النائب محمد فؤاد يكتب: وزارة الإعلام (البترول سابقًا).. هوامش استجواب برلماني
الجمعة، 30 يناير 2026 02:19 م
النائب محمد فؤاد
في بداية الأسبوع، تقدّم حزب العدل باستجواب برلماني حول إدارة ملف الطاقة في مصر. هذا الاستجواب لم يولد كاستجابة ظرفية لأزمة طارئة، بل جاء كتراكم لمسار طويل من المتابعة والتحليل. فعلى مدار ما يقارب عامين، تبنّى حزب العدل ملف الطاقة والغاز بوصفه أحد أخطر ملفات الاقتصاد الكلي، لا من زاوية الشعارات أو ردود الأفعال، وإنما من زاوية الأرقام والتخطيط والإنذار المبكر. تقدّم الحزب منذ وقت مبكر بتوقعات واضحة لمسار الإنتاج، ونبّه إلى اتساع الفجوة بين المعروض المحلي والطلب، وحذّر من كلفة تأجيل القرارات التصحيحية، وطرح مقترحات عملية تتعلق بإدارة الاستيراد، وجدولة التعاقدات، وضبط مستهدفات الإنتاج بما يتسق مع الجاهزية الفنية الفعلية.
بين تحميل الماضي ووعود الحاضر
لكن مع مرور الوقت، بدا أن هذا الجهد التحليلي لم يُقابل بإعادة ضبط للسياسات بقدر ما قوبل بنهج مختلف: تحميل الماضي كامل كلفة الفشل، مع الاستمرار في تقديم الحاضر باعتباره قادرًا على تحقيق معجزات مستقبلية. هكذا جرى الفصل بين التشخيص والمسؤولية؛ يُستدعى الماضي لتبرير الإخفاق، بينما يُستخدم المستقبل لتسويق وعود واسعة لا تدعمها المؤشرات الحالية. من هنا يأتي الاستجواب بوصفه تتويجًا لمسار طويل من المتابعة، لا بوصفه نقطة بداية، ومحاولة لإعادة ربط الوعود بالواقع، والمسؤولية بالقرار.
مسار الإنتاج: اتجاه هابط لا خلاف عليه
الاستجواب ينطلق من حقيقة رقمية لا تحتمل التأويل. إنتاج الغاز الطبيعي في مصر تراجع من متوسط يتراوح بين 6.5 و7 مليارات قدم مكعب يوميًا في عام 2022، إلى نطاق 5.5–6.5 في 2023، ثم إلى نحو 4.8 مليار قدم مكعب يوميًا في النصف الأول من 2024 (لحظة تولي الوزير الحالي) ليستقر بنهاية 2025 حول أو دون 4 مليارات قدم مكعب يوميًا. هذا المسار يعكس اتجاهًا هابطًا متصلًا إحصائيًا دون أي انعكاس هيكلي في المنحنى، وكان يستدعي تعديلًا مبكرًا في التوقعات والسياسات، لا الاستمرار في تسويق مستهدفات إنتاجية تقترب من 6.5 مليار قدم مكعب يوميًا بحلول 2027 دون سند فني زمني واضح.
فاتورة الاستيراد: كلفة لا يمكن تجاهلها
في المقابل، اتسعت فجوة الاستيراد بشكل غير مسبوق. خلال عام واحد فقط، تجاوزت فاتورة واردات الطاقة 21 مليار دولار، مقارنة بنحو 12 مليار دولار في العام السابق، أي زيادة تقارب 9 مليارات دولار وبمعدل نمو يقترب من 56%. هذا الرقم يعادل قرابة ثلث الصادرات السلعية المصرية، ويمثل استنزافًا مباشرًا للعملة الصعبة في اقتصاد يعاني أصلًا من شح الدولار، ما يجعل أي حديث عن تحسن غير مرتبط بتقليص هذه الفاتورة حديثًا منقوصًا بطبيعته.
إدارة العجز: قرارات عالية الكلفة
الأخطر أن هذا التوسع لم يُدار كحل انتقالي منخفض الكلفة، بل جرى عبر تعاقدات طويلة الأجل، واستيراد كميات تفوق الاحتياج الفعلي في بعض الفترات، ما أدى إلى تكدس ناقلات الغاز، ودفع غرامات تأخير وصلت (وفق تقديرات ملاحية متحفظة) إلى ما بين 100 و150 ألف دولار يوميًا للناقلة الواحدة، فضلًا عن إعادة توجيه شحنات وتحمل فروق أسعار بملايين الدولارات. وفي الوقت نفسه، جرى التعاقد على خمس وحدات تغويز عائمة لمدد طويلة تصل إلى عشر سنوات، بينما لم تدخل الخدمة الفعلية سوى ثلاث وحدات، بعد تأخيرات جسيمة في التجهيز والتشغيل.
«تراجع وتيرة الهبوط» ليس تعافيًا
في هذا السياق، يبرز استخدام توصيفات من قبيل “تراجع وتيرة الهبوط” أو “الاستقرار النسبي” باعتبارها مؤشرات تحسن. غير أن هذا التوصيف، من منظور التحليل الاقتصادي، لا يحمل دلالة إيجابية ما لم يقترن بتغير فعلي في الاتجاه العام. تباطؤ الانخفاض لا يُعد انعكاسًا للمسار، كما أن تثبيت الإنتاج عند مستوى أدنى بعد هبوط حاد لا يمثل تعافيًا، بل انتقالًا إلى قاعدة إنتاجية أضعف. المؤشر الحاكم ليس معدل التراجع، بل نقطة التحول، ولا توجد حتى الآن بيانات تؤكد حدوث تحول هيكلي مستدام في مسار إنتاج الغاز.
التمويل والضغوط المالية
هذا المسار لم يُموَّل من تحسن في الموارد أو من تعافٍ إنتاجي، بل من توسع في الاقتراض. مديونية هيئة البترول للقطاع المصرفي ارتفعت بشكل ملحوظ بين منتصف 2024 ونهاية 2025، في ظل ثبات الإيرادات الدولارية للقطاع، ما دفع صندوق النقد الدولي إلى تخصيص فقرة كاملة في مراجعته الأخيرة للتحذير من مخاطر استدامة الوضع المالي للهيئة. هذا إنذار مالي موثق، لا مسألة تقدير سياسي. ناهيك عن انتقال التكلفة من البترول الى الكهرباء حيث تفاقمت المديونية من ٩٠ مليار جنيه الى ٣٩٠ مليار جنيه. اي ان ما تم تسديده للشركاء الاجانب تحول إلى عبء داخلي بين الوزارات!
لماذا لا تنفع محاولات التشتيت؟
ومن ثم، فإن محاولات التنويه أو توسيع إطار النقاش بالإشارة إلى عوامل عامة أو ضغوط ظرفية لا تعالج جوهر المسألة. الاستجواب يركز على نقاط محددة قابلة للقياس والمراجعة: تقديرات إنتاجية لم تتحقق، قرارات استيراد مرتفعة الكلفة، تعاقدات طويلة الأجل بتوقيتات غير مواتية، فروق أسعار واضحة، وأثر مالي مباشر على ميزانية هيئة البترول وعلى المالية العامة. هذه المحاور لا تُجاب بإطار تفسيري واسع، بل تتطلب ردودًا رقمية دقيقة مرتبطة بكل قرار على حدة وقت مناقشتها. ردودا لن تجيب عنها سيول البيانات الصحفية اليومية.
الاتفاقيات: الكلفة أولًا
أما ملف الاتفاقيات، فيتعامل معه الاستجواب بوصفه عنصرًا اقتصاديًا لا يمكن فصله عن الكلفة الكلية. تعديل نسب الاسترداد والربح لصالح الشريك، رفع أسعار الغاز المشترى في بعض الحالات بأكثر من 50%، وتصدير حصص بأسعار تتراوح بين 5.5 و6 دولارات للمليون وحدة حرارية، بينما تستورد الدولة الغاز المسال بأسعار تتراوح بين 13 و14 دولارًا، يعني فرق سعر في الشحنة الواحدة لا يقل عن 15 مليون دولار.
ما الذي نحتاجه فعليًا؟
من هنا، يصبح جوهر الاستجواب واضحًا: ليست المشكلة في نقص الموارد، بل في كيفية إدارة هذا النقص. وفي هذا السياق، لا تحتاج الدولة إلى طرح أكثر تفاؤلًا، بل إلى استعادة وزارة بترول تؤدي دورها كجهة تخطيط واقعي، حتى لو كان هذا الطرح أكثر تواضعًا في مستهدفاته. طرح يعترف بالقيود كما هي، ويُقدّم مسارًا قابلًا للتحقق زمنيًا وماليًا، ويُدار بمنطق تقليل الخسائر لا تعظيم الوعود.
المكاشفة شرط الإصلاح
في النهاية، لا تُقاس جدية إدارة ملف الطاقة بنواياها المعلنة ولا بضغوط الواقع. ما يُقاس هو جودة القرار بعد انكشاف الأزمة، ودقة التقدير، وكلفة الخيارات، وقدرة الدولة على تحويل إدارة العجز من مسار استنزاف دائم إلى مسار قابل للاستدامة. فملف بهذا الحجم لا تُدار أزماته بالكلمات، ولا تُغلق أسئلته إلا بالمكاشفة. وكل تأجيل لهذه المكاشفة لا يبدد المخاطر، بل يعيد إنتاجها… بكلفة أعلى.
Short Url
إسماعيل رفعت يكتب.. لا صناعة ولا تنمية دون أمن
29 يناير 2026 12:11 م
المناطق الحرة والتطور اللوجستي والمالي.. مقارنة بين عامي 2024 و2025 وخطة 2026
28 يناير 2026 12:25 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: الإدارة الإلكترونية ضرورة وليست رفاهية
28 يناير 2026 10:57 ص
أكثر الكلمات انتشاراً