الذكاء الاصطناعي يُشعل حرب النفوذ بين واشنطن وبكين.. من يحسم قواعد التكنولوجيا؟
الخميس، 24 سبتمبر 2026 01:05 م
الذكاء الاصطناعي
إيمان البصيلي
حرب شرسة تدور رحاها على الساحة الدولية بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حول من يسيطر على سوق الذكاء الاصطناعي في العالم، وتعمل كل دولة على تأسيس تحالف دولي من أكبر عدد من الدول لدعم مسعاها والتأكيد على نفوذها.
تقود الصين تحالفًا يجمع بين 29 دولة لتأسيس منظمة دولية جديدة للتعاون في مجال الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حضور"بكين" في صياغة القواعد المنظمة لهذه التكنولوجيا عالميًا، ومن بين هذه الدول روسيا وبيلاروسيا وصربيا وكوبا والبرازيل وفنزويلا، إلى جانب 10 دول أفريقية و12 دولة آسيوية،
وتتخذ المنظمة الجديدة من مدينة شنغهاي مقرًا لها، فيما تهدف إلى تعزيز التعاون بين الدول ودعم الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

تأمين سلاسل إمداد أشباه الموصلات
في المقابل تقود الولايات المتحدة جهودًا مكثفة لتأسيس شبكة من الشراكات والتحالفات الاستراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي، وإن لم تقم بإطلاق كيان رسمي واحد تحت مسمى "تحالف الذكاء الاصطناعي" بشكل مطلق، بل عبر إطار عمل متكامل ومبادرات تكنولوجية وأمنية مثل مبادرة "باكس سيليكا" (Pax Silica)، التي أطلقتها واشنطن في ظل احتدام المنافسة التكنولوجية مع بكين، لتأمين سلاسل إمداد أشباه الموصلات والمعادن الحيوية ونماذج الذكاء الاصطناعي بمشاركة نحو 24 دولة حليفة مثل اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية وكازاخستان، التي تُعد مصدرًا محتملًا مهمًا للمعادن الحيوية، بالإضافة إلى سعيها لدفع عشرات الدول للاختيار بين منظومتها التقنية أو أطر العمل المنافسة التي تقودها الصين مثل منظمة التعاون الاقتصادي للذكاء الاصطناعي.
أعلن الرئيس دونالد ترامب، خططه لتأسيس "قوة للذكاء الاصطناعي" وتعيين مسؤول رفيع ("قيصر للذكاء الاصطناعي") لحماية وتطوير القطاع عسكريًا واقتصاديًا، كما أطلقت الإدارة الأميركية مبادرات ومجموعات تنسيق مشتركة للربط بين مطوري الذكاء الاصطناعي وخدمات البنية التحتية لمواجهة التهديدات السيبرانية (مثل مبادرة Gold Eagle).
ومع تفاقم الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين حول من يتزعم هذا المجال أبلغت الولايات المتحدة نحو 35 دولة موقعة على «بيان فرصة الذكاء الاصطناعي» الأمريكي، بضرورة الاختيار بين واشنطن وبكين في سباق الذكاء الاصطناعي، محذرةً من أن الدول التي تنضم أيضًا إلى الإطار المنافس الذي تقوده الصين قد تُستبعد من تحالف الذكاء الاصطناعي بقيادة أمريكا.
وتسعى أمريكا، من خلال دفع الدول إلى الاختيار بين الجانبين، إلى حرمان الصين من الموارد اللازمة للمنافسة على تطوير أكثر أنظمة الذكاء الاصطناعي تقدمًا، التي يمكن استخدامها لتحقيق تفوق عسكري أو هيمنة اقتصادية.

وتخوض كلا الحكومتين، معركة مستعرة لفرض السيطرة على القطاع وتقديم النماذج القادرة على جذب المستخدمين من مختلف بقاع العالم، ووصل الأمر لاتهام كل منهما الأخرى بسرقة نماذجها، في المقابل وفي خضم هذه الحرب، يستفيد المستخدمون من الاعتماد على كل النماذج المتاحة، سواء كانت نماذج صينية أو أمريكية، وذلك داخل الولايات المتحدة والصين على حد سواء، رغم القيود التي تفرضها كلا الدولتين على نماذج الدولة الأخرى.
ضوابط المخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة
تمنع الصين مواطنيها من الوصول إلى التقنيات الأجنبية ومن بينها نماذج الذكاء الاصطناعي الأمريكية عبر جدار الحماية العظيم، وتدرس الولايات المتحدة فرض قيود تقوّض النمو المتزايد للنماذج الصينية، وهو ما يعني أن هذه الحرب المستعرة محصورة في تصريحات الحكومات والرؤساء التنفيذيين للشركات فقط ولا تعني المستخدمين الذين يبحثون عن أنسب الحلول لاستخدامها في حياتهم اليومية وأعمالهم.
وبعد يومين تنطلق قمة ثنائية بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج، في واشنطن، يوم 24 سبتمبرالجاري، وسيكون ملف الذكاء الاصطناعي على طاولة الحديث في القمة باعتباره أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مع سعي واشنطن وبكين إلى وضع ضوابط للمخاطر المرتبطة بالتكنولوجيا المتقدمة ومنع تصاعد الانقسام بين النظامين التكنولوجيين.
وتضغط الصين، في المقابل من أجل تخفيف القيود الأمريكية التي تحد من وصول الشركات الصينية إلى التكنولوجيا المتقدمة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى ضمان تدفق المعادن النادرة والمغناطيسات الحيوية التي تعتمد عليها صناعات التكنولوجيا والطاقة من الصين باعتبارها المهيمنة على ملف تعدين ومعالجة وإنتاج المعادن الأرضية النادرة في العالم.

ولا تقتصر هذه المواجهة المستعرة على أروقة السياسة واجتماعات الرؤساء فقط، بل تمتد إلى ميدان التكنولوجيا الفعلي، فتعتمد السيطرة الأمريكية حاليًا على هيمنة شركات مثل إنفيديا على أجهزة المعالجة الفائقة، إلى جانب تفوق شركات مثل OpenAI وجوجل في تطوير النماذج الأكثر تعقيدًا، وفي المقابل، ترد الصين عبر تسريع الاكتفاء الذاتي بقيادة هواوي وبايدو، وتطوير نماذج ذكاء اصطناعي ومفتوحة المصدر تتيح لها الاختراق الجيوسياسي للأسواق الناشئة بتكلفة أقل للوصول والسيطرة على أكبر حصة من المستخدمين في السوق.
قانون الذكاء الاصطناعي
في الوقت الذي ينقسم فيه العالم بين القطبين الرئيسين، يحاول الاتحاد الأوروبي فرض نفوذه عبر ضبط قواعد اللعبة من خلال قانون الذكاء الاصطناعي، الأول من نوعه عالميًا، بينما تسعى دول في الشرق الأوسط وآسيا للعب دور المحايد المتربح، عبر استثمار أموال ضخمة لبناء مراكز بيانات واستقطاب التقنيات من الطرفين.
وقبل يومين من اللقاء المرتقب جدد ترامب رفضه الدعوات إلى إبطاء تطوير الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تتقدم على الصين وبقية منافسيها، وأن إدارته لن تعرقل ما وصفها بثورة تكنولوجية قد تتجاوز في تأثيرها الثورة الصناعية والإنترنت، قائلًا في منشور على منصته "تروث سوشيال": "من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز (بكل شيء)"، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تتصدر السباق حاليًا أمام الصين وغيرها، وأنه سيعمل على إبقائها في المقدمة.

وعلى الرغم من تعارض رؤية ترامب مع تحذيرات صدرت عن عدد من قادة شركات التكنولوجيا والباحثين بشأن مخاطر التطور السريع للذكاء الاصطناعي، ودعوة بعضهم إلى تشديد إجراءات السلامة والرقابة مع ازدياد قدرات النماذج المتقدمة، يرفض ترامب أن تؤدي هذه المخاوف إلى إبطاء الولايات المتحدة في منافستها مع الصين، فهو دائمًا ما يتمسك بتسريع التطوير والحفاظ على الصدارة الأميركية، ويؤكد أنه لا يستبعد التدخل عند ظهور تجاوزات، لكن من دون فرض قيود يرى أنها قد تمنح الصين فرصة لتقليص الفارق في سباق التكنولوجيا.
وبين محاولات واشنطن لتطويق النفوذ الصيني، وسعي بكين لتأسيس نظام تقني موازٍ وتوسيع قاعدتها العالمية، يتجه العالم بخطى حثيثة نحو ما يُعرف بـ بلقنة التكنولوجيا أي انقسام شبكة الإنترنت والذكاء الاصطناعي إلى معسكرين مغلقين، مما يضع القواعد المستقبليّة للاقتصاد والأمن القومي العالمي على المحك، ويوتر العلاقات الاقتصادية والتجارية وحتي الدبلوماسية بين الدول خاصة في ظل تعامل الدولتين بمبدأ إما أن تكون معنا أو ضدنا.
اقرأ أيضًا:
قمة ترامب وشي.. 415 مليار دولار تجارة بين أكبر اقتصادين رغم تصاعد التوترات
المعادن الأرضية النادرة تضغط على ترامب قبل لقائه شي والصين تملك مفتاح سلاسل التوريد
Short Url
«مبيعات تتجاوز 4 مليارات يورو».. كيف بنت إيطاليا مكانتها في عالم الجلود؟
23 سبتمبر 2026 05:06 م
الذكاء الاصطناعي الأرخص يجذب الشركات الأمريكية.. ورقة جديدة في مفاوضات واشنطن وبكين
22 سبتمبر 2026 05:10 م
الجمعية العامة للأمم المتحدة 2026.. الاقتصاد والطاقة والتجارة على طاولة قادة العالم
22 سبتمبر 2026 12:20 م
أكثر الكلمات انتشاراً