الثلاثاء، 27 يناير 2026

10:08 م

أداة المصارف لمواجهة ضغوط رأس المال، سوق التوريق أمام مراجعة عالمية حاسمة في 2026

الثلاثاء، 27 يناير 2026 08:15 م

سوق التوريق ونقل المخاطر الائتمانية

سوق التوريق ونقل المخاطر الائتمانية

يشهد سوق التوريق ونقل المخاطر الائتمانية الكبيرة (Significant Risk Transfer – SRT) تحولًا تنظيميًا واقتصاديًا مهمًا مع دخول عام 2026، في وقت تعتبر فيه العلاقة بين البنوك ورأس المال والجهات الرقابية الأكثر حساسية منذ الأزمة المالية العالمية. 

وتشير تقارير حديثة لوكالة فيتش للتصنيف الائتماني إلى أن سلسلة مراجعات تنظيمية كبرى على مستوى العالم قد تعيد رسم حجم السوق وأدواته ودوره في إدارة الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية.

عودة SRT إلى قلب النقاش التنظيمي

تاريخيًا، كان توريق نقل المخاطر أحد الأدوات التي استخدمتها البنوك لتخفيف الأعباء الرأسمالية عبر نقل جزء من المخاطر الائتمانية إلى مستثمرين من خارج القطاع المصرفي، دون التخلي الكامل عن الأصول نفسها، إلا أن هذه الأدوات رغم فعاليتها، ظلت محل جدل رقابي، خصوصًا مع تصاعد المخاوف من انتقال المخاطر إلى القطاع المالي الموازي أو غير المصرفي.

ليست تقنية SRT جديدة، إذ استخدمت أولى أدواتها في أوروبا منذ عام 1998، وهيمنت أوروبا على السوق، حيث استحوذت على أكثر من ثلثي الأصول التي تغطيها هذه التقنية، والتي بلغت قيمتها 1.1 تريليون دولار أمريكي فيعام 2016، وفقًا لصندوق النقد الدولي، مع ذلك، شهد استخدام SRT في الولايات المتحدة ارتفاعًا ملحوظًا منذ عام 2023.

وبلغت الإصدارات العالمية لسندات التوريق ذات المخاطر الائتمانية 16.6 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من 2024، مع توقع أن تصل بين 28 و30 مليار دولار لكامل عام 2024.

ويبلغ حجم سندات التوريق ذات المخاطر الائتمانية القائمة حوالي 70 مليار دولار أمريكي، ويتناقض هذا النمو السريع مع النمو الأبطأ الذي شهده سوق التوريق التقليدي خلال السنوات الأخيرة.

اليوم، تعود هذه المخاوف إلى الواجهة مع إطلاق لجنة بازل للرقابة المصرفية (BCBS) مراجعة عالمية شاملة لمنتجات SRT، في إطار تقييم أوسع لتشابكات البنوك مع المؤسسات غير المصرفية، هذه المراجعة، المنتظر صدور نتائجها خلال 2026، لا تهدف فقط إلى تشديد الرقابة، بل أيضًا إلى فهم أعمق لكيفية موازنة الاستقرار المالي مع كفاءة استخدام رأس المال.

اقتصاديًا، تكمن أهمية هذه المراجعة في احتمال أن تؤدي إلى قدر أكبر من توحيد السياسات التنظيمية عالميًا، وهو ما قد يخفف من التباينات الحالية بين المناطق، لا سيما في آسيا والمحيط الهادئ، حيث تتبنى الجهات الرقابية نهجًا أكثر تحفظًا تجاه SRT مقارنة بأوروبا.

الولايات المتحدة.. إعادة هندسة رأس المال

في السياق الأمريكي، تكتسب المراجعة الشاملة لإطار رأس المال الخاص بالبنوك الكبرى أهمية مضاعفة، فهذه المراجعة، التي تشمل التطبيق النهائي لمعايير بازل 3، قد تؤدي إلى تعديل أو حتى إعادة تصميم المنهجية الإشرافية المبسطة (SSFA) المستخدمة في التعامل مع الأصول المورقة.

إذا ما تم تخفيف متطلبات التعزيز الائتماني المرتفعة حاليًا، فإن ذلك سيجعل صفقات SRT أكثر جاذبية من حيث الكلفة والعائد، ويشجع البنوك الأمريكية على توسيع استخدامها كأداة لإدارة المخاطر الرأسمالية، وهذا يعني أن البنوك قد تتمكن من تحرير رأس مال إضافي لدعم الإقراض أو الاستثمار، بدلًا من تجميده لمواجهة متطلبات تنظيمية صارمة.

بازل 3 وضغط الأوزان المرجحة بالمخاطر

تطبيق المرحلة النهائية من بازل 3، إلى جانب متطلبات القدرة على امتصاص الخسائر في حالة التعثر للبنوك ذات الأهمية النظامية، يفرض ضغوطًا متزايدة على نسب كفاية رأس المال، ومع دخول حد المخرجات (Output Floor) حيز التنفيذ التدريجي بين عامي 2026 و2028، ستواجه العديد من البنوك ارتفاعًا ملموسًا في الأصول المرجحة بالمخاطر (RWA).

في هذا السياق، تتحول صفقات SRT من أداة تكتيكية إلى عنصر استراتيجي في إدارة الميزانية العمومية، فهي تتيح للبنوك تخفيف التضخم في الأوزان المرجحة بالمخاطر أو خلق هامش رأسمالي إضافي، دون الحاجة إلى تقليص الإقراض أو اللجوء إلى زيادات رأسمالية مكلفة في أسواق قد تكون غير مواتية.

أوروبا وآسيا.. مسارات مختلفة لنفس الهدف

في الاتحاد الأوروبي، يأتي هذا التحول في ظل حزمة تشريعية جديدة للتوريق تهدف إلى تعزيز الشفافية وجعل السوق أكثر جاذبية للمستثمرين، مع الحفاظ على معايير الحيطة والحذر. 

ورغم أن أوروبا تعد السوق الأكثر نضجًا في مجال SRT، فإن أي تبسيط أو وضوح تنظيمي إضافي قد يساهم في توسيع قاعدة المستثمرين وتعميق السيولة.

أما في آسيا والمحيط الهادئ، فتبدو الصورة مختلفة ولكنها لا تقل أهمية، فاعتماد أنظمة التأمين لمعيار رأس المال التأميني الجديد (ICS) سيغير حسابات العائد والمخاطر لدى شركات التأمين. 

ومع فرض رسوم ملاءة أكثر حساسية للمخاطر، تصبح الشرائح عالية التصنيف من التوريق – بما فيها SRT – خيارًا استثماريًا أكثر جاذبية، ما قد يخلق طلبًا جديدًا وقويًا خارج أوروبا.

المستثمرون بين الفرصة والحذر

من منظور المستثمرين، تمثل هذه التحولات فرصة مزدوجة، فمن جهة، توفر صفقات SRT عوائد معدلة حسب المخاطر قد تكون جذابة في بيئة تتسم بتقلب أسعار الفائدة وتشدد السياسات النقدية، ومن جهة أخرى، تفرض التعقيدات التنظيمية والهيكلية لهذه الصفقات حاجة متزايدة إلى التحليل العميق وفهم دقيق للمخاطر الكامنة.

هنا تلعب وكالات التصنيف دورًا محوريًا في سد فجوة المعلومات، من خلال تقييم هياكل التوريق وجودة الأصول الأساسية وآليات نقل المخاطر، ومع ذلك، تبقى ثقة المستثمرين مرتبطة إلى حد كبير بوضوح الإطار التنظيمي واستقراره على المدى المتوسط.

التوازن بين الاستقرار المالي والكفاءة

في جوهر هذا النقاش، يبرز سؤال كلاسيكي، كيف يمكن تحقيق التوازن بين الاستقرار المالي وكفاءة تخصيص رأس المال؟، فالإفراط في التشدد التنظيمي قد يقيد قدرة البنوك على تمويل الاقتصاد الحقيقي، في حين أن التساهل المفرط قد يعيد إنتاج مخاطر نظامية سبق أن شهدها العالم.

ما تشير إليه مراجعات 2026 هو محاولة لإعادة ضبط هذا التوازن، لا من خلال رفض أدوات مثل SRT، بل عبر تنظيمها بشكل أدق وأكثر انسجامًا عبر الحدود، وإذا نجحت هذه الجهود، فقد نشهد مرحلة جديدة يصبح فيها توريق نقل المخاطر أداة معترفًا بها ومستقرة ضمن المنظومة المالية العالمية، بدلًا من كونه حلًا هامشيًا أو مثيرًا للجدل.

عام 2026 قد يسجل كنقطة انعطاف في تاريخ سوق SRT، فنتائج المراجعات التنظيمية العالمية، الأمريكية، والأوروبية، إلى جانب التحولات في أنظمة التأمين الآسيوية، ستحدد ليس فقط حجم هذا السوق، بل أيضًا دوره في تمويل الاقتصاد وإدارة المخاطر المصرفية. 

وبينما تتزايد الضغوط الرأسمالية على البنوك، يبدو أن SRT يتجه ليصبح أحد أهم أدوات التكيف مع نظام مالي أكثر تعقيدًا وتشددًا، شرط أن يدار ضمن إطار تنظيمي واضح ومتوازن يعزز الثقة ويحد من المخاطر النظامية.

 

اقرأ أيضًا:

درايف للتمويل تتم إصدارًا جديدًا لسندات توريق بقيمة 2.4 مليار جنيه

«جميل للتمويل»: مصر تنجح في إصدار سندات توريق بقيمة 500 مليون جنيه

Short Url

search