الإثنين، 21 سبتمبر 2026

11:05 م

«مناجم فوق الأرض».. كيف تحوّل المخلفات الإلكترونية أجهزتك القديمة إلى ثروة من المعادن الحرجة؟

الإثنين، 21 سبتمبر 2026 10:04 م

المخلفات الإلكترونية

المخلفات الإلكترونية

مي المرسي

لم تعد المخلفات الإلكترونية مجرد عبء بيئي تتزايد كلفته مع تسارع التحول الرقمي، بل تتحول تدريجيًا إلى مصدر مهم للمواد الخام التي تحتاجها صناعات التكنولوجيا والطاقة والسيارات الكهربائية.

فالهاتف القديم، والكمبيوتر، والأجهزة الكهربائية، ولوحات الدوائر الإلكترونية، والبطاريات المستعملة، تحتوي على خليط من المعادن يمكن استعادته وإدخاله مرة أخرى في سلاسل الإنتاج، بما يفتح الباب أمام ما يعرف بـ«التعدين الحضري» أو استخراج الموارد من المنتجات التي انتهى عمرها التشغيلي.

وتكتسب هذه الصناعة أهمية أكبر مع تصاعد الطلب العالمي على المعادن والمواد المستخدمة في الرقائق الإلكترونية والبطاريات والطاقة المتجددة والمركبات الكهربائية، في وقت تواجه فيه سلاسل توريد المعادن مخاطر مرتبطة بتركز التعدين والمعالجة في عدد محدود من الدول.

62 مليون طن مخلفات إلكترونية في عام واحد

أظهر التقرير العالمي للمخلفات الإلكترونية 2024 الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات والأمم المتحدة أن العالم أنتج نحو 62 مليون طن من المخلفات الإلكترونية في 2022، بزيادة 82% مقارنة بعام 2010، بينما لم تتجاوز الكمية التي جرى جمعها وإعادة تدويرها رسميًا 22.3% من إجمالي المخلفات.

وتشير التقديرات إلى ارتفاع حجم المخلفات الإلكترونية إلى 82 مليون طن بحلول 2030، ما يعني اتساع الفجوة بين سرعة إنتاج الأجهزة الإلكترونية وقدرة منظومات جمعها وإعادة تدويرها.

والأهم اقتصاديًا أن هذه المخلفات لم تكن خالية من القيمة؛ فقد احتوت في 2022 على نحو 31 مليون طن من المعادن، بينما قدرت قيمة المعادن الموجودة فيها بنحو 91 مليار دولار، من بينها 19 مليار دولار للنحاس و15 مليار دولار للذهب و16 مليار دولار للحديد، وبذلك لا تصبح المشكلة في التخلص من المخلفات فقط، وإنما في فقدان موارد يمكن أن تتحول إلى خامات صناعية إذا جرى جمعها ومعالجتها بالطرق المناسبة.

وزارة الاتصالات تبدأ استغلال كنز المخلفات الإلكترونية.. خالد العطار: 40 ألف  طن مخلفات تنتجها مصر سنويا.. ويكشف: تدويرها يدير عائدا بـ100 مليون دولار..  وطن الذهب من

ماذا يوجد داخل المخلفات الإلكترونية؟

تختلف تركيبة المخلفات بحسب نوع الجهاز، لكن عملية إعادة التدوير المتقدمة يمكن أن تستهدف مجموعة واسعة من المعادن والمواد ذات القيمة الاقتصادية.

وتشمل المعادن الأساسية الحديد والألومنيوم والنحاس، وهي تمثل الجزء الأكبر من الكتلة المعدنية في المخلفات الإلكترونية. ووفق بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات، احتوت مخلفات 2022 على نحو 24 مليار كيلوجرام من الحديد، و3.9 مليار كيلوجرام من الألومنيوم، و2.1 مليار كيلوجرام من النحاس.

كما تحتوي المخلفات على كميات أصغر ولكنها مرتفعة القيمة من الذهب والفضة والبلاديوم والبلاتين، إلى جانب معادن أخرى مثل النيكل والكوبالت، وهي تدخل في صناعات إلكترونية وكيميائية وصناعات البطاريات.

وتظهر أهمية هذه الموارد بشكل أكبر في بعض أنواع المخلفات؛ فلوحات الدوائر المطبوعة والموصلات تحتوي على معادن نفيسة، بينما تمثل البطاريات مصدرًا لمواد مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل، في حين تحتوي بعض الأجهزة والمكونات على عناصر تستخدم في الصناعات التكنولوجية المتقدمة.

«التعدين الحضري» ينافس التعدين التقليدي

يكتسب مفهوم التعدين الحضري أهمية متزايدة لأنه يسمح باستعادة مواد خام من منتجات موجودة بالفعل بدلًا من الاعتماد الكامل على استخراج خامات جديدة من المناجم.

وفي 2022، كان يمكن استعادة كميات كبيرة من المعادن الموجودة في المخلفات الإلكترونية من خلال مسارات الإدارة الحالية، لكن نحو 12 مليار كيلوجرام من المعادن ظلت غير قابلة للاسترداد وفق الممارسات القائمة، ما يعكس حجم الموارد التي يمكن أن تضيع بسبب ضعف الجمع أو انخفاض كفاءة المعالجة.

ولا يتعلق الأمر بالذهب فقط؛ فالنحاس، على سبيل المثال، يمثل مادة أساسية في الكابلات ولوحات الدوائر والعديد من التطبيقات الكهربائية، بينما تدخل المعادن الموجودة في البطاريات في منظومة تخزين الطاقة والتنقل الكهربائي، وهنا تتحول إعادة التدوير من نشاط للتخلص من النفايات إلى جزء من أمن سلاسل الإمداد الصناعية.

كيف تستخرج المعادن من الأجهزة القديمة؟

تمر إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية الصناعية بعدة مراحل تبدأ عادة بالجمع والفرز والتفكيك، ثم فصل المكونات والمواد المختلفة، قبل استخدام عمليات أكثر تخصصًا لاستعادة المعادن.

وتشمل عمليات المعالجة الفصل الميكانيكي والتكسير والفرز لفصل المعادن عن البلاستيك والمكونات الأخرى، ثم يمكن استخدام تقنيات حرارية أو مائية بحسب نوع المخلفات والمعدن المستهدف.

وتعتمد المعالجة الحرارية على استخدام درجات حرارة مرتفعة لفصل وتجميع مواد معينة، بينما تستخدم المعالجة المائية محاليل وعمليات كيميائية لاستخلاص معادن محددة من المواد المعالجة، كما يجري تطوير تقنيات أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا بيئيًا، من بينها المذيبات المتقدمة وعمليات المعالجة الحيوية، لكن اختيار التكنولوجيا لا يعتمد على التقنية وحدها، إذ يرتبط بنوع المخلفات، وتركيز المعدن، وحجم المنشأة، وتكلفة الطاقة والمعالجة ومتطلبات السلامة والبيئة.

88 ألف طن سنويا.. المخلفات الإلكترونية ثروات مهدرة وسموم تهدد الصحة  والبيئة.. والحل في الاستثمار - بوابة الأهرام

بطاريات الليثيوم تدخل قلب سباق إعادة التدوير

تمثل بطاريات الليثيوم أحد أهم المجالات الجديدة في سوق إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية، مع توسع استخدامها في الهواتف والحواسيب والأجهزة الكهربائية وتطبيقات التنقل الكهربائي.

وفي مصر، بدأت الجهات الحكومية بالفعل التحرك لوضع إطار أكثر تنظيمًا لجمع وإدارة وإعادة تدوير بطاريات الليثيوم. ففي يوليو 2026، عقد جهاز تنظيم إدارة المخلفات جلسة تشاورية لإعداد منظومة المسؤولية الممتدة للمنتج لبطاريات الليثيوم المستخدمة في الأجهزة الكهربائية والإلكترونية، في إطار تطبيق قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 ودعم الاقتصاد الدائري.

وتعكس هذه الخطوة تغيرًا في طبيعة التعامل مع البطاريات، من مجرد مخلفات تحتاج إلى التخلص الآمن إلى مورد يحتاج إلى منظومة متكاملة لجمعه ونقله ومعالجته واستعادة المواد الموجودة داخله.

مصر تتحرك لتنظيم سوق المخلفات الإلكترونية

يمثل قانون تنظيم إدارة المخلفات رقم 202 لسنة 2020 الإطار التشريعي الأساسي لإدارة المخلفات في مصر، وتعمل الجهات المختصة على وضع ضوابط أكثر إحكامًا لتداول ومعالجة المخلفات الإلكترونية والكهربائية.

وفي فبراير 2026، ناقش جهاز تنظيم إدارة المخلفات مع شركات عاملة في إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية والكهربائية آليات تنظيم تداول هذه المخلفات وتتبعها، إلى جانب الضوابط الفنية والإجرائية الخاصة بالشركات العاملة في هذا النشاط.

وأكد الجهاز أن مزاولة نشاط معالجة المخلفات الإلكترونية تتطلب الحصول على الموافقات اللازمة والعمل وفق الضوابط والالتزامات التي يحددها القانون، بهدف إعادة تدوير المخلفات بصورة آمنة بيئيًا داخل المنشآت المعتمدة، والحد من تسربها إلى القطاع غير الرسمي.

أين تكمن الفرصة الاستثمارية؟

الفرصة في صناعة إعادة تدوير المخلفات الإلكترونية لا تقتصر بالضرورة على إنشاء مصنع ضخم يستخلص جميع المعادن، إذ يمكن أن تبدأ سلسلة القيمة من جمع وفرز المخلفات، مرورًا بالتفكيك والمعالجة الأولية، وصولًا إلى المنشآت المتخصصة في استخلاص المعادن.

وتبرز أيضًا فرص في إعادة تدوير البطاريات، وتطوير أنظمة الفرز والتتبع، وإعادة استخدام بعض المكونات، ومعالجة لوحات الدوائر، وتوفير المواد الخام الثانوية للمصانع التي تحتاج إلى النحاس والألومنيوم والمعادن الأخرى، لكن ارتفاع القيمة المحتملة للمخلفات لا يعني أن أي مشروع صغير قادر تلقائيًا على تحقيق أرباح مرتفعة، فالمعالجة المتقدمة تحتاج إلى استثمارات في المعدات والتكنولوجيا والسلامة، كما تخضع المخلفات الإلكترونية والبطاريات لاشتراطات بيئية وتنظيمية يجب حسابها ضمن دراسة الجدوى.

التحدي الأكبر.. الوصول إلى المخلفات

أحد أكبر التحديات أمام الصناعة ليس فقط كيفية استخراج المعادن، وإنما كيفية جمع المخلفات والوصول إليها قبل فقدان قيمتها.

ويشير التقرير العالمي للمخلفات الإلكترونية إلى أن جزءًا كبيرًا من المخلفات في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل يدار خارج الأنظمة الرسمية، وهو ما يرفع المخاطر الصحية والبيئية ويؤثر في كفاءة استعادة المواد.

لذلك، فإن بناء شبكة رسمية لجمع الأجهزة القديمة والبطاريات والمكونات الإلكترونية يمثل عنصرًا أساسيًا في نجاح صناعة إعادة التدوير، بالتوازي مع تطوير التكنولوجيا التي تسمح باستخلاص أكبر قدر ممكن من المواد.

من «نفايات» إلى خامات لصناعة المستقبل

تكشف أرقام المخلفات الإلكترونية أن العالم لا يواجه أزمة نفايات فقط، وإنما يواجه أيضًا أزمة موارد؛ فكل هاتف أو حاسوب أو بطارية يتم التخلص منها بطريقة غير آمنة قد تحمل معها كمية من المواد القابلة للاسترداد.

ومع ارتفاع الطلب على المعادن المستخدمة في الإلكترونيات والبطاريات والطاقة النظيفة، تتحول إعادة التدوير إلى حل يجمع بين حماية البيئة وتقليل الهدر وتوفير جزء من احتياجات الصناعة من المواد الخام الثانوية، وبهذا المعنى، قد لا تكون المناجم المستقبلية كلها تحت الأرض، فجزء منها موجود بالفعل داخل ملايين الأجهزة والبطاريات التي انتهى عمرها التشغيلي، وتنتظر منظومة أكثر كفاءة لجمعها ومعالجتها وإعادة المعادن الموجودة فيها إلى دورة الإنتاج.

اقرأ أيضًا:

المعادن الأرضية النادرة تضغط على ترامب قبل لقائه شي والصين تملك مفتاح سلاسل التوريد

Short Url

search