الأحد، 11 أكتوبر 2026

07:26 م

رئيس «التنمية الصناعية» السابق: متأخرات الطاقة والضرائب والتأمينات تعرقل عودة المصانع المتعثرة للإنتاج والمليار جنيه لا تكفي (حوار)

الأحد، 11 أكتوبر 2026 06:25 م

الدكتور محمد عبد الكريم

الدكتور محمد عبد الكريم

83 مليون جنيه متوسط نصيب المصنع من صندوق إنقاذ المصانع المتعثرة

صندوق إنقاذ المصانع يحتاج إلى البنوك والمستثمرين وليس التمويل الحكومي وحده

استعداد الملاك للفصل بين الملكية والإدارة شرط لإنقاذ المصانع المتعثرة

الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية أولويات دعم المصانع المتعثرة

ضخ الأموال دون إعادة الهيكلة قد يعيد المصانع المتعثرة إلى نقطة الصفر

6 أشهر كافية لظهور مؤشرات التعافي في المصانع بعد إعادة الهيكلة

فرق تنفيذية متخصصة داخل المصانع أهم من لجان الدراسات والتوصيات

ربط تمويل المصانع بمؤشرات الأداء يضمن جدية إعادة الهيكلة

نجاح مبادرة إنقاذ المصانع لا يقاس بعدد المنشآت التي تعود للتشغيل فقط

إنقاذ 12 مصنعًا بداية الطريق لبناء نموذج قادر على دعم مئات المصانع المتعثرة

تتصدر أزمة المصانع المتعثرة، ملف دعم الصناعة المصرية، في ظل التحديات التمويلية والإدارية والتشغيلية التي تواجه عددًا من المنشآت الصناعية، وما تفرضه من ضرورة البحث عن حلول تضمن استعادة الإنتاج، والحفاظ على فرص العمل، وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات المحلية، وفي هذا الإطار، تأتي مبادرة البنك المركزي المصري، ووزارة الصناعة، لإعادة هيكلة المصانع المتعثرة، من خلال صندوق استثماري برأسمال مليار جنيه يستهدف دعم المصانع القابلة للتعافي، في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن كفاية التمويل، ومعايير اختيار المصانع المستحقة للدعم، وآليات ضمان استدامة نشاطها بعد إعادة تشغيلها.

وفي حوار خاص لـ«إيجي إن»، يفتح الدكتور محمد عبد الكريم، رئيس هيئة التنمية الصناعية السابق، ورئيس مركز تحديث الصناعة الأسبق، وخبير الصناعة والحوكمة، ملف إعادة هيكلة المصانع المتعثرة، مستعرضًا رؤيته بشأن فرص نجاح المبادرة والتحديات التي قد تواجه تنفيذها، وأهمية التمييز بين المصانع المتعثرة ماليًا وتلك التي تحتاج إلى تدخلات فنية وإدارية وتسويقية، ويتناول الحوار دور المستثمرين والبنوك في تمويل عمليات التعافي، وأهمية الفصل بين الملكية والإدارة، وآليات تطوير منصة حصر المصانع المتعثرة، والمعايير التي يمكن من خلالها قياس نجاح المبادرة وتحويلها إلى نموذج مستدام لدعم الصناعة المصرية.

هل مليار جنيه كافٍ لدعم المصانع المتعثرة وإعادتها إلى الإنتاج؟

إذا جرى توزيع المليار جنيه على المصانع الاثني عشر المستهدفة مبدئيًا، فسيبلغ متوسط التمويل نحو 83 مليون جنيه للمصنع الواحد، وهو مبلغ محدود مقابل الحصول على حصة ملكية مؤثرة في مصنع متوسط الحجم، ولذلك، يجب أن يعمل الصندوق باعتباره مستثمرًا قائدًا يجذب معه البنوك والمستثمرين، وليس ممولًا وحيدًا للمصانع المتعثرة.

ومن المهم، أن يُحسم منذ البداية حجم التمويل المطلوب لكل مصنع، وكيفية التعامل مع الديون القائمة، وحقوق الصندوق في الإدارة والحوكمة، وآليات التخارج من الاستثمارات بعد نجاح عمليات إعادة الهيكلة، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال لدعم مصانع أخرى.

ما أهمية منصة حصر المصانع المتعثرة في تحديد حجم الأزمة؟

القيمة الحقيقية للمنصة، لا تتمثل في حصر أعداد المصانع فقط، وإنما في التمييز بين 3 حالات مختلفة، الأولى مصنع متعثر ماليًا لكنه لا يزال يعمل، والثانية مصنع متوقف لأسباب قابلة للمعالجة، والثالثة مصنع فقد مقومات استمراره.

هذا التصنيف ضروري لأن كل حالة تحتاج إلى تدخل مختلف، كما أن بناء قاعدة بيانات توضح أسباب التعثر يمكن أن يساعد في تطوير المنصة لتصبح نظام إنذار مبكر يرصد تدهور أوضاع المصانع قبل توقف الإنتاج، ويسمح بالتدخل في الوقت المناسب بدلًا من انتظار تفاقم الأزمة.

ما المعايير التي يجب الاعتماد عليها لاختيار المصانع المستحقة للدعم؟

المعيار الأساسي، يجب أن يكون قابلية المصنع للتعافي، وليس حجم الأزمة التي يواجهها، ويشمل ذلك وجود سوق لمنتجاته، وعدم تقادم أصوله بصورة تعوق المنافسة، وإمكانية معالجة أسباب تعثره من خلال خطة واضحة لإعادة الهيكلة.

وهناك عامل مهم غالبًا ما يجري تجاهله، وهو استعداد الملاك لقبول التغيير والفصل بين الملكية والإدارة، وكثير من المصانع المتعثرة مملوك لعائلات، وقد تكون العقبة الحقيقية رفض المالك التخلي عن السيطرة أو الاستعانة بإدارة محترفة أو قبول دخول شريك جديد في رأس المال.

ما القطاعات الصناعية التي ينبغي أن تكون لها الأولوية في الدعم؟

الأولوية يجب أن تكون للقطاعات ذات القيمة المضافة المحلية المرتفعة، والقادرة على إحلال الواردات، أو التصدير، وكثيفة التشغيل، مثل الصناعات الغذائية والهندسية والكيماوية والنسيجية، ولكن الاختيار لا ينبغي أن يعتمد على القطاع بصورة عامة، لأن كل قطاع يضم صناعات فرعية تختلف في التكنولوجيا المستخدمة وحجم الأسواق وهيكل التكلفة، ولذلك يجب تقييم جدوى كل مصنع على حدة، والاستعانة بخبرات فنية وتشغيلية متخصصة إلى جانب الخبرات المالية.

هل التمويل وحده يكفي لحل أزمة المصانع المتعثرة؟

بالتأكيد لا، والتجربة العملية تؤكد أن ضخ الأموال دون معالجة أسباب التعثر قد لا يحقق أي تحسن مستدام، وقد عملت على إعادة هيكلة إحدى الشركات الصناعية التي كانت مبيعاتها تتراجع عامًا بعد عام، رغم حصولها سابقًا على تمويل واستثمارات لم تنجح في تغيير أوضاعها.

وكشف التشخيص أن المشكلة لم تكن نقص التمويل، بل احتياج الأصول الثابتة والمتداولة إلى إعادة هيكلة، إلى جانب تطوير العمليات والجودة والتسويق، ومعالجة التداخل بين الملكية والإدارة، وبعد التعامل مع هذه المشكلات بصورة متكاملة، بدأت مؤشرات التعافي في الظهور خلال ستة أشهر، وأصبح التحسن ملموسًا بعد تسعة أشهر.

وبعد عام، تضاعفت الإنتاجية بأكثر من مرتين، ونمت المبيعات بنحو 80%، وعادت الشركة إلى السوق وتمكنت من سداد ديونها، وتوضح هذه التجربة أن التمويل دون معالجة الأسباب قد ينتهي إلى تغطية الخسائر أو سداد مستحقات الدائنين، ثم يعود المصنع إلى التعثر من جديد.

ما أبرز الأسباب التي أدت إلى تعثر المصانع في مصر؟

التعثر ليس حالة واحدة، فقد يكون ماليًا أو إداريًا أو فنيًا أو تسويقيًا، وغالبًا ما ينتج عن تداخل أكثر من سبب، وفي الحالة المصرية، أسهمت صدمات سعر الصرف في تآكل رأس المال العامل وارتفاع تكلفة المكونات المستوردة، كما تراكمت على مصانع عديدة متأخرات مستحقة للطاقة والضرائب والتأمينات، وبالتالي، لا تحتاج جميع المصانع إلى استثمارات رأسمالية جديدة بالضرورة، إذ قد يكون الحل في إعادة هيكلة الأصول، وتسوية المتأخرات، وتطوير الإدارة والعمليات، وإعادة بناء العلاقات مع الموردين والعملاء، بما يعيد المصنع إلى المنافسة ويضمن قدرته على الاستمرار.

كيف يمكن للصندوق التعامل مع الديون المتراكمة على المصانع؟

يجب وضع آلية واضحة للتعامل مع البنوك الدائنة، بما يضمن عدم استنزاف التمويل الجديد في سداد ديون قديمة على حساب إعادة التشغيل، ويتطلب ذلك دراسة الهيكل المالي لكل مصنع، وتحديد الالتزامات التي يمكن جدولتها، والاتفاق مع الدائنين على ترتيبات تسمح باستعادة النشاط الإنتاجي، وينبغي ربط ضخ التمويل بخطة إعادة الهيكلة ومراحل تنفيذها، مع وضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، حتى لا يحصل المصنع على كامل التمويل قبل التأكد من تحقيق تقدم فعلي في الإصلاح والتشغيل.

ما دور الدولة في مساندة المصانع المتعثرة بخلاف توفير التمويل؟

هناك حاجة إلى حزمة دعم غير مالية تشمل جدولة المتأخرات الحكومية، وتيسير إجراءات التراخيص، والمساعدة في إزالة العقبات التي تعوق استعادة الإنتاج، والمصنع المثقل بمتأخرات الطاقة والضرائب والتأمينات لن يتمكن بالضرورة من التعافي بمجرد ضخ رأس مال جديد، ويجب أن تتكامل هذه الإجراءات مع جهود إعادة الهيكلة المالية والفنية والإدارية، بحيث تحصل كل حالة على التدخل المناسب لأسباب تعثرها، بدلًا من تقديم حلول موحدة لمصانع تختلف في أوضاعها واحتياجاتها.

من المسؤول عن تنفيذ خطط إعادة هيكلة المصانع على أرض الواقع؟

المصنع المتعثر، لا يحتاج إلى لجان جديدة أو تقارير تنتهي بتوصيات عامة، وإنما إلى فريق تنفيذي محترف يمتلك الخبرة والصلاحيات اللازمة للعمل داخل المصنع بالتعاون مع إدارته، ويبدأ التعافي بالسيطرة على التدفقات النقدية ووقف النزيف المالي، ثم استعادة ثقة الموردين والعاملين، وإعادة هيكلة الأصول والعمليات والجودة والتسويق، وبعد تثبيت الأساس التشغيلي يمكن الانتقال إلى التوسع، أما القفز إلى التوسع قبل معالجة المشكلات الأساسية، فقد يؤدي إلى تكرار التعثر.

ما المقترحات التي تضمن نجاح مبادرة إعادة هيكلة المصانع المتعثرة؟

أقترح بناء منظومة مهنية لإدارة التعافي الصناعي بالاعتماد على المؤسسات القائمة، وفي مقدمتها مركز تحديث الصناعة، بالتكامل مع إدارة الصندوق وشبكة من الخبراء الفنيين والماليين والإداريين، ويجب تخصيص فريق مسؤول عن كل مصنع، يبدأ بتشخيص متكامل للأسباب، ثم يضع خطة تنفيذية محددة المسؤوليات والجداول الزمنية، مع ربط شرائح التمويل بمراحل الإنجاز ومؤشرات الأداء الفعلية، ومن الضروري أيضًا بناء الكوادر المصرية من خلال المشاركة العملية في عمليات إعادة الهيكلة، ضمن برنامج مؤسسي يمتد من عامين إلى ثلاثة أعوام، إلى جانب تطوير منصة الحصر لتصبح أداة للإنذار المبكر.

كيف يمكن قياس نجاح المبادرة بعد إعادة تشغيل المصانع المستهدفة؟

لا ينبغي قياس النجاح بعدد المصانع التي عادت إلى التشغيل فقط، وإنما بقدرتها على الاستمرار دون الحاجة إلى دعم جديد، وتحسن إنتاجيتها وتنافسيتها، وعدد الكوادر التي جرى تأهيلها، وقدرة الصندوق على التخارج من استثماراته وإعادة توظيف رأس المال في مصانع أخرى، وإعادة تشغيل 12 مصنعًا تمثل خطوة مهمة، لكن القيمة الأكبر تتمثل في تحويل التجربة إلى نموذج مؤسسي قابل للتكرار، يمكنه دعم مئات المصانع مستقبلًا، وبناء قدرة مصرية مستدامة على تشخيص مشكلات التعثر الصناعي ومعالجتها.

ما الخطر الأكبر الذي قد يواجه المبادرة؟

الخطر الأكبر، هو تحول المبادرة إلى طبقة جديدة من اللجان والدراسات دون تنفيذ فعلي داخل المصانع، والمطلوب هو الانتقال من التعامل مع التعثر بعد وقوعه إلى الحد من حدوثه، والتدخل المبكر لمعالجته بكفاءة إذا وقع، والمعيار الحقيقي للنجاح هو عودة الإنتاج، وتحسن القدرة التنافسية، واستمرار التشغيل، وليس مجرد ضخ الأموال أو إعلان خطط إعادة الهيكلة، والقضية لا تتعلق بتقديم حلول جاهزة للمصانع المتعثرة في كل مرة، وإنما ببناء قدرة مصرية على ابتكار الحلول وتنفيذها، بما يجعل الأثر الاقتصادي للمبادرة أكبر من رأسمال الصندوق نفسه.

اقرأ أيضًا:

رئيس "التنمية الصناعية" السابق: مصر قادرة على تحقيق 150 مليار دولار صادرات والقطاع الغذائي الحصان الأسود (حوار)

Short Url

search