزمة كبرى مع الولايات المتحدة في إطار سعيها لاستعادة جزيرة تايوان، التي تعتبرها بكين جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، وتُصر على استعادتها مهما بلغت التحديات السياسية والعسكرية.

الصين أكبر مصدر وصاحبة فائض تجاري تاريخي

وأضاف خبير الطاقة أن الصين تُعد أكبر دولة مُصدّرة في العالم، وقد حققت خلال العام الماضي أكبر فائض تجاري في تاريخ التجارة العالمية بقيمة 2.1 تريليون دولار، في مقابل عجز تجاري أمريكي بلغ نحو تريليون دولار، وهو ما يعكس اختلالًا واضحًا في موازين القوة الاقتصادية العالمية.

ارتفاع أسعار النفط بعد منع تصدير الخام الفنزويلي .. وبرنت يقفز قرب 65 دولار

الدولة المهيمنة ومحاولات أمريكية للتقويض

وأكد سلامة أن هذه العوامل مجتمعة تجعل من الصين الدولة العملاقة والمهيمنة على الاقتصاد العالمي، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تقويض النفوذ الصيني عبر أدوات سياسية واقتصادية متعددة.

الصين أكبر مستورد للنفط عالميًا

وأوضح أن الصين تُعد أكبر مستورد للنفط في العالم، فعلى الرغم من إنتاجها نحو 4.5 مليون برميل يوميًا، فإن استهلاكها يتجاوز 17 مليون برميل يوميًا، ما يضطرها إلى استيراد أكثر من 13 مليون برميل يوميًا لتلبية احتياجاتها.

محاولات أمريكية لعرقلة واردات الطاقة

وأشار إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى إضعاف الاقتصاد الصيني من خلال خلق صعوبات أمام استيراد الصين للنفط، إلا أنها مخطئة إذا اعتقدت أن الصين أو أي دولة كبرى يمكن منعها من تأمين مصادر الطاقة اللازمة لنموها الاقتصادي.

النفط الروسي والخليجي والغاز القطري

وأوضح سلامة أن الصين تُعد أكبر مستورد للنفط الروسي، وتواصل استيراده رغم العقوبات الأمريكية والغربية المفروضة على موسكو، كما تعتمد على الخليج العربي كمصدر رئيسي لجزء كبير من احتياجاتها النفطية، فضلًا عن كونها مستوردًا رئيسيًا للغاز الطبيعي المسال من قطر، حيث وقعت اتفاقيات طويلة الأمد تمتد لأكثر من 24 عامًا لشراء الغاز القطري.

استثمارات صينية ضخمة في النفط الفنزويلي

وأشار إلى أن الصين قدمت قروضًا تتجاوز 30 مليار دولار لفنزويلا لدعم صناعة النفط الفنزويلية، في ظل محاولات أمريكية للسيطرة على النفط الفنزويلي ووقف النمو والاستثمارات الصينية في فنزويلا وامتدادها إلى دول أمريكا اللاتينية.

النفط

النفط الإيراني وشريان الاقتصاد الصيني

وأضاف أن الولايات المتحدة تركز كذلك على النفط الإيراني، حيث تستورد الصين نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية اليومية، المقدرة بنحو 1.7 مليون برميل يوميًا، وذلك رغم العقوبات المفروضة على طهران.

العقوبات لن توقف الصين ولا إيران

وأكد سلامة أن محاولات الولايات المتحدة ضرب إيران أو تشديد العقوبات عليها ووقف صادراتها النفطية تستهدف بالأساس تقويض الاقتصاد الصيني، إلا أنها لن تنجح، مشددًا على أن إيران مستمرة في تصدير نفطها، وأن الصين لن تتوقف لحظة عن استيراد النفط الإيراني، خاصة وأنه يمثل شريان الحياة الرئيسي للاقتصاد الإيراني في الوقت الراهن.

وفاء علي: طموحات ترامب تصطدم بحسابات السوق وتصب في مصلحة الصين

من جانبها، ترى الدكتورة وفاء علي، خبيرة الطاقة والاقتصاد، أن طموحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإعادة تشكيل خريطة الطاقة العالمية ومناطق الثروات حول العالم، تصطدم بواقع السوق ومصالح شركات الطاقة الكبرى، تصطدم بواقع معقد تحكمه حسابات السوق ومصالح شركات الطاقة الكبرى.

معادلة نفط فنزويلا وخيبة أمل المستثمرين

وأوضحت «علي» في تصريح لـ«إيجي إن»، أن معادلة نفط فنزويلا كانت من أبرز الملفات التي طفت على أجندة الطاقة العالمية، إلا أن السقف الزمني لتلك المعادلة احترق سريعًا، بعدما فوجئ ترامب بعزوف المستثمرين، الذين لا يفضلون الدخول في استثمارات مباشرة محفوفة بالمجاهيل.

وأضافت أن هناك فارقًا جوهريًا بين أهداف ترامب السياسية وأهداف شركات الطاقة، لافتة إلى أن النفط الفنزويلي الثقيل عالي اللزوجة يحتاج إلى تكلفة استخراج تُقدر بنحو 30 دولارًا للبرميل، فضلًا عن البنية التحتية المتهالكة، ما جعله خيارًا غير جذاب استثماريًا.

النفط الإيراني في مرمى النيران.. تداعيات

الصين والنفط الرخيص يربكان الحسابات الأمريكية

وأشارت إلى أن ترامب أدرك في تلك المرحلة أن مسرح السيادة النفطية الأمريكية بات مهددًا، خاصة في ظل اتجاه الصين إلى شراء النفط الرخيص من روسيا، إلى جانب حصولها على النفط الكندي، وهو ما دفعه إلى تغيير بوصلته سريعًا في هذا المحور من حروب الطاقة.

الاتفاق مع الهند لتطويق الصين

وقالت إن ترامب اتجه إلى الاتفاق مع الهند في محاولة لتضييق الخناق على الصين، التي تمتلك اليد العليا في معادلة اتزان سوق الطاقة العالمي، رغم استمرارها في استيراد النفط من كل من إيران وروسيا.

تحريك الأساطيل ونظرية «النهب الاستراتيجي»

وأضافت خبيرة الطاقة أن الإدارة الأمريكية لجأت إلى تحريك الأساطيل في محاولة لإحداث حالة من الفوضى في إيران، في إطار السعي لاستكمال ما وصفته بـ نظرية النهب الاستراتيجي، بهدف إغراق الأسواق العالمية بالنفط، وتحقيق طموح ترامب في خفض أسعار النفط إلى ما دون 50 دولارًا للبرميل.

النفط الإيراني يراهن على السفن الصغيرة لتفادي

تعطيل الصين هدف لم يتحقق

وأوضحت أن كل ما يقوم به ترامب يندرج في إطار محاولة تعطيل الصين وقاطرة نموها الاقتصادي، إلا أن الصين – بحسب وصفها – «ركبت الريح ولن يلحق بها»، إذ تتحرك بمرونة عالية لاقتناص الفرص الطاقوية والاقتصادية.

سياسات ترامب تعزز قوة الصين

وأكدت أن محاولات ترامب للاستحواذ على نفط فنزويلا أو كندا، أو حتى السعي إلى تغيير النظام في إيران – وهو أمر بالغ الصعوبة – لن تجعل الولايات المتحدة «عظيمة مرة أخرى»، بل على العكس، تعزز من قوة الصين وتجعلها اللاعب الأقوى بلا منازع.

وأضافت أن ترامب قدم للصين هدية الهدنة، إذ فتحت بكين أبوابها أمام حلفاء ترامب القدامى، مستفيدة من التوترات التي أوجدتها السياسات الأمريكية.

مصافي النفط الصينية تواجه تحديات بعد وضع السلطات حداً أقصى لإنتاج البلاد

مزيج صيني مرن ومتعدد المصادر

وأشارت وفاء علي إلى أن الصين تمتلك مزيجًا قويًا ومتنوعًا، وتعرف جيدًا كيف تؤمن احتياجاتها النفطية من مصادر متعددة، موضحة أنه حتى في حال حصولها على نفط فنزويلا الثقيل، فإنها ستقوم بتكريره وإعادة تصديره إلى الأسواق الأوروبية، التي تضم حلفاء ترامب التقليديين.

خسارة رهان الرسوم الجمركية

وأكدت أن ترامب سيخسر رهانه، موضحة أن إعادة تشكيل المشهد العالمي أو تركيب نظام المصالح وفق طموحات شخصية فقط لن تنجح في فرض واقع جديد.

إنتاج النفط الأمريكي يرتفع لمستوى قياسي في أكتوبر إلى 13.5 مليون برميل  يوميا - جريدة حابي

اختبار نار في أسواق الطاقة

واختتمت خبيرة الطاقة حديثها بالتأكيد على أن ما يجري يمثل اختبار نار حقيقي، خاصة أن الهند والصين لديهما قصة طويلة ومفتوحة مع النفط الروسي، حتى في حال دخولهما سوق النفط الفنزويلي الثقيل.

أما النفط الإيراني، فأوضحت أن معادلته تختلف تمامًا، نظرًا لارتباطه المباشر بـ مضيق هرمز، ما يجعله عنصرًا محوريًا في معادلات الطاقة العالمية المقبلة.

Short Url

search