«قوس أورينوكو»، ثروة حوّلت فنزويلا إلى ساحة صراع والمعادن كلمة السر
الأحد، 11 يناير 2026 10:03 م
ترامب ومادورو
يعد مشروع «قوس أورينوكو التعديني» الذي أطلقته فنزويلا عام 2016 في شمال ولاية بوليفار، كأحد أخطر الملفات الاقتصادية والسياسية في أمريكا اللاتينية، وهذا المشروع في جوهره محاولة رسمية لتحويل الثروات المعدنية الهائلة إلى بديل استراتيجي عن النفط، الذي شكل لعقود العمود الفقري للاقتصاد الفنزويلي، لكنه في الوقت نفسه فتح بابًا واسعًا للصدام مع الولايات المتحدة.
قوس أورينوكو.. ثروات معدنية بحجم دول
يحتوي قوس أورينوكو على احتياطيات ضخمة تشمل 8 آلاف طن من الذهب، وبقيمة تقريبية أكثر من 500 مليار دولار بأسعار السوق الحالية، و33.8 مليون طن من الألماس، و3.6 مليون طن من الحديد، و200 مليون طن من البوكسيت، إضافة إلى أكثر من 40 معدنًا ذا قيمة صناعية، وبحسب تقرير مجلس الذهب العالمي الصادر في يناير 2025، تحتل فنزويلا المرتبة الأولى لاتينيًا من حيث حجم احتياطيات الذهب.
ومع كل ارتفاع في سعر الذهب بمقدار 100 دولار، تزداد قيمة هذه الاحتياطيات بمقدار 518 مليون دولار، فمن المتوقع أن يدر السيطرة على فنزويلا مئات المليارات من الدولارات من العائدات للولايات المتحدة.

هذه الأرقام تضع المنطقة ضمن أغنى الأقاليم المعدنية غير المستغلة عالميًا، وهو ما يفسر الاهتمام الدولي بها في لحظة كانت فنزويلا تمر فيها بانهيار اقتصادي غير مسبوق.
جاء قرار إنشاء القوس التعديني في توقيت بالغ الحساسية، إذ كانت فنزويلا تخضع لعقوبات أمريكية متصاعدة استهدفت قطاع النفط والقطاع المالي، قبل أن تتحول فيما بعد إلى ساحة صراع ممكن أن تؤدي إلى حرب عالمية.
في هذا السياق، لم يكن التعدين مجرد خيار تنموي، بل أداة للبقاء الاقتصادي والسياسي، وأصبح الذهب تحديدًا وسيلة لتعويض نقص الدولار، وتمويل الواردات، ودعم العملة المحلية بعيدًا عن النظام المالي الغربي.
فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم
تظهر البيانات الرسمية أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفط مؤكدة في العالم، إذ تمثل نحو 17% من الاحتياطيات العالمية بما يقارب 303 مليارات برميل، متقدمة على السعودية، إلا أن هذه الثروة الضخمة لم تنعكس على مستوى الإنتاج، الذي لا يزال منخفضًا بسبب سوء الإدارة، ونقص الاستثمارات، والعقوبات الدولية.
وتشير وزارة الطاقة الأمريكية إلى أن معظم احتياطيات فنزويلا تقع ضمن حزام أورينوكو وتتمثل في نفط ثقيل، ما يجعل استخراجه مكلفًا نسبيًا رغم بساطة تقنياته.
كانت فنزويلا، العضو المؤسس في منظمة أوبك، تنتج نحو 3.5 ملايين برميل يوميًا في سبعينيات القرن الماضي، أي أكثر من 7% من الإنتاج العالمي آنذاك، قبل أن يتراجع إنتاجها تدريجيًا ليصل في السنوات الأخيرة إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا فقط.
أي تغيير سياسي أو تخفيف للعقوبات قد يفتح الباب أمام زيادة الإنتاج والصادرات على المدى الطويل، خاصة مع عودة الاستثمارات الأجنبية، إلا أن تعافي القطاع النفطي سيستغرق وقتًا، وتجارب سابقة في دول مثل ليبيا والعراق تظهر أن تغيير الأنظمة بالقوة نادرًا ما يؤدي إلى استقرار سريع في إمدادات النفط.

الموقف الأمريكي.. الاقتصاد بوابة النفوذ الجيوسياسي
من الجانب الأمريكي، ينظر إلى قوس أورينوكو باعتباره تهديدًا استراتيجيًا، لا اقتصاديًا فقط، فالولايات المتحدة ترى أن استغلال هذه الثروات يمنح حكومة كاراكاس القدرة على الالتفاف على العقوبات، ويفتح المجال أمام روسيا والصين وإيران لتعزيز نفوذهم في نصف الكرة الغربي.
لذلك، ربطت واشنطن المشروع باتهامات تتعلق بالتعدين غير المشروع، وغسيل الأموال، وتهريب الذهب عبر شبكات دولية، مما أخذتها كمبرر لتعدياتها على سلطة فنزويلا.
وجود الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في الصورة يرمز إلى ذروة التصعيد بين البلدين، ومنذ توليه ذمام الحكم، فرض عقوبات مباشرة على الذهب الفنزويلي، وتم تجميد أصول، وجرى توصيف القوس التعديني كجزء من “اقتصاد ظل” يخدم بقاء النظام السياسي في فنزويلا، وهكذا تحول المشروع إلى جبهة مواجهة موازية للنفط.
ولذلك، أظهرت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية تجميد ومصادرة أصول بقيمة تزيد عن 700 مليون دولار مرتبطة بشبكات دعم النظام ورجال أعمال مقربين، من بينهم رامون كاريتيرو، الذي كان على علاقة تجارية مع زوجة مادورو، سيلسيا فلوريس، وقد تمثل هذه الأموال جزءًا من الثروة الفعلية للنظام، رغم أنها ليست مسجلة باسم مادورو مباشرة.
إشكاليات تزيد تعقيد الصراع
داخليًا، يواجه قوس أورينوكو تحديات كبيرة، أبرزها ضعف الرقابة الحكومية، وانتشار التعدين غير المنظم، والأضرار البيئية، والصراعات مع المجتمعات المحلية، هذه الإشكاليات وفرت مادة سياسية وإعلامية استخدمتها الولايات المتحدة لتشويه المشروع دوليًا، واعتباره نموذجًا للفشل المؤسسي.
تكشف الصورة أن قوس أورينوكو ليس مجرد مشروع تعدين، بل ساحة صراع على السيادة والموارد والنفوذ. بالنسبة لفنزويلا، هو محاولة لفك الحصار الاقتصادي وبناء استقلال مالي.
وبالنسبة لأمريكا، هو تهديد لنظام العقوبات وهيمنتها الاقتصادية، وبين الطرفين، تتحول المعادن إلى وقود لصراع يتجاوز الجغرافيا ليصل إلى جوهر النظام العالمي نفسه.
اقرأ أيضًا:
ثروة رئيس فنزويلا بين الأرقام المعلنة والمليارات المخفية
أمريكا تدخل فنزويلا، وروسيا والصين تحاصران أكبر احتياطي نفطي في العالم
Short Url
2026 عام المستشفيات الافتراضية، مستقبل خفض التكاليف في الرعاية الصحية
11 يناير 2026 04:00 م
150 مليون زائر سنوياً، صناعة السياحة في السعودية، نمو هائل وتحول جذري ضمن رؤية 2030
11 يناير 2026 12:00 م
ميزانية السعودية 2026 بالأرقام، عجز أقل ورهان على الاقتصاد غير النفطي
11 يناير 2026 10:00 ص
أكثر الكلمات انتشاراً