الاقتصاد العالمي في مواجهة صدمات متلاحقة.. كيف يصمد النمو أمام مخاطر الطاقة والديون والتضخم؟
الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026 01:58 م
صندوق النقد الدولي
إيمان البصيلي
في أحدث تقرير له حول آفاق الاقتصاد العالمي، قال صندوق النقد الدولي إن الاقتصاد العالمي تعرض لسلسلة استثنائية من الأحداث في أقل من 7 سنوات، اختبرت قدرة الأسر والشركات والأسواق المالية والحكومات على الصمود بداية من الجائحة وما أعقبها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، والحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط وما ترتب عليها من ارتفاعات حادة في أسعار الطاقة وغيرها من السلع الأولية، والتحولات العميقة في الحواجز التجارية والعلاقات التجارية، قائلًا "كان وقوع أي من هذه التطورات الكبرى، منفردا، احتمالا بعيدا؛ أما أن تتوالى جميعها في هذا الحيز الزمني القصير، فذلك أمر استثنائي بكل المقاييس".
وأضاف تقرير الصندوق أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرته على الصمود في وجه هذه الصدمات. وحافظت أسواق العمل على قوتها على نحو فاق التوقعات؛ وتمكنت النظم المالية بوجه عام من امتصاص الصدمات والصمود أمام أشد موجة من التشديد النقدي منذ نصف قرن؛ وانحسر التضخم عن ذروته في كثير من الاقتصادات، وإن ظل عصيًا على التراجع في بعضها.

تراجع المخزونات يهدد بتفاقم التضخم وضغوط الغذاء
وظهرت قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود في توقعات النمو العالمي التي أصدرتها الصندوق برغم من الأزمات، فتشير التوقعات إلى نمو النشاط العالمي بنسبة 3,1% في عام 2026 و3,4% في عام 2027، بالإضافة إلى صعود التضخم الكلي العالمي إلى 4,7% هذا العام، مدفوعا أساسا بارتفاع أسعار السلع الأولية، قبل أن يتراجع إلى 4,1% في العام التالي، في حين يُتوقع أن يسجل التضخم الأساسي 3,9% و3,7% في عامي 2026 و2027 على الترتيب.
وأرجع الصندوق صمود الاقتصاد العالمي لمجموعتين رئيسيتين من العوامل أولها مساعدة إعادة توجيه إمدادات الطاقة؛ وزيادة إنتاجها في بلدان أخرى؛ والسحب من المخزونات؛ والتحول إلى مصادر بديلة للطاقة، بما فيها الطاقة المتجددة؛ وارتفاع كفاءة استخدام الطاقة في امتصاص التداعيات في أسواق الطاقة، قائلًا أنه لولا هذه الهوامش التي أتاحت التكيف مع الصدمة، لكان اضطراب إمدادات النفط وحده كفيلا بإحداث تراجع هائل في النمو العالمي في عام 2026.
وأضاف الصندوق أن المجموعة الثانية من العوامل هى طفرة الاستثمار التي أطلقها الذكاء الاصطناعي والتى بثت زخمًا جديدًا في النشاط العالمي والتجارة الدولية. وواصل الاستثمار صعوده على خلفية التوقعات بزيادة العائدات والدخول الحقيقية وهو ما انعكس بدوره على تقييمات الأسهم.
إلا أن الصندوق أشار إلي أن قدرة الاقتصاد العالمي على الصمود باتت تحت الضغط، وصموده لن يدوم طويلًا بدون تعزيز طاقة الإمداد وإعادة بناء هوامش الأمان المتاحة للسياسات، خاصة أن تراجع مخزونات الطاقة قد يؤدي إلى انتقال تداعيات الصدمات الجيوسياسية بقوة أكبر إلى أسعار الطاقة وبالتالي باقي السلع، وستكون البلدان والأسر منخفضة الدخل الأكثر عرضة لمخاطر ارتفاع أسعار الغذاء الناتجة عن اضطرابات النقل، وارتفاع تكاليف الأسمدة، وقيود التصدير، والظواهر الجوية المتطرفة.

الحرب ترفع تكلفة الاقتراض عالميًا.. وصندوق النقد يحذر من فخ الديون وتآكل الهوامش المالية
وأضاف الصندوق أنه رغم أن الاستثمار المرتبط بالتكنولوجيا يمثل دعمًا مهمًا في مواجهة صدمة الطاقة، إلا أنه يؤدي إلى تركز المخاطر، فبات التوسع العالمي شديد الاعتماد على عدد محدود من الشركات والقطاعات والاقتصادات، ولذلك تفاوتت قدرة الاقتصاد على الصمود بين الدول، يُضاف إلى ذلك اشتداد القيود على السياسات الاقتصاديّة مع الارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض بالدول المتقدمة بفعل الضغوط السعرية ومخاطر المالية العامة.
فأظهرت بيانات الصندوق منذ بداية الحرب في الشرق الأوسط وحتى 30 سبتمبر 2026، ارتفاعًا حادًا في عوائد السندات السيادية لأجل 10 سنوات في الاقتصادات المتقدمة منذ أواخر فبراير 2026، أي بعد التوترات والحروب الأخيرة في الشرق الأوسط والتى أدت إلي زيادة تكلفة اقتراض الحكومات ، خاصة الاقتصادات المتقدمة التى كانت أكثر تأثرًا بالارتفاع ، فتصدرت فرنسا القائمة بزيادة بلغت نحو 150 نقطة أساس أى 1.5%، تلتها إيطاليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة وشهدوا ارتفاعات قوية متتالية تراوحت بين 100 إلي 103 نقطة أساس، ثم اليابان وألمانيا وكندا والتى ارتفعت فيهم تكلفة الاقتراض لتتراوح من 60 إلي 85 نقطة أساس، في حين سجلت الأسواق الصاعدة (باستثناء الصين) ارتفاعًا متوسطًا قدره 50 نقطة أساس، خالفت الصين الاتجاه العام بتراجع طفيف في تكلفة اقتراضها الحكومي وانخفضت فيها تكلفة الاقتراض لتسجل علامة سالبة، ويعود ذلك لسياسات التيسير النقدي ودعم الاقتصاد المحلي لديهم.
وقال الصندوق أن الدين العام بلغ مستويات مرتفعة في العديد من الاقتصادات، في حين استنُفدت هوامش الأمان المالي في امتصاص مختلف الصدمات. ويشكل التفاعل بين زيادة تكاليف التمويل وارتفاع مستويات الدين نقطة ضعف رئيسية. ولذلك يجب اتخاذ إجراءات قوية ومدروسة لإعادة بناء هوامش الأمان وتعزيز القدرة على الصمود في مواجهة الصدمات المستقبلية، جديدة كانت أم متكررة.

الدين العام العالمي يقترب من 95% من الناتج المحلي.. وصندوق النقد يحذر من موجة تضخم جديدة
وأظهر رسم بياني أصدره الصندوق وجود اتجاهًا متصاعدًا لمستويات الدين العام العالمي كنسبة من إجمالي الناتج المحلي منذ عام 2000، وعقب الذروة التاريخية التي سجلها الدين في عام 2020 بالتزامن مع جائحة كورونا مقتربًا من 100%، والتراجع المؤقت الذي تلاها، إلا أن تنبؤات الصندوق لعام 2026 وما بعدها أشارت إلى استئناف المنحنى التصاعدي ليصل قرب 95%، وهو ما يسلّط الضوء على تآكل الهوامش المالية للحكومات واشتداد مخاطر الاستدامة المالية.
وقال الصندوق إن ارتفاع أسعار السلع الأولية والمخاوف بشأن آفاق المالية العامة يهددان النمو ويؤججان التضخم لعام 2027. ويُظهر سيناريوالمخاطر الذي وضعه الصندوق تعرض الاقتصادات المتقدمة لضغوط تضخمية أعلى بـ 1.2 نقطة مئوية مقارنة بالمسار الأساسي مع انكماش نموها بـ 0.5 نقطة مئوية، بينما تسجل الأسواق الصاعدة تراجعًا في النمو قدره 0.6 نقطة مئوية واكتواءً بزيادة تضخمية قدرها 1.0 نقطة مئوية.
وشدد تقرير الصندوق على ضرورة مواصلة السياسة النقدية التركيز الصارم على استقرار الأسعار عبر الحفاظ على نهج متشدد لكبح التضخم وتجنب آثاره الثانوية، مع الاستعداد لمزيد من التشديد إذا تفاقمت الضغوط الناجمة عن أسعار السلع الأولية والاستثمار التكنولوجي، مؤكدًا أن استقلالية البنوك المركزية تظل ركيزة حاسمة لتحقيق هذا الهدف. ولضمان دعم النمو على المدى المتوسط.
كما دعى التقرير إلى ترسيخ الاستقرار المالي، ودعم ديناميكية القطاع الخاص، وتعزيز صلابة الإمدادات والمالية العامة. كما أكد على محورية التعاون الدولي لمواجهة الصدمات العابرة للحدود، عبر صياغة قواعد تجارية شفافة، وتعزيز أمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وإدارة مخاطر ومكاسب الذكاء الاصطناعي بحكمة، بهدف الانتقال من مرحلة التكيف مع الأزمات إلى إعادة بناء الحيز المالي ورفع الطاقات الإنتاجية لتحقيق نمو ورخاء شامل في العقد المقبل.
اقرأ أيضًا:
توقعات صندوق النقد لأسعار النفط 2026.. البرميل عند 96 دولارا والغذاء يرتفع 5%
صندوق النقد الدولي يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد المصري إلى 5.1%
صندوق النقد يتوقع نمو الاقتصاد العالمي 3.1% في 2026 رغم صدمة الطاقة
Short Url
مصر تتقدم 3 مراكز في مؤشر الابتكار العالمي 2026 والإمارات ضمن أفضل 25 اقتصادًا
13 أكتوبر 2026 02:15 م
الطاقة والديون وفورة الذكاء الاصطناعي على طاولة اجتماعات صندوق النقد والبنك الدولي في بانكوك
12 أكتوبر 2026 05:00 م
الذهب بين دعم مشتريات البنوك المركزية وضغط الفيدرالي.. من يكسب معركة الأسعار؟
09 أكتوبر 2026 03:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً