الأربعاء، 21 أكتوبر 2026

11:00 م

دكتور تامر مؤمن يكتب إلى «منتدى مصر 2026»| الصناعة المصرية المستدامة: رؤية مصرفية لحماية الصادرات وسلاسل الإمداد

الأربعاء، 21 أكتوبر 2026 05:18 م

  دكتور تامر مؤمن

دكتور تامر مؤمن

بعيدا عن لغة الأرقام المجردة في الموازنات الكبرى، تدور معركة البقاء الحقيقية لاقتصادنا الوطني على أرضية المصانع وخطوط الإنتاج. وفي الوقت الذي تحتضن فيه العاصمة الإدارية فعاليات «منتدى مصر 2026»، لبلورة مسارات الاقتصاد الوطني، يواجه القطاع الصناعي واقعاً دولياً شديد الصرامة، يتحول فيه الامتثال التنظيمي من ميزة تنافسية إلى رخصة تشغيل إلزامية للبقاء ضمن منظومة التجارة العالمية. هذا الواقع التشغيلي الضاغط هو ما دفعنا لنقل نبض خطوط الإنتاج إلى طاولات متخذي القرار، عبر تقديم مقترحات وأوراق سياسات متكاملة تم اعتمادها رسمياً على المنصة الحكومية للمنتدى، لتكون استكمالاً تطبيقياً لمشروعنا الفكري "الصناعة المصرية المستدامة" الذي أطلقناه عبر منصة إيجى إن (قلب الصناعة)، بهدف حماية عصب التصنيع الوطني من شبح الاستبعاد التسويقي وتآكل الحصص التصديرية.

لقد أكدنا مرارا، أن الأزمة في جوهرها تتمركز حول خنق «سلاسل الإمداد»، حيث تشير المؤشرات الدولية إلى أن صادراتنا للسوق الأوروبية تواجه انكشافاً يتجاوز 3.5 مليار يورو سنويا، أمام مقصلة آلية تعديل حدود الكربون. 

بيد أن الخطر الأكبر يكمن في البصمة الكربونية غير المباشرة التي تُمثل العبء الأثقل للشركات التصديرية الكبرى.

هذا التتبع الصارم يعني أن الكيانات الصناعية الضخمة ستضطر لقطع علاقاتها مع أي مصنع محلي مغذٍ أو مشروع صغير يفتقر للكفاءة البيئية حماية لمنتجها النهائي، هكذا، تجد المشروعات الصغيرة والمتوسطة (SMEs)، نفسها في مواجهة خطر الاستبعاد التصديري الشامل، وهو ما يعصف بجهود تعميق المكون المحلي، وهنا يتجلى الدور المحوري للقطاع المصرفي؛ حيث طالبنا في مقترحنا المعتمد بتوجيه الائتمان بانتقائية نحو "التوطين النوعي العميق"، لتمكين المشروعات المغذية من تحديث آلاتها وضمان بقائها في منظومة التصدير.

ولمواجهة هذا التحدي التنظيمي، طرحت أوراقنا في المنتدى «التمويل الانتقالي»، كشريان حياة ضروري لإنقاذ التدفقات النقدية، فالصناعات الاستراتيجية المصرية كالحديد والألومنيوم والأسمنت لا تملك عصا سحرية للوصول الفوري للانبعاثات الصفرية، خاصة مع التهديدات المستحدثة بتقييد واردات الخردة، التي كانت تضمن لتلك المصانع استهلاكاً منخفضاً للطاقة، التدخل الائتماني الحصيف يقتضي توفير حزم تمويلية بأسعار تنافسية تمكن هذه المصانع من تحديث أفرانها وغلاياتها تدريجياً، بعيداً عن اشتراطات «التمويل الأخضر»، المفرطة التي قد تصيب الكيانات بالشلل.

 ولكي تتحول هذه الرؤية إلى قرارات تمويلية فعلية، يجب تغيير لغة التخاطب بين المصنع والمؤسسة المصرفية لابتكار مؤشرات تقييم حديثة، وإن نجاح المصنع في تخفيض نفقات استهلاك الطاقة بنسب تتراوح بين 10% إلى 15% يمثل طفرة في كفاءة التشغيل، وهو ما يجب أن يُترجم فوراً داخل بسط معادلة معدل تغطية خدمة الدين، فعندما يرى صانع القرار الائتماني هذا التحسن، فإنه رياضياً أمام عميل انخفضت احتمالية تعثره، ما يستوجب تمويله بشروط ميسرة.

إن مخرجات «منتدى مصر 2026»، تضع القطاع المصرفي والتمويلي أمام مسؤوليته التاريخية، ليس كممول للعمليات الجارية، بل كشريك استراتيجي يضمن اندماج المنتج المصري بفاعلية وأمان في  شرايين الاقتصاد، هذه المقررات تعكس إدراكاً سيادياً بأن حماية الصناعة الوطنية تتطلب تضافراً بين تشغيل ذكي وائتمان جريء، ليظل المنتج المصري عصياً على العزلة، وحاضراً بقوة ضمن سلاسل الإمداد العالمية.

 دكتور تامر مؤمن الخبير المصرفي والمحلل الاقتصادي

Short Url

search