من النفط إلى المناخ، كيف تدخل دول الخليج سوق السندات الخضراء؟
الجمعة، 06 فبراير 2026 12:10 م
السندات الخضراء
في ظل تصاعد التحذيرات العلمية من مخاطر التغير المناخي والاحتباس الحراري، بدأت أدوات التمويل المستدام تفرض نفسها على الأجندة الاقتصادية العالمية، وعلى رأسها السندات الخضراء، التي تمثل مزيجاً بين تحقيق العائد المالي ودعم الأهداف البيئية، ورغم أن دول الخليج تعرف باعتمادها التاريخي على النفط، فإنها بدأت تخطو خطوات متدرجة نحو هذا النوع من التمويل، في تحول يعكس تغيراً في الرؤية الاقتصادية والتمويلية.
السندات الخضراء هي أدوات دين تصدرها الحكومات أو الشركات لتمويل مشاريع مرتبطة بالمناخ والبيئة، مثل الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة الطاقة، وإدارة النفايات، والنقل النظيف، وحماية الموارد المائية، وهي تشبه السندات التقليدية من حيث العائد وفترة الاستحقاق، لكن الفارق الجوهري يكمن في تخصيص العائدات حصرياً لمشاريع صديقة للبيئة، مع الالتزام بتقارير دورية توضح الأثر البيئي للاستثمارات.

الانطلاقة العالمية
أصدر البنك الدولي أول سند أخضر في عام 2008، في تجربة وصفت حينها بأنها محدودة، لكنها سرعان ما تحولت إلى سوق عالمية متنامية، وفي عام 2013، ساهمت مؤسسة التمويل الدولية في توسيع هذا السوق عبر إصدار أول سند أخضر معياري بقيمة مليار دولار، ما نقل السندات الخضراء من نطاق ضيق إلى أسواق المال العامة.
ومنذ ذلك الحين، لعبت مجموعة البنك الدولي دوراً رئيسياً في تعبئة التمويل المناخي، حيث تجاوزت إصداراتها 200 سند أخضر، ما يعكس تنامي ثقة المستثمرين في هذا النوع من الأدوات المالية.
بحسب تقارير اقتصادية، من بينها تقرير لمجلة فوربس الأمريكية، شهدت منطقة الخليج اهتماماً متزايداً بإصدار الديون المستدامة، مسجلة رقماً قياسياً بلغ نحو 465 مليار دولار في عام 2019، بزيادة كبيرة مقارنة بعام 2018، ورغم أن السندات الخضراء لا تزال تمثل جزءاً محدوداً من هذا الرقم، فإنها تعد فئة سريعة النمو، وحتى الآن، برزت ثلاث دول خليجية في هذا المجال:
- الإمارات كانت السباقة عندما أصدر بنك أبوظبي الوطني أول سندات خضراء في المنطقة عام 2017.
- السعودية دخلت السوق عبر الصكوك الخضراء التي أصدرها البنك الإسلامي للتنمية، ثم إصدار الشركة السعودية للكهرباء لصكوك خضراء بقيمة 1.3 مليار دولار في 2020.
- قطر أصبحت ثالث دولة خليجية تصدر سندات خضراء، بعد طرح بنك قطر الوطني سنداً بقيمة 600 مليون دولار، وسط طلب تجاوز المعروض بشكل ملحوظ.
هذه الإصدارات تعكس توجهاً خليجياً نحو تنويع أدوات التمويل، وجذب شريحة جديدة من المستثمرين، لا سيما المستثمرين المهتمين بالاستثمار المسؤول.
لماذا تتجه دول الخليج للسندات الخضراء؟
لا يقتصر الدافع على البعد البيئي فقط، بل يرتبط أيضاً باعتبارات اقتصادية ومالية، فالتقلبات الحادة في أسعار النفط، والحاجة إلى تمويل مشاريع التنويع الاقتصادي، دفعت الحكومات الخليجية إلى البحث عن مصادر تمويل بديلة أقل كلفة وأكثر استدامة.
وتتميز السندات الخضراء بقدرتها على خفض تكاليف الاقتراض، نتيجة ارتفاع الطلب عليها، إضافة إلى ما توفره من صورة إيجابية للجهة المصدِرة، سواء على مستوى السمعة أو التصنيف الائتماني، كما أنها تتيح للمستثمرين التحوط ضد مخاطر المناخ المستقبلية، عبر دعم مشاريع تقلل من الانبعاثات وتحسن كفاءة استخدام الموارد.

أثر جائحة كورونا
على الرغم من التوقعات المتفائلة بنمو سوق السندات الخضراء عالمياً، فإن جائحة كورونا تسببت في تباطؤ مؤقت، حيث انخفضت الإصدارات خلال النصف الأول من 2020 مقارنة بالعام السابق، وفضلت العديد من البنوك التركيز على دعم السيولة وتخفيف آثار التباطؤ الاقتصادي.
إلا أن الأزمة نفسها أعادت تسليط الضوء على أهمية بناء اقتصادات أكثر مرونة واستدامة، ما يعزز التوقعات بأن يشهد التمويل الأخضر، بما فيه السندات الخضراء، زخماً متجدداً في مرحلة التعافي.
لا تزال السندات الخضراء في دول الخليج في مرحلة التأسيس، وتواجه تحديات تتعلق بحجم السوق، ووضوح المعايير، وقياس الأثر البيئي بدقة، لكنها في المقابل تمثل فرصة استراتيجية لدعم التحول الاقتصادي، وتعزيز حضور المنطقة في أسواق المال العالمية.
ومع تزايد الضغوط البيئية وتغير أولويات المستثمرين عالمياً، يبدو أن السندات الخضراء لم تعد خياراً ثانوياً، بل أداة مرشحة للعب دور متزايد في مستقبل التمويل الخليجي، في إطار سعي المنطقة للجمع بين النمو الاقتصادي وحماية البيئة.
اقرأ أيضًا:
السعودية تطرح أول سندات خضراء باليورو في الشرق الأوسط
Short Url
من عصر الماموث إلى الذكاء الاصطناعي.. رحلة الابتكار في تشكيل الاقتصاد
05 فبراير 2026 12:10 م
الخردة تتحول إلى ثروة، تدوير المعادن يقود اقتصاد المستقبل (إنفوجراف)
04 فبراير 2026 04:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً