الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

07:55 م

أيمن سليمان يكتب: 609 مليارات جنيه في أسبوع.. كيف يُحكِم المركزي قبضته على السيولة دون رفع الفائدة؟

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 05:32 م

أيمن سليمان - كاتب وباحث اقتصادي

أيمن سليمان - كاتب وباحث اقتصادي

أيمن سليمان - كاتب وباحث اقتصادي

حين ترتفع الضغوط على الأسعار، تتجه الأنظار عادةً إلى سؤال واحد: هل يرفع البنك المركزي سعر الفائدة؟ لكن إدارة السياسة النقدية تملك مساحة أوسع من هذا السؤال؛ فإلى جانب التحكم في سعر النقود، يستطيع المركزي إدارة كمية السيولة المتاحة داخل البنوك، بما يعزز أثر قراراته دون الحاجة إلى زيادة جديدة في الفائدة.

وفي هذا الإطار، استوعب البنك المركزي المصري سيولة بقيمة 609.74 مليار جنيه من 16 بنكًا، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، بعائد سنوي 19.5%، عبر عطاء السوق المفتوحة. وهي عملية تعكس حجم استخدام هذه الأداة في إدارة فوائض السيولة لدى الجهاز المصرفي.

ورغم ضخامة الرقم، فإن الآلية بسيطة: تودع البنوك فائض أموالها لدى البنك المركزي لمدة سبعة أيام مقابل عائد، من خلال «العملية الرئيسية لربط الودائع». ويقبل المركزي جميع العطاءات المقدمة في هذه العملية، وفق النظام المطبق منذ أبريل 2024. وبذلك تتحول السيولة الفائضة إلى ودائع مؤقتة لديه، بدلًا من بقائها متاحة للتوظيف الفوري بين البنوك.

وتظهر أهمية هذه الخطوة عندما ندرك أن إعلان سعر للفائدة لا يكفي وحده لضمان تأثيره. فإذا كانت السيولة وفيرة بصورة كبيرة، قد تجد البنوك نفسها قادرة على إقراض بعضها بأسعار أقل، فتضعف قوة انتقال السياسة النقدية إلى السوق. وهنا يتدخل المركزي لامتصاص الفائض، والحفاظ على اقتراب سعر العائد الفعلي بين البنوك من سعر العملية الرئيسية، وهو الهدف التشغيلي الذي يعلنه لإدارة السيولة.

الفكرة إذن: أن يجعل المركزي الفائدة القائمة تعمل بكفاءة أكبر، دون أن يستدعي كل فائض في السيولة رفعًا جديدًا لها.

وهذا فارق اقتصادي مهم؛ فرفع الفائدة على نطاق واسع قد يزيد تكلفة الاقتراض على الشركات والأفراد وأعباء تمويل النشاط الاقتصادي. أما ربط الودائع، فيتيح التعامل مباشرةً مع فوائض السيولة المصرفية، بحسب حجمها وتطورها من أسبوع إلى آخر. ومع ذلك، تظل هذه الأداة مكملةً لسعر الفائدة وتعتمد على العائد الذي يحدده المركزي لجذب تلك الفوائض.

أما علاقتها بالتضخم، فتبدأ من منع السيولة الزائدة من إضعاف السياسة النقدية وتشجيع توسع مفرط في التمويل والطلب. فكلما نجح المركزي في ضبط السيولة والحفاظ على تأثير الفائدة، زادت قدرته على تهدئة الضغوط النقدية التي قد تغذي ارتفاع الأسعار.

لكن الأثر لا يظهر فورًا على أرفف المتاجر؛ لأن التضخم يتأثر كذلك بتكاليف الإنتاج والطاقة وسعر الصرف وتوافر السلع. لذلك فإن امتصاص السيولة يساعد على تهيئة الظروف لتباطؤ ارتفاع الأسعار، دون أن يعني بالضرورة انخفاضها أو إمكان تحديد مقدار تراجع التضخم نتيجة عطاء واحد.

كذلك، فإن قراءة الرقم تحتاج إلى دقة: الأموال مربوطة لمدة أسبوع، ثم تستحق وتعود للبنوك ما لم يُعَد ربطها. وقد تتزامن العملية الجديدة مع استحقاق ودائع سابقة؛ ومن ثم فإن 609.74 مليار جنيه تمثل قيمة العطاء، ولا تعني بالضرورة سحب المبلغ نفسه كسيولة إضافية صافية.

ومن هنا، فإن تقييم نجاح المركزي يتجاوز ضخامة الأموال التي يستوعبها؛ ليشمل مدى استقرار أسعار التعامل بين البنوك، وقوة انتقال السياسة النقدية، وتطور التضخم بمرور الوقت.

وتكشف هذه العملية عن أهمية إدارة السيولة بوصفها أداة مرنة تمنح المركزي قدرة على ضبط السوق دون اللجوء تلقائيًا إلى رفع جديد للفائدة. فمهارة السياسة النقدية تظهر في اختيار الأداة المناسبة، بالقدر المناسب، وفي التوقيت المناسب؛ حتى يتحقق استقرار الأسعار بأقل تكلفة ممكنة على النشاط الاقتصادي.

Short Url

search