الجمعة، 23 يناير 2026

09:22 م

إعادة تشكيل اقتصاد التدفئة، أوروبا تهرب من أزمة الطاقة بالمضخات الحرارية

الجمعة، 23 يناير 2026 07:38 م

المضخات الحرارية

المضخات الحرارية

لفترة طويلة، ظل قطاع التدفئة في الظل مقارنة بقطاعات الطاقة الأخرى، فبينما حظيت الكهرباء المتجددة والسيارات الكهربائية باهتمام سياسي وإعلامي واسع، بقيت التدفئة، التي تمثل أحد أكبر مصادر استهلاك الطاقة والانبعاثات في أوروبا، ملفاً ثقيلًا ومعقدًا. 

واليوم، ومع ظهور المضخات الحرارية العملاقة، يبدو أن هذا القطاع يدخل مرحلة تحول اقتصادي عميق، لا تقل أهمية عما أحدثته طاقة الرياح أو الشمس.

مشروع شركة MVV Energie في مدينة مانهايم الألمانية، الذي قد يصبح الأكبر في العالم بقدرة تصل إلى 162 ميجاوات، يقدم نموذجًا عمليًا لكيفية انتقال التدفئة من نشاط قائم على حرق الوقود الأحفوري إلى منظومة صناعية نظيفة، تستفيد من المياه والهواء والكهرباء المتجددة.

من الفحم إلى المضخات.. انتقال لا قطيعة

اقتصاديًا، ما يميز مشروع مانهايم أنه لا يبدأ من الصفر، فالموقع المختار هو محطة فحم قديمة تخضع للتحول، ما يعني أن البنية التحتية الأساسية موجودة بالفعل، اتصال قوي بالشبكة الكهربائية، وموقع صناعي مرخص، وربط مباشر بشبكة تدفئة مركزية تخدم آلاف المنازل.

هذا التحول الوظيفي للأصول القائمة يقلل المخاطر الاستثمارية، ويخفض الكلفة الرأسمالية مقارنة ببناء منشآت جديدة بالكامل. 

وهو درس اقتصادي مهم في مسار التحول الطاقي، فإزالة الكربون لا تعني بالضرورة هدم ما هو قائم، بل إعادة توظيفه.

كُلفة مرتفعة وعائد طويل الأجل

قد تبدو كلفة المشروع، التي تقارب 200 مليون يورو، ضخمة للوهلة الأولى، لكن عند تحليلها اقتصاديًا، تتغير الصورة، فالمضخات الحرارية العملاقة قادرة على تحويل كل كيلووات في الساعة من الكهرباء، إلى عدة كيلوواتات من الحرارة، ما يعني كفاءة تشغيلية عالية مقارنة بالغلايات التقليدية.

عند توزيع هذه الكلفة على نحو 40 ألف منزل، وعلى عمر تشغيلي يمتد لعقود، تصبح التدفئة أقل عرضة لتقلبات أسعار الغاز والفحم، وأكثر ارتباطًا بأسعار الكهرباء المتجددة، التي تميل إلى الانخفاض على المدى الطويل. 

بعبارة أخرى، الاستثمار الرأسمالي المرتفع اليوم هو تأمين ضد صدمات الطاقة غدًا.

شبكة التدفئة.. حيث تتحول الحرارة إلى بنية تحتية

نجاح المضخات الحرارية العملاقة لا ينفصل عن وجود شبكات تدفئة مركزية، هذه الشبكات، التي تمتد لمئات أو آلاف الكيلومترات في دول مثل الدنمارك وفنلندا، تعمل بمنطق الاقتصاديات الحجمية، وكلما زاد عدد المشتركين، انخفض متوسط كلفة الوحدة.

كما تتيح هذه الشبكات مرونة تشغيلية كبيرة، فبدلاً من تشغيل آلاف الغلايات الفردية، يمكن التحكم في الإنتاج مركزياً، وتشغيل جزء من المضخات عند انخفاض الطلب، أو الاستفادة من خزانات المياه الساخنة لتخزين الحرارة عندما تكون الكهرباء رخيصة، واستخدامها لاحقًا.

تتحول التدفئة هنا من خدمة مجزأة إلى مرفق عام، يشبه في منطقه شبكات الكهرباء والمياه.

التنافس الصناعي.. ولادة سوق جديدة

سباق الشركات الألمانية والدنماركية لبناء أكبر مضخة حرارية في العالم يعكس نشوء سوق صناعية واعدة، وشركات مثل Everllence تستفيد من خبرات متراكمة في قطاع النفط والغاز، خاصة في تصنيع الضواغط العملاقة، ما يسمح بإعادة توظيف العمالة وسلاسل التوريد بدلاً من فقدانها.

هذا البعد الصناعي مهم سياسيًا واقتصاديًا، فبدلاً من أن يكون التحول الطاقي تهديدًا للوظائف الصناعية، يتحول إلى فرصة لإعادة تشكيل الصناعة الثقيلة في اتجاه أنظف وأكثر استدامة.

المرونة.. القيمة الاقتصادية الخفية

التجربة الفنلندية في هلسنكي تكشف عن بعد آخر غالبًا ما يهمل في النقاش العام، وهو المرونة، فإلى جانب المضخات الحرارية، استثمرت المدينة في غلايات كهربائية أقل كفاءة، لكنها أرخص وأسرع في الاستجابة.

من منظور اقتصادي بحت، قد يبدو هذا تناقضًا، لكنه في الواقع استراتيجية ذكية، فالغلايات الكهربائية تعمل كصمام أمان عند ذروة الطلب، وتمتص فائض الكهرباء المتجددة عندما تكون الأسعار منخفضة، وتساعد على استقرار الشبكة.

هنا لا تكون الكفاءة القصوى هي الهدف الوحيد، بل إدارة المخاطر وتقلبات السوق.

البيئة ولكن بلغة الأرقام

رغم أن هذه المشاريع تسوق بوصفها حلولاً بيئية، فإن نجاحها يعتمد على منطق اقتصادي صارم، فالنماذج المستخدمة في مانهايم تشير إلى أن تأثير المشروع على درجة حرارة نهر الراين سيكون أقل من 0.1 درجة مئوية، ما يقلل المخاطر البيئية والتنظيمية.

تقليل هذه المخاطر ليس مجرد مسألة أخلاقية، بل شرط اقتصادي، إذ أن أي اعتراضات بيئية قد تؤدي إلى تأخير المشاريع ورفع كلفتها، وبالتالي، تصبح الاستدامة هنا جزءًا من إدارة المخاطر المالية.

لماذا تتأخر دول أخرى؟

غياب مشاريع مماثلة في المملكة المتحدة يعكس تحديات اقتصادية مؤسسية أكثر من كونه نقصًا تقنيًا، فالمضخات العملاقة تحتاج إلى تخطيط طويل الأجل، وتنسيق بين البلديات وشركات الطاقة، واستثمارات كبيرة في شبكات التدفئة.

مع ذلك، تظهر بوادر تحول، مثل استخدام مياه المناجم المهجورة كمصدر حرارة، هذه المشاريع تشير إلى أن الإمكانات موجودة، لكنها تحتاج إلى رؤية اقتصادية شاملة تتجاوز الحلول الجزئية.

في جوهرها، تمثل المضخات الحرارية العملاقة إعادة تعريف لمفهوم أمن الطاقة، فبدلاً من الاعتماد على استيراد الغاز، تعتمد المدن على مصادر محلية: أنهار، بحار، هواء، وكهرباء متجددة.

هذا التحول يقلل تعرض الاقتصادات لتقلبات الأسواق العالمية، ويجعل فاتورة الطاقة أكثر قابلية للتنبؤ، وهو عنصر حاسم للاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ثورة صامتة لكنها حاسمة

قد لا تحظى المضخات الحرارية العملاقة بالبريق الإعلامي نفسه الذي تحظى به السيارات الكهربائية أو مزارع الرياح، لكنها تمثل ثورة صامتة في أحد أكثر قطاعات الاقتصاد استهلاكًا للطاقة.

كما أعادت السكك الحديد في القرن التاسع عشر تشكيل التجارة والمدن، قد تعيد هذه المضخات في القرن الحادي والعشرين تشكيل علاقة المدن بالطاقة والتدفئة. 

الرهان ليس فقط على خفض الانبعاثات، بل على بناء اقتصاد طاقة أكثر استقرارًا، وأقل عرضة للصدمات، وأكثر انسجامًا مع متطلبات المستقبل.

اقرأ أيضًا:

واردات أوروبا من الديزل ترتفع مع بدء موسم التدفئة 2025

"تدفئة وتبريد بدون تكييف".. أبرز المعلومات عن الزجاج الموفر للطاقة

Short Url

search