الدكتور علي عبد النبي يكتب: المفاعلات النووية الصغيرة والتنمية الأفقية في مصر
الثلاثاء، 22 سبتمبر 2026 12:19 ص
الدكتور علي عبد النبي
تعد التنمية الأفقية والخروج إلى الصحراء الخيار الإستراتيجي الأهم لمواجهة الأزمات الناتجة عن تمركز غالبية سكان مصر وإنتاجها في وادي النيل والدلتا (والذي يمثل نحو 7% فقط من المساحة الإجمالية).
أدى زحف النمو العمراني غير المخطط (العشوائيات) على أجود الأراضي الزراعية في الدلتا والصعيد، إلي تهديد الأمن الغذائي. بالإضافة إلي الضغط الرهيب على البنية التحتية أدي إلي تهالك شبكات الصرف الصحي، والمياه، والكهرباء، والطرق نتيجة للاستخدام الذي يفوق طاقتها الاستيعابية بأضعاف. مما نتج عنه تلوث بيئي وبصري، من خلال ارتفاع مستويات التلوث الهوائي والسمعي، وزيادة الانبعاثات الكربونية الناتجة عن زحام السيارات والمنشآت الصناعية المتداخلة مع السكن. والحصيلة ارتفاع تكاليف المعيشة وارتفاع أسعار العقارات، نتيجة زيادة الطلب الهائل على مساحات محدودة من الأرض، أدى إلى طفرات غير مبررة في أسعار الأراضي والإسكان.
لذلك مغادرة "الوادي الضيق" لم يعد مجرد رفاهية، بل ضرورة حتمية لمعالجة الأضرار الحالية وبناء مستقبل مستدام.
لذلك التنمية الأفقية هي "الهروب إلى الأمام"، الهروب من ماكينة الفرم الكبرى في المدن المزدحمة إلى رحابة الصحراء، حيث يمكن خلق "أنظمة حياة مستقلة"، تعتمد على استخدام التقنيات الحديثة لاستصلاح الأراضي وتوفير الأمن الغذائي بعيدا عن تلوث المدن، وعلي الصناعات الجديدة وربط المدن الجديدة بمناطق المواد الخام والموانئ، مما يقلل تكاليف النقل ويخلق فرص عمل حقيقية.
التحول نحو الكهرباء المولدة من مصادر نظيفة (كالشمس والرياح والمياه وحرارة باطن الأرض والنووية) يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، مما يؤدي لخفض الانبعاثات الكربونية ومكافحة التغير المناخي. رغم المزايا الكبيرة، تواجه "الطاقة الشمسية وطاقة الرياح" تحديات واقعية تعيق تسارع وتيرة الاعتماد عليها كبديل كامل. حيث تعتمد هذه المصادر على الظروف الجوية (سطوع الشمس وسرعة الرياح)، مما يجعل الإنتاج غير ثابت. وهذا يتطلب تكنولوجيات متطورة لـتخزين الطاقة (مثل البطاريات العملاقة) وهي لا تزال مكلفة.
الوصول إلى مزيج طاقة عالمي خالي من الكربون ليس مجرد طموح بيئي، بل هو ضرورة استراتيجية وجيوسياسية، ويواجه واقعا تكنولوجيا معقدا يتطلب "مزيجاً واقعيا" وليس حلولا أحادية. والمزيج المثالي ليس "نوويا ضد متجدد"، بل هو ثلاثية "نووي + متجدد + تخزين طاقة". ومن ينجح في الربط بينهم وبتكلفة منخفضة، سيمتلك مفاتيح الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين.
من هنا تأتي أهمية الدمج ما بين محطات الطاقة المتجددة "الطاقة الشمسية وطاقة الرياح" مع محطات الطاقة النووية الصغيرة (مفاعلات معيارية صغيرة) في شبكة كهرباء مستقلة (نظام الشبكات الموزعة) لتغطية احتياجات التنمية الأفقية من الكهرباء. المفاعلات المعيارية الصغيرة متطلباتها اقل في الاحتياج إلى مياه التبريد، مما يسمح بوضعها في أماكن لا تستوعب المفاعلات النووية الكبيرة، مثل المناطق النائية والبعيدة عن الشبكة الكهربائية الموحدة، أو في التجمعات الصناعية ذات شبكات الكهرباء الصغيرة، وهو ما يعزز استراتيجيات التوسع العمراني في المناطق الصحراوية. كما يمكن وضعها بالقرب من المدن الصناعية لإنتاج البخار للتطبيقات الصناعية، أو لتوليد الحرارة اللازمة للعمليات الكيميائية والتدفئة أو لمحطات تحلية مياه البحر.
إعادة توجيه البوصلة نحو الصحراء (مثل الظهير الصحراوي للمحافظات، وسيناء، والساحل الشمالي، وساحل البحر الأحمر، والوادي الجديد، وحلايب وشلاتين) يحقق مكاسب جيو-إستراتيجية واقتصادية واسعة.
فتعمير المناطق الحدودية والفارغة (مثل سيناء وجنوب الوادي) يسد الثغرات الأمنية ويفرض السيادة الكاملة، مع إقامة مجمعات صناعية وزراعية وتعدينية جديدة (مثل مشروع الدلتا الجديدة وتوشكي) بعيدا عن الزحام.
المفاعلات المعيارية الصغيرة(SMRs) تعد تحولا جوهريا في فلسفة الطاقة النووية، حيث تهدف إلى معالجة العقبات التي واجهت المفاعلات النووية التقليدية الكبيرة، مثل التكاليف الباهظة والتعقيد الإنشائي. قدراتها تتراوح ما بين 20 إلي 300 ميجاوات كهربي، ومصممة بتقنية معيارية، حيث يتم تصنيع وتجميع وحدات متكاملة (مكونات رئيسية) في المصانع أو المنشآت المتخصصة في ظل ظروف خاضعة للرقابة، ثم تنقل جاهزة إلى الموقع للتركيب، مما يرفع من جودة التصنيع ويقلل من الأخطاء الميدانية. هذا النهج يقلل من مدة البناء في الموقع (في حدود 3 سنوات، بدلا من أكثر من 7 سنوات للمفاعلات الكبيرة)، فمدة البناء القصيرة تقلل من تراكم فوائد القروض، وبذلك تنخفض التكاليف الإجمالية.
المفاعلات الصغيرة تمتاز بتكلفة رأسمالية أقل من المفاعلات الكبيرة (مفاعل 120 ميجاوات في حدود مليار دولار، بينما مفاعل 1200 ميجاوات أكثر من 7 مليار دولار)، مما يسهل تمويلها من القطاع الخاص أو الشركات، ويقلل من المخاطر المالية ويتيح الفرصة لشريحة أوسع من المستثمرين والمالكين لهذه المفاعلات، كما يمكن للمستثمرين البدء بمفاعل واحد ثم إضافة وحدات أخرى تدريجيا حسب الحاجة، مما يقلل من المخاطر المالية.
المفاعلات المعيارية الصغيرة ليست مجرد "نسخة مصغرة"، بل هي نموذج يجمع بين مرونة الاستثمار وأمان الفيزياء. أنظمة الأمان في هذه المفاعلات، لا تعتمد على مضخات ومولدات طوارئ ومصادر طاقة خارجية، لكنها تعتمد علي أنظمة أمان سلبية، أي تعتمد على قوانين الفيزياء الطبيعية (مثل الجاذبية ودوران السوائل بالحمل الحراري) لتبريد المفاعل في حالات الطوارئ دون الحاجة لتدخل بشري أو طاقة كهربائية لتشغيل مضخات التبريد. مما يقلل احتمالية وقوع حوادث كارثية. ومع صغر حجم قلب المفاعل وميزات الأمان السلبي، يكون بالإمكان إنشاء مناطق طوارئ أصغر، مما يسمح بنشر هذه المفاعلات بالقرب من المناطق الحضرية والمواقع الصناعية.
هذه المفاعلات تعمل بشكل عام على مدار الساعة وطوال أيام الأسبوع، وتعمل أكثر من 92% من عدد ساعات السنة، وهو ما يؤهلها لتغذية الحمل الأساسي للشبكة، مع تمتعها بميزة تتبع الحمل.
بالنسبة للدول النامية والتي تحتاج إلى طاقة كهربائية رخيصة للتنمية، هذا المزيج من الطاقة (نووي + متجدد + تخزين طاقة) ليس الحل السحري، فتكلفة إنتاج الكهرباء المستوية (LCOE) حاليا أعلى من المصادر المتجددة (الرياح والشمس)، ويعتمد نجاحها الاقتصادي على "وفورات العدد"، أي إنتاج مئات الوحدات المتطابقة من هذه المفاعلات. لذلك، لن ينجح المزيج عالميا، إلا إذا أصبحت المفاعلات المعيارية الصغيرة أرخص من الطاقة المتجددة، وهو ما يتطلب تعاونا دوليا لتوحيد التراخيص وخفض التكاليف.
علي الرغم من أن هناك خططا لتطوير عشرات المفاعلات التجارية من المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة، وهي لا تزال جميعها تقريبا في مراحل التصميم أو ما قبل الترخيص، في أمريكا والأرجنتين وكندا وكوريا الجنوبية، والتي من المستهدف استخدامها في تطبيقات مختلفة، إلا أنه في أوائل عام 2026، لم يكن هناك سوى مفاعلين صغيرين معياريين يعملان تجاريا على مستوى العالم في روسيا والصين.
روسيا أول دولة تستخدم المفاعلات المعيارية الصغيرة، بدأت تشغيلها التجاري في مايو 2020. روسيا لديها مفاعلات نووية صغيرة قدرتها 35 ميجاوات كهربي من طراز KLT-40S من نوع الماء الخفيف المضغوط، من الجيل الثالث مطور، وهي نسخة مطورة من المفاعلات التي تستخدم في كاسحات الجليد الروسية، مما يعني أنها تعتمد على تكنولوجيا مجربة وموثوقة لعقود. ونظرا لمساحة الأرض الصغيرة التي تحتاجها هذه الوحدات، أمكن وضع وحدتين من هذه المفاعلات (70 ميجاوات) علي بارجة (سفينة)، لتصبح محطة كهرباء عائمة Off Shore (تحت مسمي "أكاديميك لومونوسوف")، يمكن رسوها في أي ميناء، وتوصيلها بالشبكة الكهربائية، ويمكن تعديل هذه المفاعلات لتعمل كمحطات لتحلية مياه البحر بإنتاجية ضخمة تصل إلى 240 ألف متر مكعب يوميا.
كما يمكن وضع هذه الوحدات علي الأرض لتصبح محطة كهرباء أرضية On Shore.
تعد المحطة النووية الروسية العائمة "أكاديميك لومونوسوف" نقلة نوعية في تكنولوجيا المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs)، وهي تمثل الحل الروسي المبتكر لتوصيل الطاقة إلى المناطق النائية التي يصعب ربطها بالشبكات القومية التقليدية. العمر التشغيلي لهذه المفاعلات 40 عاما. دورة التزود بالوقود كل 3 سنوات، ويتم في مراكز متخصصة وليس في موقع العمل، مما يقلل من المخاطر البيئية في الموقع. يتم بناء المحطة بالكامل في الأحواض الجافة، وتصل إلى الموقع جاهزة للتشغيل، مما يقلل من تكاليف الإنشاءات المدنية المعقدة في المواقع النائية. نجحت روسيا في الجانب التقني لهذا المفاعل، لأنها استندت إلى تاريخ طويل في محركات كاسحات الجليد.
تأتي الصين بعد روسيا بمفاعل الحرارة العالية المبرد بالغاز (HTGR) طراز HTR-PM من الجيل الرابع، الذي دخل حيز التشغيل التجاري في ديسمبر 2023، عمره التشغيلي 40 عاما. يستخدم غاز الهيليوم كمبرد والجرافيت كمهدئ، والوقود النووي يتكون من حبيبات جرافيت كروية بحجم كرة التنس تقريبا (6 سم). تحتوي كل كرة على آلاف الجسيمات النووية المجهرية المغلفة بالكربون والسيراميك، تقنية TRISO. يعمل عند درجة حرارة تبلغ 750 درجة مئوية. التزويد بالوقود مستمر أثناء التشغيل، حيث تضاف كرات الوقود الجديدة من الأعلى وتزال الكرات المستهلكة من الأسفل أثناء تشغيل المفاعل دون الحاجة إلى إيقافه. هذا المفاعل يعمل بمحطة "شيداو باي"، وتتكون الوحدة في "شيداو باي" من مفاعلين يشغلان توربينا واحدا بقدرة 210 ميجاوات كهربي. نجحت الصين في بناء هذا المفاعل، لكنها لا تزال تراقب أداءه التشغيلي لسنوات قبل الحكم على الجانب التقني، وجدواه الاقتصادية، ومطابقته لمعايير السلامة المتطورة.
من المرجح أن تنجح هذه المفاعلات استراتيجيا وتكنولوجيا، لكن استدامتها الاقتصادية تظل مشروطة. والنجاح يعتمد على قدرة الصناعة على الانتقال من "المفاعل الأول من نوعه"، إلى "الإنتاج المتسلسل". وإذا تمكنت الشركات من توحيد التصاميم والحصول على تراخيص تنظيمية سريعة، فستكون المفاعلات المعيارية الصغيرة هي الحل الأمثل لسد الفجوة في الشبكات التي تسعى للوصول إلى "صفر انبعاثات" بحلول 2050.
العالم في بداية الطريق إلي المفاعلات النووية المعيارية الصغيرة، وعلي الدول النامية أن تنتهز هذه الفرصة، وألا تنتظر نضوج هذه التكنولوجيا عالميا، وعليها الدخول في شراكات بحثية وتجريبية الآن، فهو ضروري لضمان "أمن الطاقة" مستقبلا. ففي قطاع حساس مثل الطاقة النووية، فالخسارة والربح تتجاوز النظرة التجارية الضيقة للأرباح والخسائر المباشرة، وتقاس بامتلاك "المعرفة التراكمية" والقدرة على اتخاذ قرار وطني مستقل بناء على تجربة فعلية، حيث الاستثمار المبكر هو استثمار في بناء القوة الوطنية. والانتظار بالنسبة للدول النامية لا يعني فقط فوات الفرصة، بل يعني تكريس التبعية التكنولوجية والاقتصادية لعقود قادمة.
الدخول في شراكات بحثية وتجريبية الآن، يتيح للدول النامية أن تكون "شريكا في التطوير"، وليس مجرد زبون يشتري تكنولوجيا جاهزة ومقيدة بشروط سياسية واقتصادية مجحفة لاحقا، ويتيح للعلماء، والمهندسين، والجهات الرقابية في الدول النامية فرصة التطور بالتوازي مع نمو التكنولوجيا عالميا. بالإضافة إلي أن المشاركة المبكرة تمكن المصانع الوطنية من الاندماج في سلاسل الإمداد العالمية لهذه التكنولوجيا منذ البداية. وبدون تجارب فعلية، لن تمتلك الهيئات الرقابية في الدول النامية القدرة على فحص وتأمين هذه المفاعلات مستقبلا، وسيكون قرارها رهنا بتقارير الشركات المصنعة.
Short Url
دكتور تامر مؤمن يكتب.. التمويل على أرضية المصنع يهدف لحماية صادراتنا من العزلة الدولية
21 سبتمبر 2026 02:09 م
الدكتور تامر سعيد يكتب: حرب القيمة ودورة حياة الميزة التنافسية
20 سبتمبر 2026 07:28 م
أكثر الكلمات انتشاراً