"الصراع الكبير"، محكمة الاستئناف والفيدرالي في مواجهة استراتيجية ترامب الاقتصادية
السبت، 30 أغسطس 2025 02:09 م

هل سيغير حكم محكمة العليا قواعد اللعبة الاقتصادية؟
ميرنا البكري
بدأت القصة بحكم من محكمة استئناف أمريكية يُبطل معظم رسوم ترامب الجمركية موضحًا أنها “غير قانونية” مع استمرار الرسوم حتى 14 أكتوبر للاستئناف أمام المحكمة العليا، وفي نفس اللحظة تقريبًا، يظهر ملف استقلال الاحتياطي الفيدرالي على السطح وبقوة، نظرًا لانتقادات ترامب العلنية والتلويح بالإقالات ومحاولات لإعادة رسم علاقة البيت الأبيض بالبنك المركزي، وينتج عن ذلك مواجهة مزدوجة قد تعيد تشكيل سياسة ترامب الاقتصادية من أساسها.

حكم الاستئناف، وقف مؤقت لسلاح الرسوم
صدر حكم من محكمة الاستئناف الامريكية بأغلبية 7 ضد 4، باعتبار أن معظم الرسوم المضادة التي تم فرضها في أبريل، ومعها حزمة أخرى في فبراير على الصين وكندا والمكسيك، غير قانونية، كما أتاحت المحكمة فترة سماح للطعن أمام المحكمة العليا حتى 14 أكتوبر.
وهناك عدة استثناءات، فالرسوم التي تم فرضها تحت سلطات قانونية مثل الصلب والألومنيوم غير متأثرة بالحكم، كما رد الرئيس الامريكي دونالد ترامب على المحكمة واتهمها بـ“التحيز”، مع رهان علني على أن المحكمة العليا ستلغي الحكم وترتجع الرسوم كسلاح تفاوض رئيسي.
الرسوم كانت عمود في سياسة ترامب الخارجية، فتضغط على الشركاء لإعادة التفاوض، وتمنح الصناعة المحلية مظلة حماية، لكن هذا بمقابل تذبذب أسواق وارتفاع تكاليف على المستهلك وسلاسل الإمداد، فهذا الحكم يهز العمود من أساسه.
استقلال الفيدرالي، من “حَكم فوق السياسة” إلى ساحة شد وجذب
من 1907 إلى 1913، لماذا تأسس الفيدرالي؟
بعد ذعر مالي كبير عام 1907، تم تأسيس الفيدرلي عام 1913 لكي يكون مؤسسة مستقلة تفصل سعر الفائدة والتضخم والسيولة عن أهواء السياسة قصيرة المدى، ويُعد هذ الاستقلال هو الذي بنى الدولار كعملة احتياطي عالمية.
اليوم، الجدار يتشق
لا يكتفي ترامب بالتغريدات والضغط العلني على الفيدرالي، لكنه لوح بإقالة محافظين (مثل ليزا ليزا كوك)، بالإضافة إلى محاولات تسييس التعيينات في مجلس المحافظين والبنوك الإقليمية.
فيُعد هذا ظرف عالمي حساس في ظل الديون الأمريكية المرتفعة، وصعود منافسين (كالصين والبريكس)، وأيضًا تسارع فك الارتباط بالدولار، فبالتالي أي هزة في صورة الفيدرالي لا تظل داخلية، بل سترد في النظام المالي العالمي بأكمله.
أشكال التسييس، الخريطة كاملة
تتنوع أشكال التسييس التي يتبعها ترامب بين:-
ضغط على تشكيل القيادة، التأثير في توقيت قرارات الفايدة، تمويل العجز بشراء سندات بكثافة، تسويق سياسي للبيانات والمؤتمرات، شريعات تقلل الاستقلال، تصعيد إعلامي علني ضد باول، تحميل الفيدرالي تباطؤ الاقتصاد والبطالة، الضغط على الأبحاث والبيانات، وأيضًا تسييس البنوك الإقليمية.
ليس من الضروري أن يحدث هذا كله معًا، لكن تراكبه هو الخطر الحقيقي، فالبنك الذي تم تأسيسه ليكون “صمام أمان” يتحول لأداة سياسية.
الفيدرالي الأمريكي، من هو وكيف يعمل؟
يسعى الفيدرالي الأمريكي دائمًا لتحقيق هدفين، الحفاظ على استقرار الأسعار مما يعني تضخم لا يتجاوز 2%، والآخر ضمان التوظيف الكامل أي تكون البطالة بين 4% و 5%.
والهيكل التنظيمي له في واشنطن، ويتكون من مجلس المحافظين، الذي عددهم 7 أعضاء، وأيضًا يوجد لجنة فيدرالية للسوق المفتوحة (FOMC) ويتواجد بها رؤساء من 12 بنك إقليمي.
كما أن الأدوات التي يمتلكها الفيدرالي لتحقيق أهدافه، التأثير على "الفيدرال فندز ريت" من خلال عمليات السوق المفتوحة، وأيضًا فائدة على الاحتياطيات، وأدوات أخرى زي الـ ON RRP.
أما رئيس الفيدرالي، فهو أقوى صوت اقتصادي في واشنطن، فأي تصريح له يقلب السوق رأسًا على عقب.
خط زمني سريع لرؤساء الفيدرالي الأمريكي
فولكر:- رفع الفائدة لأكثر من 20% لكي يهزم التضخم ويضبط الاقتصاد.
جرينسبان:- خلال التسعينات، كان هناك نمو اقتصادي كبير، كما تم اتهامه بأنه متساهل في التعامل مع المشاكل الاقتصادية قبل عام 2008.
برنانكي:- خفض الفائدة حتى الصفر وضخ فلوس ضخمة في السوق وقت الأزمة الاقتصادية 2008.
يلين:- أول امرأة تقود الفيدرالي، وركزت على تقليل البطالة وبدأت دورة رفع الفائدة.
باول:- بدأ برفع الفائدة بشكل تدريجي، ثم رقعها بشكل سريع بعد جائحة كورونا وحرب أوكرانيا، كما يوجد توترات بينه وبين ترامب في ولايته الثانية.
التاريخ يعيد نفسه، لكن ما حدث الآن مختلفًا
في الماضي، غضب جونسون من مارتن وقال له: “جنودي في الخارج، وأنت ترفع الفائدة؟”، كما ضغط نيكسون على بيرنز قبل انتخابات 1972، مما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم، كما هاجم بوش الأب جرينسبان.
أي الضغط السياسي ليس أمرًأ جديدًا، لكن ما يحدث الآن أخطر، فهناك تغيير كبير في العلاقة بين البيت الأبيض والفيدرالي.
اقرأ أيضًا:-
إقالة مفاجئة تهز الدولار، ترامب يتحدى استقلالية الاحتياطي الفيدرالي

مصفوفة السيناريوهات، تعريفات واستقلال نقدي
1)إذا استمرت الرسوم، وتراجعت استقلالية الفيدرالي
قد يزداد التضخم بسبب ارتفاع تكاليف الواردات، ومع ضعف الفيدرالي قد يحدث تسييس لقرار الفائدة، وفي السندات، سيكون هناك قلق من تمويل العجز الحكومي، وبالتالي ستكون العوائد أعلى.
سيواجه الدولار حالة من التذبذب، ففي البداية قد يكون هناك دعم بسبب الرسوم، لكن على المدى الطويل ستتراجع الثقة في الدولار.
وبالنسبة للأسهم ستحمي الصناعات المحلية، لكن ستضغط على المستوردين والمستهلكين، والأسواق الناشئة ستعاني من تقلبات أكبر، وكلفة التمويل ستكون أعلى.
2) إذا استمرت الرسوم، مع استقرار الفيدرالي
سيتم التحكم في التضخم بشكل أفضل، بفضل السياسة النقدية التي تُنشأ "جزرة وعصا" لضبط آثار التعريفات، والعوائد ستكون أعلى قليلًا، لكن الفيدرالي سيكون قادر على التحكم بها، فالثقة ستكون أفضل نسبياً به، لأن السياسة التجارية شديدة لكن استقلالية الفيدرالي لازالت كما هي.
3) إذا تم إلغاء الرسوم، وتراجع دور الفيدرالي
من المتوقع أن تنخفض الأسعار بفضل تقليل تكاليف الواردات، لكن ضعف الفيدرالي سيُسبب مشاكل في التوقعات الاقتصادية على المدى البعيد، وقد يحدث تذبذب في العوائد.
ستشهد الأسهم انتعاشًا، لكن ستكون في حالة حذر عام بسبب التشكيك في قدرة الفيدرالي على التحكم.
4) إذا تم إلغاء الرسوم، مع استقرار الفيدرالي
سيتم التحكم في التضخم بشكل جيد بفضل التجارة المفتوحة والسياسة النقدية المنضبطة، كما سترتخي العوائد قليلًا مما يعطي الاسواق فرصة للتنفس.
كما سيحصل الدولار على دعم طويل الأجل بفضل الثقة في السياسة الاقتصادية، كما ستكون الأسواق الناشئة أكثر استعدادًا للمخاطر، وستستفيد من تدفقات رأسمالية أقوى
تأثير وقف الرسوم وتسييس الفيدرالي على الاقتصاد
إذا تم إيقاف الرسوم مؤقتًا بعد 14 أكتوبر، او تم إلغائها، فمن المؤكد أن الرابحين هم، المستوردين الأمريكيين، تجار التجزئة، سلاسل توريد التكنولوجيا والإلكترونيات، والشركاء التجاريين (كالصين/كندا/المكسيك).
وتتعرض الصناعات المحمية التي كانت تعتمد على الرسوم، لخسائر كبيرة، كما ستتأثر بعض الوظائف المحلية الحساسة للمنافسة السعرية سلبًا، وإذا تم تسييس الفيدرالي، فقد يفقد الدولار مصداقيته، كما ستتعرض العوائد لتذبذبات كبيرة.
اقرأ أيضًا:
هل تنهار "عصا ترامب التجارية"؟ محكمة الاستئناف تستهدف الرسوم الجمركية

خطوط زمنية، ماذا نراقب؟
حتى 14 أكتوبر، الرسوم ستستمر، وسيكون الجميع مترقب رد المحكمة العليا، كما أن الربع الأخير في 2025، ستكون قرارات الفيدرالي به أكثر وضوحًا.
أبرز المؤشرات التي من الضروري متابعتها
أسعار المستوردين:- توضح تأثير الرسوم على الأسعار مباشرة.
منحنى العائد الأمريكي:- يقيس تأثير السياسة المالية والتسييس على السوق.
توقعات التضخم:- توضح توقعات السوق لمعدلات التضخم في المستقبل.
أبرز التوقعات من التحليل
1. تقلب أعلى بالربع المقبل في الأسهم والسندات والدولار، بسبب ازدواجية المخاطر كقضية الرسوم، وملف استقلال الفيدرالي.
2. إذا دعمت المحكمة العليا الحكم، سيحدث انفراجة سعرية لبعض السلاسل، كما سستعرض الصناعات محمية لضغط؛ وقد يتراجع التضخم قليلًا، لكن الفيدرالي يظل اللاعب الحاسم.
3. إذا تم تسييس الفيدرالي، ستتأثر تقييمات الأسهم المتحسسة للفائدة.
4. أفضل سيناريو للأسواق، استقلال نقدي واضح وحل قانوني يخفف التعريفات تدريجيًا، مما يعني دعم الثقة وتقليل التقلبات.

أبرز التوقعات على المنطقة ومصر
1.ينتج عن تراجع التعريفات عالميًا، تخفيف أسعار مدخلات المعدات، تحديدُا في في الإلكترونيات والماكينات.
2.قد يؤثر تقلب الدولار على سلع أساسية كالقمح والوقود، وبالتالي على هوامش الميزانيات في المنطقة.
3.ثقة النظام المالي مهمة للتدفقات والسياحة والاستثمار المباشر، فأي مساس باستقلال الفيدرالي يزود علاوة المخاطر.
أهم النتائج المستلخصة من التحليل
1.فتح الحكم على الرسوم جبهة قانونية تهدد ركيزة أساسية في سياسة ترامب الاقتصادية.
2.يُعد الفيدرالي “العصب الحساس”، فأي تسييس واسع يخصم من مصداقية الدولار ويرفع كلفة رأس المال عالميًا.
فالمراقبة حتى 14 أكتوبر ضرورية، وبعدها تبدأ الجولة الكبرى أمام المحكمة العليا.
ختامًا، المعركة ليس على قرار فائدة أو بند تعريفة بعينه، بل معركة معركة على قواعد الحكم الاقتصادي في أمريكا، فهل يظل النظام الذي بنى الثقة في الدولار قرن كامل، أم يتجه لنموذج قصير النفس تسيطر عليه السياسة؟
سيظهر الجواب من قاعتين، قاعة المحكمة العليا، وقاعة اجتماعات الفيدرالي. وأثره لن يقف عند واشنطن، بل يؤثر على كل اقتصاد مربوط بالدولار.
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (نبض) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (تليجرام) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر قناة (يوتيوب) اضغط هــــــــنا
تابع موقع إيجي إن عبر تطبيق (واتساب) اضغط هــــــــنا
إيجي إن-Egyin، هو موقع متخصص في الصناعة والاقتصاد، ويهتم بتقديم خدمة صحفية متميزة للقارئ، وهدفنا أن نصل لقرائنا الأعزاء بالخبر الأدق والأسرع والحصري، وبالاضافة لتغطية ومتابعة على مدار الـ 24 ساعة، لـ أسعار الذهب، أسعار العملات، أسعار السيارات، أسعار المواد البترولية، في مصر والوطن العربي وحول العالم.
Short Url
القطاع اللوجستي يصطدم بالتكنولوجيا.. مستودعات الغد بين الأتمتة والواقع العملي
28 أغسطس 2025 11:18 ص
إنفيديا على الحافة.. بين لهيب الحرب التجارية وجنون الذكاء الاصطناعي
28 أغسطس 2025 12:29 ص
تقاطع السياسة مع المال.. خطورة التدخل السياسي في عمل البنوك المركزية
27 أغسطس 2025 10:47 م
أكثر الكلمات انتشاراً