الأربعاء، 21 يناير 2026

02:28 م

نجلاء أحمد تكتب: «معلش يا زهر»… حينما تكون الكفاءة بلا ظهر!!

الأربعاء، 21 يناير 2026 10:06 ص

نجلاء أحمد - مدير إدارة الإعلام بجهاز الإحصاء

نجلاء أحمد - مدير إدارة الإعلام بجهاز الإحصاء

لا يُعدّ فيلم «معلش يا زهر» مجرد عمل كوميدي خفيف، بل هو مرآة ساخرة تعكس أحد أكثر أمراض بيئات العمل شيوعًا وخطورة: المحسوبية والوساطة وتكافؤ الفرص الزائف، ففي قالب بسيط ولغة يومية مألوفة، ينجح الفيلم في تقديم تشريح اجتماعي دقيق لآليات الظلم المؤسسي، حيث لا تُقاس الكفاءة بالجهد أو الإخلاص، بل بقرب الموظف من دوائر النفوذ.

ويعتمد الفيلم على شخصية “ صابر أفندى” كنموذجٍ للموظف المجتهد، الذي يمتلك الخبرة والرغبة الصادقة في العمل، لكنه يصطدم بجدارٍ غير مرئي من العلاقات الشخصية والمصالح المتشابكة، وهذا الجدار لا يُعلن عن نفسه صراحة، بل يتخفّى خلف عبارات مألوفة مثل: «معلش يا زهر… أصلها كده»، وهي الجملة التي تختصر فلسفة الاستسلام للظلم وتحويله إلى عرفٍ مؤسسي.

ويرصد الفيلم كيف تتحول بيئة العمل من منظومة قائمة على اللوائح والمعايير إلى شبكة علاقات شخصية، تُدار فيها الترقيات والمكافآت بميزان القرب لا الكفاءة، فالموظف “الموصى عليه” يتقدّم بخطى واثقة، بينما يظل المجتهد حبيس مكانه، مهما بذل من جهد، وهنا يبرز أخطر ما في المحسوبية، “أنها تقتل الدافعية، وتُنتج موظفين بلا شغف، ومؤسسات بلا روح”.

ولا يقدم الفيلم ظلمًا صارخًا أو عنفًا مباشرًا، بل ظلمًا هادئًا متراكمًا، ينهش الطموح ببطء، فـ”صابر” لا يُفصل من عمله ولا يُهان علنًا، لكنه يُهمَّش ويُتجاهل ويُكافأ بالصبر لا بالحق، وهذا النوع من الظلم هو الأكثر شيوعًا في الواقع العملي، لأنه يُمارَس باسم “الروتين” و”الظروف” و”التعليمات”و ”السلطة”.

وتُحسب للفيلم جرأته في استخدام الكوميديا كوسيلة فضح لا كغطاء للهروب، فالضحك هنا ليس غاية، بل أداة لتخفيف وطأة الحقيقة، وتمرير نقد اجتماعي لاذع دون خطاب مباشر، ليُدرك المشاهد، مع كل موقفٍ ساخرٍ أن ما يُعرض على الشاشة ليس خيالًا، بل مشاهد مألوفة من حياته اليومية.

وتكمن أهمية الفيلم أيضًا في سياقه الزمني؛ إذ أُنتج عام 1950، وهي فترة كان عدد سكان مصر فيها يقارب من  21 مليون نسمة فقط، أي في مجتمع أقل تعقيدًا ديموغرافيًا وضغوطًا مما هو عليه اليوم، ومع ذلك، فإن القضايا التي طرحها الفيلم (المحسوبية، والوساطة، والظلم الوظيفي) تبدو وكأنها تتجاوز الزمن، ما يعكس عمق المشكلة وتجذّرها، ويجعل من الفيلم شهادة مبكرة على خلل بنيوي لا يرتبط بكثرة السكان أو حداثة العصر، بل بثقافة الإدارة والعلاقات داخل المؤسسات.

وأهم ما يطرحه الفيلم ضمنيًا، هو أن استمرار المحسوبية لا يعود فقط على أصحاب النفوذ، بل أيضًا إلى ثقافة القبول والصمت، فحين يصبح الظلم “طبيعيًا”، ويتحول الاعتراض إلى مغامرة غير محسوبة، يفقد العمل معناه، وتتحول المؤسسات إلى كيانات طاردة للكفاءات.

وفي قراءة حديثة للفيلم، وهي أنه يمكن اعتباره إنذارًا مبكرًا بأهمية الحوكمة والشفافية في بيئات العمل الحديثة، فالمؤسسات التي لا تضع نظامًا واضاحًا للتقييم والمساءلة، تفتح الباب أمام الوساطة، وتدفع ثمن ذلك تراجع الإنتاجية وهجرة الكفاءات وفقدان الثقة.
 

Short Url

search