الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026

09:18 ص

«جرامات التعبئة الزائدة».. كيف تتحول انحرافات ماكينات الإنتاج إلى فاقد بمئات الأطنان سنويًا؟

الثلاثاء، 03 نوفمبر 2026 07:30 ص

ماكينات الإنتاج في المصانع

ماكينات الإنتاج في المصانع

هدير جلال

تُمثل التعبئة الزائدة أحد التحديات التشغيلية والاقتصادية التي تواجه مصانع الصناعات الغذائية، إذ قد يبدو تجاوز الكمية المعلنة على العبوة بجرام واحد أمرًا محدودًا، لكنه يتحول مع ملايين العبوات المنتجة سنويًا إلى كميات كبيرة من المواد الخام وتكاليف إضافية تؤثر على كفاءة التشغيل وربحية المصنع.

وقال الدكتور عدنان محمد خضر، الخبير والمستشار الدولي المعتمد في سلامة الغذاء، إن التعبئة الزائدة تعني زيادة الكمية الفعلية للمنتج داخل العبوة عن الوزن أو الحجم الاسمي المعلن، موضحًا أن هذه الزيادة قد تنتج عن رفع إعدادات ماكينة التعبئة بصورة احترازية، أو تفاوت أداء رؤوس التعبئة، أو تغير الإعدادات أثناء التشغيل.

 جرام واحد قد يعني 96 طنًا إضافيًا سنويًا

وأوضح "خضر"، أن التأثير الاقتصادي للتعبئة الزائدة يتضح عند تطبيقه على خطوط الإنتاج ذات الطاقات الكبيرة، مشيرًا إلى أنه إذا كان الخط ينتج 24 ألف عبوة في الساعة، ويعمل 16 ساعة يوميًا لمدة 250 يومًا سنويًا، فإن إجمالي الإنتاج المحسوب يصل إلى 96 مليون عبوة سنويًا.

وأضاف أنه عند وجود متوسط زيادة قدره جرام واحد في كل عبوة، فإن كمية المنتج الإضافية تصل إلى 96 طنًا سنويًا، بينما تعادل زيادة نصف غرام 48 طنًا، وترتفع إلى 192 طنًا عند وصول متوسط الزيادة إلى غرامين لكل عبوة.

وأكد أن هذه الحسابات تظل مشروطة بتحقق معدلات الإنتاج وساعات التشغيل المذكورة، لافتًا إلى ضرورة الاعتماد على أعداد العبوات المنتجة والمباعة فعليًا ومتوسط الزيادة المقاس لكل منتج وحجم عبوة، حتى لا تؤدي الحسابات إلى المبالغة في تقدير الفاقد.

 التكلفة الحقيقية للتعبئة الزائدة تتجاوز قيمة المواد الخام

وأشار خبير سلامة الغذاء إلى أن تقييم الأثر المالي للتعبئة الزائدة يتطلب التمييز بين تكلفة المواد الإضافية التي يمكن تجنبها، والتكلفة المحاسبية الكاملة للمنتج، والفرصة الإنتاجية التي قد تتيحها الكمية الموفرة لتعبئة عبوات إضافية.

وأوضح أن تكلفة التعبئة الزائدة تُحسب بضرب كمية المنتج الإضافية بالكيلوجرام في تكلفة الكيلوجرام ذات الصلة بالقرار، مشددًا على أهمية عدم احتساب قيمة المادة الموفرة وإيرادات بيع الكمية نفسها كمنفعتين منفصلتين بما يؤدي إلى ازدواجية الحساب.

ولفت إلى أن التعبئة الزائدة لا تعني بالضرورة إتلاف المنتج، فقد تصل الكمية الإضافية إلى المستهلك وتُستهلك، لكنها تظل كمية قُدمت دون مقابل إضافي، بما يرفع استهلاك المواد الخام لكل عبوة مباعة.

ضبط الجودة يحمي المستهلك ويخفض تكلفة الإنتاج

وشدد خضر على أن خفض التعبئة الزائدة لا يعني تقليل الكمية المعلنة على العبوة، وإنما تحسين كفاءة عملية التعبئة مع الحفاظ على مطابقة المنتج للمتطلبات القانونية والفنية.

وأوضح أن توصية المنظمة الدولية للقياس القانوني OIML R 87:2016 تضع متطلبات تتعلق بمتوسط الكمية الفعلية والعبوات الفردية، بما يضمن ألا يقل متوسط المحتوى عن الكمية الاسمية، إلى جانب ضوابط للعبوات التي يقل محتواها عن الحدود المسموح بها.

وأضاف أن دليل NIST Handbook 133، إصدار 2026، يتضمن إجراءات لفحص مطابقة بيانات الكمية الصافية للمنتجات المعلنة بالوزن أو الحجم، مع ضرورة مراجعة التشريعات المعمول بها في بلد التصنيع وأسواق التصدير قبل تحديد قواعد القبول النهائية.

وأكد أن متوسط وزن التعبئة وحده لا يكفي للحكم على أداء ماكينة الإنتاج، إذ يجب متابعة الانحراف المعياري، ونسبة العبوات غير المطابقة، وأداء كل رأس تعبئة، والتغيرات التي تحدث بين الورديات والتشغيلات المختلفة.

اختلاف خصائص المنتج قد يرفع أوزان التعبئة

وأوضح خبير سلامة الغذاء أن هناك مجموعة من الأسباب الفنية التي قد تؤدي إلى ارتفاع متوسط التعبئة، من بينها تغير درجة حرارة المنتج أو لزوجته وكثافته، ودخول الهواء أو تكون الرغوة، وتغير ضغط التغذية ومستوى خزان المنتج، فضلًا عن اختلاف توقيت فتح الصمامات وإغلاقها أو حدوث تقطير بعد انتهاء الجرعة.

وأضاف أن تآكل الصمامات والأختام، وتغير سرعة الخط، وأخطاء قياس الوزن الفارغ، والتعديلات غير الموثقة من المشغلين، من العوامل التي ينبغي فحصها عند التحقيق في ارتفاع متوسط وزن العبوات.

وأشار إلى أن تقليل التفاوت بين رؤوس التعبئة يمثل خطوة مهمة تسمح بخفض متوسط التعبئة بصورة تدريجية، مع المحافظة على مطابقة العبوات، محذرًا من خفض المتوسط دون معالجة أسباب التفاوت، لأن ذلك قد يؤدي إلى زيادة العبوات الناقصة والرفض وإعادة التشغيل.

مختبر الجودة يبدأ من دقة الميزان

وأكد خضر أن نجاح برامج تحسين التعبئة يرتبط بقدرة نظام القياس على رصد التغيرات الصغيرة بثقة، موضحًا أن مختبر الجودة يجب أن يراجع دقة الميزان، وملاءمة مجال القياس، والتكرارية، واستقرار الصفر، وتأثير الاهتزاز والتيارات الهوائية، فضلًا عن اختلاف نتائج القياس بين المشغلين وعدم اليقين المرتبط بالقياس.

وأضاف أن الوزن الصافي يُحسب بطرح وزن مواد التعبئة من الوزن الإجمالي، محذرًا من الاعتماد على وزن فارغ ثابت رغم وجود اختلافات بين العبوات أو الأغطية أو الزجاجات، لما قد يسببه ذلك من ظهور زيادة أو نقص غير حقيقي في كمية المنتج.

ولفت إلى أن معيار ISO/IEC 17025 يحدد متطلبات كفاءة مختبرات الاختبار والمعايرة وحيادها واتساق عملياتها، بما يدعم موثوقية نتائج القياس المستخدمة في تقييم خطوط الإنتاج.

 مراقبة رؤوس التعبئة والتغذية الراجعة تقللان الانحراف

وأوضح خبير سلامة الغذاء أن الاعتماد على متوسط وزن الخط بالكامل قد يخفي اختلافات بين رؤوس التعبئة، فقد يعمل أحد الرؤوس بزيادة مستمرة، بينما ينتج رأس آخر عبوات أقل من المستهدف، ولذلك يجب ربط العينات برقم الرأس ووقت السحب ونوع المنتج وسرعة الخط ودرجة الحرارة وحالة التشغيل.

وأشار إلى أهمية استخدام خرائط الضبط الإحصائي للكشف عن الانجراف والأنماط غير العشوائية، مع التفرقة بين حدود الضبط الإحصائي وحدود قبول المنتج، إذ إن استقرار العملية لا يعني بالضرورة مطابقتها للمواصفات.

وأضاف أن أجهزة فحص الوزن أثناء التشغيل تتيح مراقبة العبوات ورفض غير المطابق منها، ويمكن ربطها بماكينات التعبئة لتصحيح المتوسط تدريجيًا، مع مراعاة سرعة الخط واستقرار انتقال العبوات وتفاوت أوزان مواد التغليف وكفاءة نظام الرفض وتسجيل البيانات.

برنامج تدريجي لتحسين كفاءة التعبئة

وأكد خضر على أن تحسين كفاءة التعبئة يتطلب برنامجًا تطبيقيًا يبدأ بتحديد المنتجات والأحجام الأعلى تكلفة في التعبئة الزائدة، ثم التحقق من نظام القياس والوزن الفارغ، وجمع بيانات خط الأساس لكل رأس تعبئة، وتحديد الأسباب الفنية وإجراء أعمال التصحيح والصيانة.

وأوضح أن خفض متوسط الزيادة من جرام واحد إلى 0.4 غرام، على أساس إنتاج فعلي يبلغ 96 مليون عبوة، يعني تقليل كمية المنتج الإضافية بنحو 57.6 طن سنويًا، بما يعكس حجم الوفر الممكن تحقيقه عند تحسين أداء خطوط الإنتاج.

وشدد على أن نجاح المشروع لا يُقاس فقط بانخفاض كمية المنتج الإضافية، بل باستمرار مطابقة متوسط الكمية والعبوات الفردية، وعدم التأثير على جودة المنتج أو سلامة الإغلاق، بما يحقق التوازن بين حماية المستهلك ورفع كفاءة استخدام المواد الخام وتقليل تكلفة الإنتاج.

Short Url

search